العنوان فرج فودة.. كاتب صرعته العلمانية!
الكاتب بدر محمد بدر
تاريخ النشر الثلاثاء 30-يونيو-1992
مشاهدات 65
نشر في العدد 1005
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 30-يونيو-1992
حملة غريبة ومريبة تشنها الآن باستفزاز
القوى العلمانية في مصر والعالم العربي والإسلامي، وأيضًا بعض الأقلام الحكومية
هنا وهناك للطعن في الحركة الإسلامية والتيار الإسلامي بصفة عامة، وانتهاز الفرصة
لتجريح مشاعر المسلمين والطعن في أصول الإسلام؛ وذلك في أعقاب اغتيال الدكتور فرج
فودة، الذي لقي مصرعه قبل أيام، بينما كان يتأهب لركوب سيارته الفولفو الحديثة من
أمام مكتبه بحي مصر الجديدة، عندما عاجله أحد الشبان الذين اتهموا بالانتماء
لتنظيم الجهاد بدفعتين كاملتين من رصاص بندقيته الآلية وفر هاربًا، بينما تم القبض
على سائق الدراجة النارية التي كانت تقل الشاب المتهم.
الحملة العلمانية تتهم الإسلاميين بمسؤوليتهم
الكاملة عن مصرع «المفكر العبقري» و«المجدد المتميز» و«المفكر المقاتل» ضد الإرهاب
الإسلامي، الذي هو فقط متمثل في الحركة الإسلامية والصحوة الإسلامية.. وإذا كان
أصغر متصل بالعمل الإسلامي والحركة الإسلامية يعرف يقينًا موقعها من العنف
والاغتيال ويتأكد تمامًا من حرصها على حرية الفكر ومقارعة الحجة بالحجة، ومواجهة
الرأي بالرأي، بل ومطالبتها دومًا بإفساح المجال أمام الحريات المختلفة وعلى رأسها
الحريات السياسية والفكرية، فإن الاتهام هذا الحركات الإسلامية بالإرهاب يكون قد
جانبه الصواب وأخطأ القصد.
وربما كان اتهام القوى العلمانية والأقلام
الحكومية للإسلاميين بالإرهاب واغتيال الفكر وحرية الرأي، هو محاولة لدفع هذا
الاتهام عنها، فالإنصاف يدفعنا إلى الإشارة إلى القوى التي وقفت بجانب فرج فودة
وساعدته على تحدي مشاعر الأمة وفرضته على وسائل الإعلام من صحافة وإذاعة وتلفزيون،
دونما معقب على أفكاره المسمومة، وأسلوبه غير العلمي أو المنطقي.. هذه القوى التي
نفخت في اتجاهه وفكره وقلمه، وأفسحت له المجال ليلقي بالطوب والقاذورات في وجه
الإسلاميين في مقالته الأسبوعية «كلام في الهواء» في مجلة أكتوبر، حتى إنه ليصف
كبار الدعاة وهم في غياهب السجون لا يستطيعون الرد أو التوضيح، يصفهم بالشذوذ
الجنسي وبالزنا وبأكل أموال الناس بالباطل... إلخ.
فارس مغوار!
هذه القوى التي تصورت أنه الفارس العلماني
الأوحد الذي يستطيع أن يهزأ بالتاريخ الإسلامي وبالصحابة رضوان الله عليهم أجمعين
دونما أن يحاسبه أحد أو يناقشه مناقشة علمية تتاح فيها نفس الفرصة للطرفين.. هذه
القوى هي المتهم الأول وراء مصرع فرج فودة، الذي ظهر على مسرح الأحداث قبل نحو
ثماني سنوات فقط، بينما يتحول في هذه الفترة إلى الفارس الأول للفكر العلماني
المؤيد من كبار المسئولين في الصحافة والإعلام.
