العنوان فرحة بتصريحات شارون لم تكتمل
الكاتب أحمد كرماوي
تاريخ النشر السبت 07-يونيو-2003
مشاهدات 57
نشر في العدد 1554
نشر في الصفحة 30
السبت 07-يونيو-2003
كثيرون لم يصدقوا حديث شارون أمام أعضاء الكنيست من الليكود عندما قال بأن «إسرائيل لا يمكنها أن تبقي ثلاثة ملايين ونصف المليون فلسطيني تحت الاحتلال إلى الأبد». وقد أعاد شارون كلمة الاحتلال بقوله «والاحتلال أمر سيئ على الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء»!
كانت تلك التصريحات مفاجئة للجميع، الفلسطينيين والصهاينة على حد سواء. لكنها مفاجأة أو فرحة لم تدم طويلاً، إذ سرعان ما «صحح» شارون «هفوته» عندما صرح المدعي العام الإسرائيلي إلياخيم روبشتاين في اليوم التالي أن استخدام شارون لكلمة «احتلال» يمكن أن يضعف من موقف إسرائيل التفاوضي.
وهكذا تراجع شارون عن تصريحه، مدعياً أنه كان يجب أن يصف الوجود الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة بأنه سيطرة على مناطق متنازع عليها! فالحكومة الصهيونية لا تعترف حتى الآن بأنها تحتل أرضاً فلسطينية وتصر على تسمية الضفة والقطاع ب «المناطق» أو Territories دون أن يكون لهذه التسمية معنى.
جاء حديث شارون أمام أعضاء حزبه في الكنيست خلال محاولة إقناعهم بالموافقة على خريطة الطريق التي قدمتها الولايات المتحدة بدعم أوروبي، والتي يقال إنها تنص على إقامة دولة فلسطينية، على الرغم من أن الطرف الفلسطيني مطلوب منه تقديم استحقاقات ليست سهلة، ربما يراهن شارون على فشل الفلسطينيين في تنفيذها، أو قد يصطنع سبباً كما فعل من قبل ليدعي فشل السلطة الفلسطينية في التزاماتها ومن ثم يتنصل من أي التزام تجاه الفلسطينيين.
بعض المحللين يذهب في «تشاؤمه» أبعد من ذلك فيقول إن موافقة تل أبيب على خريطة الطريق ليست أكثر من مناورة شارونية لدعم الرئيس الأمريكي في انتخابات الرئاسة العام القادم لكي يرد له الجميل كونه أكثر الرؤساء الأمريكيين دعماً للكيان الغاصب وأكثرهم حرصاً على مصالحه.
ولعل محاولات شارون المدعومة من البيت الأبيض بعزل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وإحلال محمود عباس بدلاً منه في قيادة المفاوضات لم تأت دفعاً لعملية التسوية بقدر ماهي محاولة لإجهاض العملية والتنصل من أي حل يمكن أن يؤدي إلى انسحاب قوات الاحتلال من الضفة والقطاع.
فأبو مازن قبل كل شيء لا يتمتع بموقف قوي فلسطينياً، ولا يملك من الشعبية أو أدوات القوة التي يمكن أن ينفذ بها مطالب شارون وشروطه سوى ورقة واحدة فقط وهي عدم رضا بوش و شارون عن عرفات وإصرارهما على محمود عباس كبديل.
فهل يمكن أن ينجح أبو مازن الضعيف في أمر فشل فيه عرفات وهو وقف الانتفاضة الفلسطينية ووقف العمليات الاستشهادية؟ أليست العقوبة التي يزدردها عرفات الآن بسبب فشله في تنفيذ الشروط الإسرائيلية والأمريكية بوقف العمليات الجهادية؟
شارون يعرف عرفات أكثر من غيره، ويعلم أن عقوبة الرئيس «الطيار» ليست في قتله أو نفيه خارج رام الله، ولكن في إبقائه حبيساً داخل مقاطعته معزولاً عن العالم الخارجي.
حكومة ضعيفة لا تحظى بالشعبية مثل حكومة أبو مازن ستظل تلعب على الحبلين حتى تسقط، وفي ظل وجود وزراء فاشلين من وزن وزير الإعلام نبيل عمرو، أو محمد دحلان المعروف بعلاقته مع أجهزة الأمن الصهيونية لن تعمر الحكومة طويلاً ومن تابع تعليق نبيل عمرو على تصريح شارون سيدرك هذه الحقيقة، فقد قال: «هذه تصريحات مهمة جداً جداً (!)، إنها نقطة تحول في تفكير شارون وقد تحدث تحولاً في قرارات حكومته... نحن نعرف أنه يناور (!!) لكني أعتقد أيضاً أنه ليس سهلاً على رجل مثل أريل شارون أن يقول ما قاله بالأمس». هكذا يتنطط وزراء أبو مازن على الحبلين، فكيف يكون تصريح شارون مهمان جداً جداً ثم يكون مناورة في الوقت نفسه؟
شروط إسرائيلية على الخريطة
الإسرائيليون قالوا إن شارون أعطى الأمريكان موافقة مشروطة على خريطة الطريق وإنهم قدموا أربعة عشر تعديلاً وملاحظة عليها، وافق الأمريكان على ۱۲ منها ورفضوا اثنين أحدهما الطلب من الفلسطينيين التخلي عن حق العودة للاجئين قبل إقامة الدولة الفلسطينية.
