; فرنسا : حرق مقر صحيفة «شارلي آبدو».. خلفيات وأبعاد | مجلة المجتمع

العنوان فرنسا : حرق مقر صحيفة «شارلي آبدو».. خلفيات وأبعاد

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر السبت 19-نوفمبر-2011

مشاهدات 60

نشر في العدد 1977

نشر في الصفحة 44

السبت 19-نوفمبر-2011

● يبدو أن الصحيفة تقوم بعد الربيع العربي بحملة استفزازية يشارك فيها التيار العلماني الأصولي داخل البلاد العربية

لأول مرة في فرنسا، يتم حرق مقر صحيفة، وهي صحيفة شارلي آبدو، المشهورة بطابعها الهجائي الساخر الناقد، والمتجاوز أحيانا للحدود الأخلاقية المهنية الإعلامية، وميثاق الشرف الذي من المفترض أن يلتزم به الصحفي المحترف. فقد وقعت عملية الحرق ليلة الثاني من نوفمبر الجاري، وتزامنت مع صدور عدد مستفز المشاعر المسلمين يحمل عنوانا كبيرا «شريعة أبدو» على نسق «شارلي آبدو» وعلى صفحته الرئيسة رسما كاريكاتيريا للرسول محمد صلى الله عليه وسلم ، واعتباره رئيس تحرير الصحيفة من أجل الاحتفال بانتصار حركة النهضة في تونس، وعبارة منسوبة إلى صاحب الصورة يقول فيها : ١٠٠ جلدة بالعصا إذا لم تمت ضحكا.

كما أن موقع الصحيفة تم اختراقه ووضع صورة لمكة المكرمة وآيات قرآنية على الموقع. وللتذكير، فإن هذه الصحيفة لها سابقة في نفس الموضوع، عندما قامت سنة ٢٠٠٦م بنشر الرسوم الكاريكاتيرية للرسول صلى الله عليه وسلم التي سبق أن نشرتها الصحيفة الهولندية خيولاندس بوستان، وأثارت غضبا شديدا في أساط المسلمين، وزادت عليها في صفحتها الأولى رسما كاريكاتيريا للرسول صلى الله عليه وسلم تحت عنوان «محمد تجاوزه الأصوليون وعبارة على لسان صاحب الصورة يقول فيها : «من الصعب أن يكون الإنسان محبوبا من طرف الحمقى. وفي حين ساندت السلطات الرسمية الصحيفة إلى حد قيام وزارة الثقافة يوم ١٥ مارس ٢٠٠٦م بتنظيم حفل على شرف الرسم الصحفي تم خلاله تكريم رسامي صحيفة «شارلي آبدو»، تقدمت المؤسسات الإسلامية وعلى رأسها المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، واتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا بطلب مصادرة العدد الحامل للرسوم الكاريكاتيرية، لكن أمام عدم التوصل لهذا الحل لاحقت المؤسسات الإسلامية الصحيفة قضائياً، ولكن القضاء الفرنسي حكم بعدم سماع الدعوى.

ولم يختلف الموقف الرسمي هذه المرة من حيث السند للصحيفة انطلاقا من مبدأ احترام حرية التعبير والرأي والدفاع عن حرية الصحافة، خاصة وأن الصحيفة تعرضت لاعتداء تمثل في عملية حرق لمقرها الأمر الذي اعتبره وزير الداخلية «كلود غيان»ـ «تفجيرا» ذا طابع إجرامي.

ورغم أن المسؤولين عن هذا الاعتداء الإجرامي لم يتم إيقافهم، أو التعرف على هويتهم بعد، ورغم أن التحقيق الأمني لم ينته بعد، فإن الأنظار اتجهت إلى المسلمين ولسان الحال يقول: «أنتم متهمون حتى تثبت براءتكم»، ونادرا أن تسمع صوتا يطالب بالتحري قبل إلقاء الاتهامات جزافا، وانهالت أسئلة وسائل الإعلام المختلفة على مسؤولي المؤسسات الإسلامية لكن منها من يتحرى الموضوعية، ويبحث عن التعرف على مواقف هذه المؤسسات بدون تحيز، ومنها من يريد الذهاب إلى ما هو أبعد بحثا عن زلة لسان فيها تنديد بحرية التعبير بحجة الدفاع عن المقدسات الدينية، ومن الأسئلة الاستفزازية المطروحة: هل يمكن الضحك على الدين وأهله؟ هل يعني عودة التدين كبت الأصوات والأقلام عن النقد والهجاء؟