بداية الصراع مع الإسلاميين
كانت البداية في صراعه مع فضيلة الشيخ
صلاح أبو أسماعيل -رحمه الله- عندما كانا في حزب الوفد عند تأسيسه في 1984 عندما
أصر فرج فودة على علمانية -أي لادينية- الوفد؛ بينما أصر الشيخ صلاح على إسلامية
الوفد، ولحسابات كثيرة أعلن رئيس حزب الوفد إسلامية الحزب، فخرج فرج فودة من الحزب
وأسس مع أحد المارقين عن الإسلام حزبًا جديدًا سماه «حزب المستقبل» وضع غالبية
مؤسسيه من الأقباط، بالإضافة إلى الدكتور أحمد صبحي منصور الأزهري الذي فصلته
جامعة الأزهر لاتهامه بالاعتقاد بعدم ختم النبوة وإنكار السنة النبوية الشريفة.
وكان الملايين من أبناء مصر المسلمة
يتوجسون من ظهور هذا الحزب شرًّا وإمكانية حصوله على رخصة بالعمل السياسي في مصر.
وعلى المستوى السياسي كان فرج فودة
مكروهًا من عامة الشعب؛ فقد رشح نفسه في انتخابات مجلس الشعب عام 1987 بصفته مستقلًّا وفي دائرة شبرا التي يوجد
فيها نسبة كبيرة من الأقباط وبها أكثر من 150 ألف صوت لم يحصل فودة منهم إلا على
مائتي صوت فقط بالرغم من دعايته التي أنفق عليها ببذخ شديد!
التعايش مع «إسرائيل»
كان فرج فودة يدعو إلى التعايش مع «إسرائيل»،
وبدأ هو بنفسه في التعامل بالاستيراد والتصدير؛ حيث يمتلك شركة تعمل في هذا
المجال، وكان يعترف بأن السفير الصهيوني في القاهرة صديقه، ولا حرج في أن يذهب
للعشاء أو الغداء معه!
كان فودة ضيفًا ثابتًا في التلفزيون
والإذاعة التونسية، وفي أخريات مقالاته بمجلة أكتوبر المصرية وصف المجاهد التونسي
على العريض بالشذوذ الجنسي، كما وصف الشيخ الداعية عبدالفتاح مورو بالزنا مع
سكرتيرته الخاصة، وطالب بالاهتمام بالتفسير الجنسي لسلوكيات الإسلاميين!
وضع فودة لنفسه أمام الرأي العام -بكل
وضوح- أنه ضد إقامة الدولة الإسلامية وضد تطبيق الشريعة الإسلامية، وكان ذلك
واضحًا في مناظرته الأخيرة التي عقدها والدكتور محمد أحمد خلف الله في معرض الكتاب
الأخير (يناير 1992) في
مواجهة فضيلة الشيخ محمد الغزالي والمستشار مأمون الهضيبي والدكتور محمد عمارة،
وهي المناظرة التي أثارت حنق الكثيرين من عامة الشعب وأصحاب الاتجاه الإسلامي على
وجه الخصوص.
|
• يقول
فرج فودة في كتابه الحقبة الغائبة: «إن القوانين الوضعية تحقق المصلحة للمجتمع
أكثر من الشريعة الإسلامية» |
وهذه نظرة سريعة في بعض كتبه حول موقفه من
الإسلام:
يقول في كتابه «حوارات حول الشريعة» ص11: «ببساطة
أنا ضد تطبيق الشريعة فورًا أو حتى خطوة خطوة.. لأنني أرى أن تطبيق الشريعة لا
يحمل في مضمونه إلا مدخلًا لدولة دينية». ويقول في كتاب «الطائفية إلى أين؟» ص20: «إن الدعوة لإقامة دولة دينية في
مصر تمثل ردة حضارية شاملة بكل المقاييس». ويقول في كتاب «الحقيقة الغائبة»: «إن
القوانين الوضعية تحقق المصلحة للمجتمع أكثر من الشريعة الإسلامية». ويقول في ص121
من نفس الكتاب: «ورأيي أن القانون الوضعي يحقق صالح المجتمع في قضايا الزنا مثلًا
أكثر مما ستحققه الشريعة لو طبقت».
