; فرسان البلطجة السياسة والمدنية.. إلى أين؟ | مجلة المجتمع

العنوان فرسان البلطجة السياسة والمدنية.. إلى أين؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 21-سبتمبر-1999

مشاهدات 62

نشر في العدد 1368

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 21-سبتمبر-1999

الاستقرار السياسي والاجتماعي في الأمم ركيزة أساسية للنهضة، ومناخ موات للتقدم، حيث تصان الحريات الخاصة والعامة، وتحفظ الأموال والأعراض، وتؤمن الطاقات الفاعلة في الأمة على حاضرها ومستقبلها فتبدع وتنجز، وهذا ولاشك في مصلحة الحاكم والسلطة قبل أن يكون في مصلحة الأمة والأفراد وعدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي يؤدي إلى عكس ذلك تمامًا بقتل الحريات ويبيد معها الأمن والاستقرار، وينسف مقدرات الأمة المالية والبشرية والعلمية والإبداعية فتهاجر العقول وتهرب الطاقات وتتبلد الأحاسيس، ويسود النفاق ويعم الفساد وتجد السلطات بعد فترة طالت أو قصرت - نفسها وحيدة في الميدان تتحدث باسم الشعب زورًا وتتحدث عن التقدم بهتانًا وإفكًا، ويتحول الحاكم إلى زعيم مطلق ومؤبد، وتتحول الدولة إلى ضيعة أو عزبة للرجل الواحد، وتقمع وسائل الإعلام ويضرب الرأي الآخر، ويلغى القانون، أو يفصل حسب المقاس السلطوي.. وتظهر البلطجات القمعية، ويكثر خراب البيوت، ويغيب الضمير تغييبًا كاملًا. 

ولقد رصدت المؤلفات الكثيرة هجرة الكفاءات العربية التي تركت بلادها خوفًا من البلطجات السلطوية فأظهرت حجمًا مهولًا من تلك الطاقات والعقول، ففي بعض البلاد هاجر منها قرابة المليونين في عهد رجل واحد، وبعضها الآخر مليون وهلم جرا وظهرت مؤلفات أخرى تحصي الجرائد والصحافة العربية المهاجرة واصحاب الأقلام الذين تركوا بلادهم خوف القهر والتصفيات إلى بلاد الغرب وأصدروا من هناك وهنالك صحفًا وكتبًا ودوريات بالألوف، وكثرت هذه الهجرة في عصور التحرر الوطني وليس في عصور الاستعمار ولم تقتصر الهجرة على الصحافة والصحفيين والعقول المبدعة، بل شملت كذلك كثيرًا من السياسيين العرب.

 ولقد نشر الدكتور فاروق أبو زيد كتابه في مصر عن الصحافة العربية المهاجرة، ورصد فيه تلك الظاهرة فقال: «لم ترصد هجرة للصحافة أو الصحفيين أو العقول العلمية والسياسية طوال ثلاثين عامًا في مصر، منذ استقرار الحياة النيابية في مصر من عام ١٩٢٤م في ظل الدستور المصري الصادر ۱۹۲۳م، والذي كفل حرية الصحافة والحريات العامة على الرغم من الاحتلال، وكان عهد الملكية عهدًا يحترم الدستور حتى قامت الثورة، وجاءت أزمة مارس ١٩٥٤م، وخرج الاستعمار فقام قادة ثورة يوليو بغلق ومصادرة الصحف المعارضة لنظام الحكم الجديد في مصر، وعملوا على ضرب الحركة الإسلامية ممثلة في الإخوان المسلمين، وحكم علي من حكم عليهم بالسجون، وأعدم من أعدم وفر من فر خارج البلاد، بل عملت البلطجة السياسية في ذاك الوقت على تصفية الخصوم في الخارج أو إحضارهم مخطوفين ومخدرين في صناديق مغلقة، وتصفيتهم بعد استجوابهم وتعذيبهم، وتزايدت هجرة العقول في أواخر عصر السادات وبعده وكذلك الحال في لبنان وسورية، وليبيا، وتونس وغيرها من البلاد العربية، وكذلك تزايدت ظاهرة البلطجة السياسية للسلطات وأتباعهم، فبدل أن كان هناك زوار لليل فقط، أصبح هناك زوار للنهار كذلك وظهر بلطجات بضرب الصحفيين في الشوارع، بل قتل بعضهم في بعض البلاد.