وقد أعلن وزير الخارجية الأمريكي كولن باول أن خريطة الطريق لن يجري عليها أي تعديل لكن التحفظات والملاحظات الإسرائيلية عليها ستؤخذ بعين الاعتبار (!) كما أعلن البيت الأبيض أنه سيأخذ في الحسبان «مخاوف رئيسة» أعربت عنها إسرائيل في ردها وأن هذه المخاوف سيتم تبديدها أثناء تنفيذ الخطة.
وتقول المصادر الإسرائيلية إن شارون أعلن لوزرائه خلال اجتماع لحكومته لمناقشة الموافقة على الخطة، أن اعتماد «خريطة الطريق» يعتبر في نظره «أهون الشرين». وقال رداً على انتقادات الوزراء الأكثر تطرفاً في حكومته إن رفض الخريطة يعتبر «خطأ لا يمكن تجاوزه» وإن «لا شيء سيتقرر دون موافقة إسرائيل»
وهكذا جاءت موافقة الحكومة الصهيونية على الخطة.. إذ أقرتها بأغلبية ١٢ صوتاً، في حين رفضها سبعة وزراء وامتنع أربعة عن التصويت، كما أقرت الحكومة بأغلبية ساحقة مذكرة ترفض مقدماً حق العودة للاجئين الفلسطينيين. إذن جات موافقة حكومة شارون بعد أن تلقت ضمانات أمريكية بأن واشنطن ستأخذ التحفظات الإسرائيلية في الاعتبار عند تطبيق الخطة.
لقاء شارون عباس
كان لقاء شارون - عباس في التاسع والعشرين من مايو الماضي الثاني خلال أسبوعين، ووفقاً لمعلومات إسرائيلية، فإن خلافاً سيطر على أجواء الاجتماع، وتركز على البيانات المتزامنة المطلوب منهما الإدلاء بها في ختام قمة العقبة مع الرئيس بوش في الرابع من الشهر الحالي. وتقول مصادر فلسطينية إن الجانب الإسرائيلي يرفض الإدلاء ببيان يعترف بدولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، في حين توافق السلطة على بيان يعترف بحق إسرائيل في العيش بسلام في حدود آمنة ووقف «التحريض والعنف».
ما رشح عن اللقاء المذكور الذي استمر ساعتين ونصف الساعة أن رئيس الحكومة الصهيوني تعهد بتقديم تسهيلات للفلسطينيين من بينها:
-منح تصاريح عمل لعشرات الآلاف من العمال الفلسطينيين.
- وفك الإغلاق عن الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث سيخرج جيش الاحتلال بصورة تدريجية من بعض المدن الفلسطينية، وسيقلل من تواجده العسكري في المناطق الفلسطينية.
مع ذلك، أوضح شارون لأبو مازن أنه وفي كل حالة ستتعرض فيها حياة الإسرائيليين للخطر دون أن يعمل الفلسطينيون على منع ذلك، فإن «الجيش الإسرائيلي لن يتردد في العمل في تلك المناطق».
- تعيد الحكومة الإسرائيلية النظر في قوائم المعتقلين (حوالي عشرة الاف معتقل فلسطيني) وتفرج عن حوالي مائة من السجناء الإداريين، مع التوقيع على وثيقة يتعهدون من خلالها بعدم القيام بنشاطات «معادية لإسرائيل».
- منح الفلسطينيين ٢٥ ألف تصريح عمل داخل الخط الأخضر، منها ١٥ الفاً لقطاع غزة كما سيسمح لألفي عامل فلسطيني بالنوم داخل الخط الأخضر، وسيتم زيادة عدد العمال الفلسطينيين العاملين في المناطق الصناعية المشتركة.
-زيادة أموال الضرائب التي تحولها الحكومة الإسرائيلية للسلطة الفلسطينية شهريا
من ١٠٠ إلى ١٥٠ مليون شيكل. -منح تصاريح عبور ثابتة للمسؤولين الفلسطينيين .(VIP)
ومقابل ذلك طلب شارون من الجانب الفلسطيني العمل على تفكيك البنى التحتية للتنظيمات المسلحة، وقال إن إسرائيل لن توافق على هدنة أو اتفاق مؤقت لوقف إطلاق النار كما تطرح حماس.
