العنوان فرعون... والملهاة
الكاتب نور محمد البار
تاريخ النشر السبت 18-مايو-2002
مشاهدات 78
نشر في العدد 1501
نشر في الصفحة 38
السبت 18-مايو-2002
المتفرج على الأخبار اليوم أشبه بمن يتابع ملهاة أسطورية أعجب ما فيها أنها واقع.. بل الأعجب أن المتفرجين ما زالوا يتفرجون وما زالوا يظنون أنها مجرد مسرحية يخرجون بعدها إلى أشغالهم وكان شيئًا لم يكن...
ليس أعجب ما في ملهاتنا شلالات الدماء التي تنهمر كل يوم. ولا مناظر الجراح ولا الألم ولا البكاء ولا العويل، بل العجيب.. هو فلسفة ذلك كله.. الفلسفة التي تحول أبشع مأساة إلى ملهاة دامية...
العجيب هو أن تسلم مقاليد الأرض الفرعون لم يأخذ من فرعون موسى إلا قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾ (النازعات: 24)
لا عجب أن يكتب فرعون فلطالما أتقن الفراعنة من الكذب. ولكن العجب أن يكذب وهو يدرك أنه لا يوجد عاقل واحد يصدقه على وجه الأرض.
ولنأت لنواميس فرعون التي يريد أن يفرضها على «عبيده» يقول شارحًا لنا الإسلام:
إن الإسلام دين السلام وكل حديث عن الجهاد والقتال والدفاع عن الأرض والمستضعفين ليس من الإسلام في شيء وطبعًا علينا أن نصدق ففرعوننا أعلم بإسلامنا منا وهو يأمر أصحاب الأمر أن ينتزعوا من مناهج التعليم ووسائل الإعلام وكل ما يسمع أو يرى أو يقرأ كلمة عن الجهاد والقتال والشهادة وينتزعوا من سيرة رسول الله ﷺ كل ذكر لغزوة مع اليهود أو حتى غير اليهود.. فلربما إن تمت التعديلات يتوقف «رعاياه المسلمون عن إثارة المشاكل.. وتذكر المجد الراحل والحنين للمجد الآتي. ولربما يعودون رعايا صالحين خاضعين صامتين في إمبراطوريته الواسعة.
ثم يخرج علينا ليعلن أن الذين يفجرون أجسادهم ليقتلوا الأبرياء من العسكريين والمجندين في إسرائيل، ليسوا بالشهداء ولا ينبغي أن يسموا بالشهداء.. وهو يحذر كل من يطلق عليهم هذا الاسم.. وطبعًا على العبيد أن يطيعوا وأن يصدقوا أن من باعوا أرواحهم لربهم ليشتروا جنات الخلد ليسوا إلا إرهابيين أو مرضى نفسيين سئموا الحياة فقاموا يفجرون أنفسهم على حساب الشعب اليهودي المسكين الذي لم يفعل شيئًا إلا أن سلب أرضهم وجوعهم وقهرهم وقتل أولادهم ونساءهم وخيرة شبابهم.
ويعود فرعون، فيعلن أنه لا يجوز أبدأ أبدًا جمع التبرعات الشعب فلسطين فهذه التبرعات قد تصل لا قدر الله) بندقية أو مسدسًا أو حتى سكينًا.. يقف به فلسطيني هنا أو هناك أمام دبابات إسرائيل الغالية مما قد يكدر صفو الجندي المسالم المسكين القابع خلفها مدافعًا عن نفسه. ثم إن هذه التبرعات قد تشتري طعامًا لأفواه الأطفال الجياع وما أدراك ما هؤلاء الأطفال... إنهم أولاد الشهداء وما أدراك ما الشهداء.... إنهم الذين يهتدون كيان إسرائيل الحبيبة.. فلندع الأطفال إذا يموتون جوعًا حتى لا يفكر أي شخص أن يذهب شهيدًا.. وحذار أن تصل الأموال دواء للجرحى... فمن يضمن لنا ألا يشفى الجريح ويقوم منتقمًا ممن أصابه.. من يضمن لنا حينئذ أمان شعب إسرائيل؟!!
وعلى هذا فقد صدر قرار الفرعون المبجل بألا تجمع تبرعات ولنكتف بالدعوات.. ولكن لا.. فها هو ذا يخرج علينا ثانية مقررًا أن ما يحدث في المساجد عقب الصلوات والجمع والجماعات هو تحريض للشعوب ضد الشعب اليهودي الذي عانى منذ زمن بغض البشر له.. ثم ماذا لو فتحت أبواب السماء واستجيبت الدعوات إن فرعون كما أغلق علينا أبواب الأرض يريد أن يغلق علينا أبواب السماوات.
.. ويبقى المتفرج على الملهاة متفرجًا.. وتبقى الملهاة مستمرة حتى يقوم العبيد، ويدركوا أنهم لسوا عبيدًا إلا لرب السماوات والأرضين... ليدركوا أن من أهلك فرعون موسى قادر أن يهلك فرعون العصر وأنه إن ينصرهم الله فلا غالب لهم، وأنهم لن ينالوا نصر الله حتى يكونوا لهذا النصر أهلا..