ومن خلال متابعة ردود فعل الجهات الإسلامية، يمكن القول: إنها تعاملت بحكمة جمعت بين التنديد بكل عملية عنف كوسيلة للاحتجاج والتعبير عن الرفض في بلاد القانون، والمطالبة بحرية مسؤولة تحترم المقدسات ولا تتحول إلى أداة استفزاز، ولم تغب عن المسلمين الأبعاد الخفية وراء عملية التفجير والحرق من حيث التوقيت، حيث جاءت بعد فوز الإسلاميين في الانتخابات في تونس، ودعوة المسؤولين الليبيين الجدد إلى اعتبار الشريعة الإسلامية المرجعية الوحيدة للدولة، ومثل هذه التطورات أثارت العلمانيين والشق اليساري على وجه الخصوص علاوة على الاقتراب من الاستحقاق الانتخابي القادم في فرنسا متمثلا في الانتخابات الرئاسية سنة ۲۰۱۲م، وتصاعد المنافسة الحزبية وإقحام الملف الإسلامي في الحملة الانتخابية كما جرت عليه العادة في هذا البلد الذي بقي المسلمون فيه كبش محرقة الانتخابات، إضافة إلى كون صحيفة «شارلي آبدو» تمر منذ فترة بأزمة مالية شديدة، وأصبح شائعا في بلاد الغرب أن وسيلة الإعلام التي تمر بصعوبات مادية وبنقص في مواردها وفي إقبال الناس عليها تلجأ إلى استخدام حل «سحري» لتسديد ديونها واسترجاع مصداقيتها بالتهجم على المقدسات، فتثير جدلا وتكسب تعاطفا الجهات العلمانية، والنتيجة ارتفاع مبيعاتها وليس هناك أفضل من أسلوب التخويف من الإسلام والمسلمين لكسب عطف الجماهير في ظل الإسلاموفوبيا السائدة، والحكام لا يمكنهم سوى المساندة خاصة مع اقتراب المواعيد الانتخابية.

 لكل هذه الاعتبارات، دعت بعض الأصوات المسلمة إلى جانب التنديد الشديد بكل عنف مهما كان مصدره - إلى تجاهل هذه الصحيفة، وعدم السقوط في فخ سياستها الاستفزازية التي تنم على غيض نتيجة زيادة الإقبال على الإسلام وطرقه أبواب الحكم بعد الربيع العربي». وأمام هذه المواقف الحكيمة يبدو أن الصحيفة وجدت نفسها تخسر أكثر مما تربح على المستويين المتوسط والبعيد وأصدرت عدداً جديداً يوجد على صفحته الأولى رسما يدل على عودة الود والمحبة بين الصحيفة والمسلمين، بعنوان كبير الحب أقوى من الكراهية.

كما أظهرت الصحيفة تعاطفاً مع المسلمين باسم العلمانية بعد الحريق الذي شب في مسجد بمدينة «مونبيليار» شرقي فرنسا، وجاء في موقع الصحيفة: «ليس من المقبول باسم العلمانية الهجوم على أماكن العبادة، والمس بحرية المؤمنين في تطبيق دينهم في إطار احترام قوانين الجمهورية». ويرى البعض وجود علاقة بين الاعتداء على المسجد والحملة التي استهدفت المسلمين والإدانة الضمنية لهم بعد حرق مقر صحيفة «شارلي آبدو».

وتجدر الإشارة إلى أن الاستفزازات المستمرة التي تقوم بها هذه الصحيفة مستهدفة بها الإسلام والمسلمين أخذت طابعا بارزا منذ أحداث سبتمبر ۲۰۰۱م، حيث اتخذت الصحيفة خطا معاديا لما تعتبره أصولية إسلامية، ولا تعترف بوجود إسلاميين يتبنون نهجا وسطيا معتدلا في الخطاب والممارسة، وللتذكير، فإن «شارلي آبدو تأسست في شكلها الحالي عام ١٩٩٢م ويعود تأسيسها إلى عام ١٩٦٠م تحت اسم ها را كيري»، وهي محسوبة على اليسار وقد حصلت انقسامات داخلها لأسباب مهنية وأخرى أيديولوجية خاصة بعد أحداث سبتمبر ۲۰۰۱م. في هذا السياق دخلت الصحيفة في صراعات مع اليسار ذي التوجه المساند للعالم الثالث الذي لا يرى مانعا في التعامل مع هذا الصنف من الإسلاميين المعتدلين بحكم معارضته المبدئية للسياسة الأمريكية. وعارضت دعوة المفكر الإسلامي طارق رمضان سنة ٢٠٠٣م؛ ليتحدث في إطار المنتدى الاجتماعي الأوروبي، وهو فرع من المنتدى الاجتماعي العالمي الذي تشرف عليه حركات يسارية معتدلة، وتدعو فيه قوى المجتمع المدني للتفكير الجدي، وتقديم مقترحات عملية بشأن «إعادة بناء عالم جديد يتمحور حول الذات البشرية، وليس حول الربح الاقتصادي».

وكان الفيلسوف «روبار مسراحي» قد نشر في نوفمبر ۲۰۰۲م على أعمدة صحيفة شارلي أبدو مقالا يدافع فيه عن كتاب «أوريانا فالاسي» الإيطالية صاحبة کتاب «الحنق والكبرياء» التي تهجمت فيه على الإسلام والمسلمين، هذا المقال بعنوان شجاعة أدبية يرى فيه صاحبه أن الكاتبة كانت شجاعة في الذهاب إلى رأس المشكلة وهو «الخوف من التنديد بكل وضوح بمعطى واقعي يتمثل في أن الإسلام انطلق في حملة تستهدف الغرب، وليس العكس.

ويبدو أن استراتيجية صحيفة «شارلي آبدو» تندرج بعد الربيع العربي في إطار حملة استفزازية تشترك فيها شريحة من التيار العلماني الأصولي داخل البلاد العربية الإسلامية وخارجها بهدف التشويش على حملة المشروع الإسلامي الذين تمكنوا عبر إرادة الشعب من الاقتراب بل الوصول إلى سدة الحكم، لمنعهم أو على الأقل عرقلة مسيرهم نحو تقديم الحل الإسلامي عن طريق الحكم الرشيد، وما يحصل هو جزء من سنة التدافع بين الحق والباطل التي أشار إليها القرآن الكريم.

الرابط المختصر :