 هذا.. ولعل من أخطر الظواهر التي ظهرت في الآونة الأخيرة بروز البلطجة المدنية التي انتشرت في كثير من البلاد بجانب الفساد السياسي، ولعل مركز الدراسات السياسية في الأهرام في مصر قد رصد هذه الظاهرة في تقريره في ديسمبر۱۹۹۷م، فتناول التقرير ظاهرة البلطجة استشرى خطرها في الآونة الأخيرة بشكل غير مسبوق، ولعلنا نلخص ما جاء في هذا التقرير ونذكر أهم ما جاء فيه من النقاط التي تحتاج إلى تأمل، وخاصة أن بلطجيًا قد حاول الاعتداء في مصر على رئيسها يقول صاحب التقرير: اتخذت مظاهر البلطجة المدنية أساليب متعددة، منها التعدي على الآمنين والاغتصاب للأعراض والتعدي على السيارات الخاصة والمحلات وتهديد أصحاب الشركات... إلخ، وقد استعملت البلطجية في الآونة الأخيرة المقاومة تنفيذ القوانين وارتكاب أفعال الإيذاء بجميع أنواعه، ولقد تطورت الظاهرة وبرز وجودها في السياسة في ظل الأحداث التي صاحبت انتخابات مجلس الشعب عام ١٩٩٥م حيث استعمل البلطجية لتهديد الناس في الانتخابات وضرب المعارضة واستعان بعض المرشحين بمن يحترفون اعمال البلطجة لمناصرتهم وضرب خصومهم تحت سمع البوليس ونظره، وقد أرجع التقرير في بعض فقراته أسباب تلك الظاهرة إلى أسباب عدة منها:

 ۱- أسباب اقتصادية، وانعدام فرص العمل وضغط الحالة الاجتماعية، مما يؤدي إلى خلق جو من التوتر.

٢- أسباب دينية، وتتلخص في عدم وجود الوازع الديني والأخلاقي لدى الشباب، وقصور المؤسسات الدينية في القيام بدورها لمواجهة المشكلات الاجتماعية، كما أنه كان لضرب الحركات الإسلامية وتخويف الناس من الانتماء إليها عامل في البعد عن الانتماء الديني، وكان كذلك لوسائل الإعلام دور في نشر التحلل وإذاعة افلام الجريمة والعنف والفساد.

3- الأسباب التربوية: وتتعلق بضعف مستوى التعليم وانحسار دور المدرسة في التربية وغياب دور الأسرة في التربية وتهميش التربية الإسلامية، ومحاولة سد الينابيع التي أصبحت ظاهرة يشترك في الترويج لها حتى أعداء الأمة من هنا وهناك. 

4- انتشار شركات الأمن الخاصة لخدمة رجال الأعمال وأصحاب المصالح، حيث يقوم الأفراد بتصفية المواقف والخصوم لصالح اصحاب هذه الشركات مما يخلق جوًا من الفزع لدى الأفراد، ويغري المتعطلين وأصحاب النفوس الضعيفة والاجسام الشديدة إلى الامتهان لهذه الأعمال.

5- الأسباب الأمنية: وتشمل اتجاه نظام الأمن إلى التركيز على الجرائم السياسية والملاحقات الأمنية للمعارضين والإسلاميين، وترك الجرائم الجنائية لأنها تتعلق بالمجتمع وليس بالسلطة وعدم الاعتناء بتنفيذ الأحكام على أرباب السوابق، وتراكمها على المسجلين الخطرين وانشغلت السلطة بالأمن السياسي دون الأمن الجنائي، مما أدى إلى قصور التواجد الأمني في الشارع والمجتمع.

6- انتشار السلبية بين المواطنين، وعدم استعدادهم - وهم عزل والبلطجي مسلح - مقاومة هؤلاء والتضحية بحياتهم، وهذه السلبية المقيتة قد انتشرت في الحياة السياسية والاجتماعية العربية وزاد من نفوذ هؤلاء البلطجية استعمالهم في المهمات السياسية لصالح السلطة، فأصبح لهم جاه، وظهر، وقوة، واستغل كل طرف الآخر على حساب الشعب والأمن والاستقرار، حتى كادت هذه الظاهرة تخرج عن السيطرة، وفي الأثر الإسلامي من أعان ظالمًا سلطه الله عليه، وقد استشرت البلطجات الأمنية والسياسية والاجتماعية وأصبحت تشكل خطورة كبيرة ومتعاظمة على الأمة، ولكن إلى أين؟ ولحساب من ولصالح من؟

 أكيد أنها ليست في صالح أحد لا السلطة ولا الأمة، ولا المستقبل الاقتصادي والحضاري.. ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف:21) 

 

الرابط المختصر :