العنوان فتوى الأزهر في «الجهاد الإلكتروني»
الكاتب د. عمر عبد العزيز مشوح
تاريخ النشر السبت 27-ديسمبر-2008
مشاهدات 62
نشر في العدد 1832
نشر في الصفحة 22
السبت 27-ديسمبر-2008
يبدو أن مفهوم «الجهاد الإلكتروني» سوف يتطور أكثر ويأخذ بُعدًا جديدًا بعد فتوى الأزهر الجديدة والقوية في نفس الوقت، والتي أعطت تأييدًا لهذا المفهوم الجديد من الجهاد.
فتوى الأزهر التي صدرت حديثًا بتاريخ (25/8/2008) ذكرت جواز استخدام التكنولوجيا الحديثة في الهجوم على المواقع الإسرائيلية والأمريكية التي تسيء للإسلام والمسلمين وتدميرها، وكذلك الرد عليها: باعتبار أن ذلك نوع من أنواع الجهاد المعاصر.
وظهور الفتوى في هذا الوقت هو رد قوي على الجدال الطويل الذي دار حول هذه المسألة في السنوات الماضية؛ فقد كان هناك رفض شبه تام لمثل هذه العمليات الإلكترونية، وأننا لسنا في موقع يسمح لنا بدخول هذه الساحة؛ لأن مقدرات ومقومات العدو أكبر منا بكثير من المنظور التقني والتطور البرامجي.
مبررات المجيزين
وأوضحت الفتوى أن من مزايا شريعة الإسلام أنها حددت مفاهيم الألفاظ تحديدًا واضحًا دقيقًا حتى تتضح الأمور؛ فحددت معنى كلمة «الجهاد» في الإسلام، وأنه مأخوذ من الجهد بمعنى المشقة والتعب، فالمجاهد هو من بذل أقصى طاقته في دفع عدوان المعتدين، وفي تأديب البغاة والظالمين.
وأكدت اللجنة أن: الجهاد من باب الدفع الذي جاء في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة:251)، فلولا أن الله يدفع أهل الباطل بأهل الحق لفسدت الأرض ولعمها الخراب، وهو أمر للأخيار في كل زمان ومكان أن يقفوا في وجه الباغين المغرورين، وأن يقاوموهم بكل وسيلة من شأنها أن تحول بينهم وبين الفساد والطغيان.
واستطردت الفتوى: «ومن هنا فما ظهر عبر شبكات بما يسمى بـ«الجهاد الإلكتروني» أمر جائز شرعًا لأنه من وسائل مقاومة العدو، وخاصة أن العدو يبث عبر شبكات الإنترنت أمورًا تسيء إلى الإسلام ورسوله ﷺ، والمسلمين، والأخلاق الإسلامية».
بصمات التأييد
وقد لاقت هذه الفتوى تأييدًا من الفقهاء؛ حيث يرى الدكتور «محمد علي الزغول» عميد كلية الشريعة الإسلامية بجامعة مؤتة بالأردن أن الفتوى صحيحة؛ كذلك فإن الدكتور «محمد فؤاد البرازي» رئيس الرابطة الإسلامية بالدنمارك وعضو المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث قد أكد أن مهاجمة المواقع الإسرائيلية والمسيئة للإسلام يعتبر من ضروب الجهاد.
وقدم البرازي الشكر للأزهر لإصدار هذه الفتوى التي يؤيد بها حرب هذه المواقع بشكل يؤكد ريادته وقال: «إننا نحتاج في هذه الفترة إلى أنواع كثيرة من الجهاد. ويخطئ كثير ممن يظنون أن الجهاد قاصر على المنازلة فقط. ولكن الجهاد أنواع، فمنه الجهاد الإعلامي، والاقتصادي، واللساني عن طريق الوسائل المختلفة».
وابتسمت كتائب «الجهاد الإلكتروني».
هذه الفتوى -في رأيي- سوف تدعم الناشطين في هذا المجال، وتعطيهم دفعة معنوية وتأييدًا قويًا ضد من يفتي بمنعهم.
وكان أن حدث جدال طويل (ومازال) حول هذه المسألة، وصدرت فتاوى متشددة في هذا الباب من أجل سد الذرائع ودفع المفسدة التي قد تحصل نتيجة هذا العمل.
لكن مازال هناك كتائب «للجهاد الإلكتروني» تعمل ومستمرة في نشاطها دون النظر في الفتاوى، لكن القدرة التقنية والمادية تقف حائلا أمام تحقيق أهدافها الكبرى، ومع ذلك فقد تضرر العدو كثيرا من بعض الهجمات التي خرجت من هنا وهناك.
الجناحان المتوازيان
وكنت قد كتبت مقالًا سابقا في هذه الزاوية عن هذا الموضوع واسمه (تدمير المواقع.. انتصار البداية وهزيمة النهاية) وذكرت فيه أن المسألة لها جناحان يجب أن يكونا متوازنين، وهما الجانب الشرعي والجانب التقني.
من الناحية الشرعية يجب أن تتم دراسة المصلحة في العمل قبل البدء به ودراسة نتائجه والضرر الذي ينتج عنه، وهل المصلحة تقتضي أن يتم الآن أو لاحقًا؟ وما نوعية الموقع المعادي؟ وهل العداء سافر مؤذ؟ أم أنه ضمن حدود وجهات النظر المتعددة؟ وهل هناك تأييد شعبي للعمل؟ أم أنه سوف يلاقي معارضة شعبية يفشله في أول خطواته؟ وهل ردة فعل العدو سوف تتسبب بأضرار كثيرة على البنية التحتية للتقنية؟ أم قد يتطور الرد إلى فعل على الواقع وأذية أكبر على الناس؟ كل هذه الأمور يجب أخذها بعين الاعتبار.
أما من الناحية التقنية فيجب أن يكون هناك استعداد تقني يدفع ردة الفعل الناجمة عن الهجوم، ويجب أن يكون الهجوم محددًا لموقع معين بدون جلب ضرر على مواقع أخرى (كأن يتم مهاجمة سيرفر كامل به مواقع أخرى لا صلة لها بالموقع المعادي)، وأيضًا وجود الموارد البشرية التي تقوم بالهجوم أو تصد الهجوم المعادي. فليست القضية أن يقوم فرد واحد بغزوة في لحظة اندفاع وحماس، ثم لا تجده ولا نجد دفاعه عندما يبدأ الهجوم المضاد. وقد تتضرر مواقع لا علم لها أصلًا بأن هناك هجوما قد تم على الطرف المعادي، فتقع ضحية الفردية والارتجالية التي يمارسها البعض.
لا بد من دراسة جميع الاحتمالات التقنية قبل الشروع في مثل هذه العمليات، وإلا فلا فائدة تُرجى منها، خاصة وأن أغلب المواقع الإسلامية والعربية تقع ضمن قوانين شركات الاستضافة الغربية وقوانين الإرهاب الإلكتروني. التي تسمح لهم بأن يدخلوا موقعك ويوقفوه بكل سهولة وبدون تعب أو جهد يذكرا!
ومضة لتصحيح المسار:
غابت القدرة.. وحضر الحماس...غابت القدوة.. وحضرت الفتاوى المتناقضة... فأصبحت ساحة الجهاد الإلكتروني دليلًا جديدًا على فوضى الأمة!!