وعن القانون الحالي يقول: «إنه يعكس
احتياج المجتمع المعاصر بأقدر مما تفعل الشريعة». ووصف في مجلة أكتوبر عدد 10/ 5/
1992 -أي قبل شهر من مصرعه- أعضاء اللجنة التشريعية في مجلس الشعب المصري بأنهم
أصابوه باكتئاب شديد لأنهم طالبوا بتحريم سفور المرأة والشذوذ الجنسي والزنا
بتراضي الطرفين! وأكد أن جرائم الاغتصاب لم تظهر إلا في عصر الحجاب، أما عصر
الميكروجيب فلم يكن هناك شيء من ذلك.
الأذان تراجع!
وفي كتاب «الطائفية إلى أين؟» ص: 31، 32 يقول: «إن البرامج الدينية تمثل
اختراقًا للإعلام وخطرًا على مدنية الدولة». ويعتبر الأذان في التلفزيون تراجعًا
إعلاميًّا أمام المد الديني، ويرى أنه من الأخطاء الفادحة التي وقع فيها المشرفون
على التلفزيون أنهم أعطوا مساحات كبيرة من ساعات الإرسال للبرامج الدينية خاصة
الشيخ الشعراوي في تفسيره وأحاديثه، كما هاجم بعنف إدارة التوجيه المعنوي بالقوات
المسلحة لأنها اصطبغت بالصبغة الدينية، ويتعجب كيف أنها سمحت لمجلة «المجاهد»
بالانتشار بين صفوف القوات المسلحة، ويعتبر ذلك خللًا واضحًا قد طرأ على أساليب
التوجيه المعنوي بالقوات المسلحة بعد هزيمة 1967!
وفي كتابه «الحقيقة الغائبة» ص60 يتطاول
على الصحابي الجليل عبدالله بن عباس حبر الأمة وفقيهها ويتهمه بسرقة بيت المال
ويقول: «هل الاستيلاء على أموال المسلمين بالباطل حلال على مسلم لكونه عاصر الرسول
أو الخلفاء أو الصحابة، حرام علينا لأننا جئنا في عصر غير العصر وزمان غير الزمان؟!».
وهاجم العلماء الذين تحفظوا على فتوى
المفتي بإباحة شهادات الاستثمار بكلام جارح ووصفهم بـ«فقهاء النكد» ويقول: «يجب أن
نضحي بقضية تطبيق الشريعة بالكلية حتى لا نخدش مشاعر النصارى في مصر» (جريدة
الأهالي).
هذه بعض كتابات الدكتور فرج فودة التي
امتلأت بها الصحف ورفوف المكتبات والتي تطعن الإسلام في الصميم. وكان آخر حواراته
في عيد الإعلاميين (۳۱ مايو
الماضي) مع رئيس الدولة -ولا أدري صلته وهو المهندس الزراعي بعيد الإعلاميين- كانت
حول قانون الإرهاب وضرورة صدوره في أقرب وقت لمواجهة ما أسماه «الجماعات الظلامية»!
فإذا استطاع الملايين من أبناء الأمة
الذين صدموا في مشاعرهم الإسلامية وشعروا بالمهانة أمام هذا القدر الهائل من
الافتراء والطعن في فترة من أحلك الفترات التي تمر بها الأمة الإسلامية وسط تكالب
عالمي سافر يريد أن يستأصل شأفة الإسلام والمسلمين، لقد استطاع ملايين المسلمين أن
يكبحوا جماح غضبهم ويمسكوا بزمام أمرهم تجاه هذا الهجوم الشرس على الإسلام وأصوله؛
لكن الأمر انفلت في النهاية وانتهى بمصرع الفارس الذي تحدى الجميع!
إن الذي قتل فرج فودة هو علمانيته، وهؤلاء الذين فتحوا له كل أبواق الدعاية ووسائل الإعلام ليقول ما يشاء، ثم قاموا في النهاية بالبكاء عليه والسير في جنازته.