ما نشرته الصحافة العبرية أن الجانب الفلسطيني أعطى انطباعاً لدى الجانب الإسرائيلي بأن اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت هو عبارة عن مرحلة انتقالية فقط، وأن السلطة الفلسطينية تنوي في نهاية الأمر، العمل على تفكيك التنظيمات الفلسطينية المسلحة. وأشارت الأنباء إلى أن عرض التسهيلات الشارونية بالانسحاب من مدن فلسطينية لا يتضمن الانسحاب الكامل ورفع حالة الحصار بشكل كامل عن المدن وإنما تسليم السلطة الفلسطينية مهمة السيطرة الأمنية؛ لإثبات قدرتها على وقف العمليات المسلحة داخل الخط الأخضر، لكن شارون هدد بأنه إذا لم تنجح السلطة في وقف «العمليات الإرهابية»، فإن جيش الاحتلال لن يتردد في التدخل من جديد (إعادة احتلال المدن الفلسطينية)، لكن محمود عباس، وفق نفس الأنباء رفض العرض بحجة عدم جاهزية أجهزة الأمن الفلسطينية على تنفيذه مما دفع شارون إلى سحب العرض(!)
كما طلب أبو مازن تعهدا من شارون يمتنع الجيش الإسرائيلي بموجبه عن العمل في مناطق السلطة الفلسطينية، بما في ذلك الامتناع عن تنفيذ الاغتيالات. وطلب الفلسطينيون خلال اللقاء رفع الحصار المفروض على عرفات، ومنحه حرية التنقل والحركة. وقد رفض شارون هذا الطلب وقال إن لعرفات الحرية في المغادرة، إلا أنه يفضل البقاء في مقر المقاطعة من أجل أن يضمن أن لا تقوم إسرائيل باعتقال المطلوبين الذين يختبئون داخل المقاطعة.
هدنة حماس
على الرغم من تصريحات المسؤولين الفلسطينيين المتفائلة بإقناع التنظيمات الفلسطينية بإلقاء أسلحتها ووقف عملياتها الجهادية، إلا أن الأمور مازالت غير واضحة، فحماس التي عرضت في السابق موضوع الهدنة مقابل وقف الإرهاب الصهيوني تقول إنها لم تحدد موقفها من إعلان هدنة جديدة، وعلى أي حال كان رد شارون واضحاً خلال لقائه بأبو مازن وهو أنه يرفض الهدنة ويريد من حماس وغيرها إلقاء سلاحها ووقف عملياتها وقفاً تاماً ووقف قصف المستوطنات اليهودية بصواريخ القسام.
د. عبد العزيز الرنتيسي القيادي في حماس كان قد وصف خريطة الطريق بأنها مؤامرة».»
وقال تعليقاً على تصريحات شارون بخصوص الاعتراف باحتلال الضفة والقطاع (التي تراجع عنها كما أسلفنا) «إن ما نشاهده من شارون الآن هو مراوغة»، وأشار إلى إعلان شارون قبيل لقائه أبو مازن بأنه لن يتنازل عن القدس. وكان شارون قد أكد في ذلك التصريح:« بصفتي رئيساً لوزراء دولة إسرائيل، أنا فخور بالشرف الذي أعطي لي بأن أكون حامي القدس الموحدة إلى الأبد»!
الرنتيسي أضاف أن الرئيس الأمريكي يريد إدخال الفلسطينيين في مفاوضات ماراثونية وحذر من الدخول في الجُحر مرة ثانية، مع عدم معرفة كيفية الخروج منه. وأكد أن حماس لم تقرر بعد موقفها من هدنة محتملة لوقف العمليات ضد «المدنيين الإسرائيليين»، إذا التزمت إسرائيل بالموقف نفسه من الفلسطينيين.
وقد ركز شارون وأبو مازن على موقف حماس بوجه خاص بسبب ثقلها وقدرتها التنظيمية والعسكرية، لكن محاولات أبو مازن لم تنقطع مع بقية التنظيمات التي توجد لها أجنحة عسكرية بهدف إقناعها بإلقاء السلاح. وكشفت صحيفة « يديعوت أحرونوت»، أن أبو مازن كان يتصل مع أمين سر حركة فتح في الضفة الغربية، مروان البرغوثي من خلال هاتف نقال عثر حرس السجن عليه في زنزانة البرغوثي في قسم العزل في سجن أيالون، الذي يفترض أن يكون معزولاً وخاضعاً للحراسة المشددة. وكما جاء في تقرير الصحيفة، فقد «تحدث البرغوثي بواسطة الهاتف مع رجاله في الضفة، بل تحدث مع رئيس الحكومة أبو مازن الذي طلب منه مساعدته على إقناع كتائب شهداء الأقصى الذراع العسكري لفتح، بوقف إطلاق النار»
الموقف الفلسطيني الرسمي في ورطة لن تفلح معها تعهدات شارون أو تسهيلاته التي عرضها على أبو مازن، فالأمن الصهيوني هو الهدف الأول لشارون وكل الحكومات التي سبقته وهو أمن قائم على إرهاب الشعب الفلسطيني والاستمرار في احتلال أراضيه وسلب حقوقه الأساسية - التي تجاهلتها خريطة الطريق وكل المبادرات الأمريكية وغير الأمريكية - وعلى رأسها موضوع الاحتلال الصهيوني للقدس وحق العودة لأكثر من أربعة ملايين لاجئ فلسطيني إلى أراضيهم التي اغتصبتها العصابات الصهيونية.