; فحيح الأفاعي | مجلة المجتمع

العنوان فحيح الأفاعي

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر الثلاثاء 25-أبريل-2000

مشاهدات 65

نشر في العدد 1397

نشر في الصفحة 19

الثلاثاء 25-أبريل-2000

ما الذي يجعل مسؤولًا صهيونيًا يتخلى عن كل مظاهر اللياقة الدبلوماسية وينفجر غيظًا واصفًا المعارضين للتطبيع بـ«الكلاب النابحة»؟! 

فمنذ بدأ الترويج لحملة التطبيع قبل عشرين عامًا والمسؤولون الصهاينة يحرصون على «مخارج ألفاظهم»، لتكون منمقة، ناعمة، متحضرة! جذبًا للطرف الآخر المراد اصطياده، أما أن تتغير هذه اللهجة إلى العكس تمامًا لتتحول إلى حمم من البذاءات، فلابد أن يكون الكيل قد فاض ضد معارضي التطبيع، وأن القلوب قد امتلأت عن آخرها حنقًا عليهم، فمشروع التطبيع كله أصبح مهلهلًا، ويسير إلى زوال مبددًا أحلام الصهاينة في التعايش مع الشعوب العربية والاندماج فيها ثم الهيمنة عليها.

ومن هنا فلم يكن مفاجئًا أن يكون الرد الإسرائيلي على انعقاد المؤتمر الشعبي الأول لمقاومة التطبيع مع العدو في منطقة الخليج بهذه السرعة وبهذا الانفلات الممزوج بالوقاحة. فقد وصف من يسمى بمدير «إدارة الخليج» في وزارة الخارجية الإسرائيلية ديفيد زوهر دول الخليج «بالنفاق» وزعم أن هناك اتصالات تطبيعية جارية، لكن الحديث عنها سابق لأوانه، وختم كلامه قائلًا: «الكلاب تنبح والقافلة تسير»، والحقيقة أنه لو كانت هناك قافلة تسير في الأصل على أرض التطبيع في العالم العربي كله -وليس الخليج- ما صدر ذلك الفحيح  المسموم من هذه الأفعى، ولكن لأن المشروع كله يمضي إلى السراب، كان طبيعيًا أن يتفجر الغضب.

ومن يستعرض مسيرة التطبيع «العلاقة بين الشعوب» منذ بدئها يكتشف بسهولة أن حصادها بسيط ولا يزيد على الركام، صحيح أن العلاقات الرسمية أقيمت بين إسرائيل وكل من مصر والأردن والسلطة الفلسطينية، وأقيمت مكاتب تمثيل في دول أخرى، لكن قطار التطبيع الشعبي لم «يلملم» في محطاته بين العواصم العربية إلا الموقوذة والمتردية والنطيحة وهم لا وزن لهم بين الشعوب.

وصحيح أن إسرائيل استطاعت أن تجتذب إليها عددًا من المثقفين والفنانين والإعلاميين العرب ليكونوا أداة الخطاب والإقناع لشعوبهم، فإذا بالناس -حتى البسطاء- يديرون لهم ظهورهم بل ويأنفون أحيانًا من النظر في وجوههم، وأصبح التيار الرافض للتطبيع هو تيار الشعوب -بحق- والذي يبتلع بين موجاته أي مظاهر أو محاولات تطبيعية. 

والذي تعودت عليه إسرائيل أن انتفاضة الشعوب العربية ضد التطبيع كانت تحدث دائمًا بعد إقامة علاقات دبلوماسية كاملة، هذا ما حدث في مصر والأردن، لكن ما حدث في الخليج بالتحديد هو أن الانتفاضة الشعبية تلك استبقت أي علاقات رسمية تسعى إليها إسرائيل، وذلك يمثل ضغطًا شعبيًا لا يستهان به، ويقطع الطريق أمام أي خطوات رسمية أو على الأقل يؤخرها، وفي الخليج فإن رؤوس الأموال والأسواق والمصالح -وذلك هو الأهم لدى الصهاينة- ليست في أيدي الحكومات وحدها وإنما يمتلك الطرف الشعبي جانبًا مهمًا منها، ولذلك فإن مبادرة المؤتمر الشعبي قلبت الطاولة وأخرجت هذا الهذيان من «زوهر»!

الرابط المختصر :