; فرنسا.. حق اللجوء للإسلاميين المضطهدين في الميزان | مجلة المجتمع

العنوان فرنسا.. حق اللجوء للإسلاميين المضطهدين في الميزان

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر الثلاثاء 19-أكتوبر-1993

مشاهدات 57

نشر في العدد 1071

نشر في الصفحة 31

الثلاثاء 19-أكتوبر-1993

مراجعة الدستور الفرنسي واتفاقية شنغن في الميزان

كثر الحديث في الأيام الأخيرة عن احتمال إعادة النظر في الدستور الفرنسي، بحجة موافقته لاتفاقية «شنغن» التي تضع ضوابط لإقامة الأجانب في أوروبا، وأثار موقف مجلس الدولة الفرنسي الأخير المؤيد لإعادة النظر للدستور، ردود فعل مختلفة، لكن يبقى حق اللجوء للإسلاميين المضطهدين في الميزان.

فقد تأثرت الإدارة الفرنسية مثل بعض بلدان غربية أخرى، أو بالأحرى تنازلت أمام ضغط الرأي العام المطالب بمزيد من التشدد في معالجة قضايا الهجرة، الشيء الذي يفسر سلسلة القوانين التي تم سنها في السنوات الأخيرة، لمحاصرة ما يسمى بـ «تدفق الهجرة».

فبقدر ما تضمن هذه الاتفاقية حرية التنقل داخل بلدان أوروبا الغربية، فبقدر ما تشدد على الرقابة الجمركية على الحدود الخارجية لهذه البلدان.

حجة الحد من الهجرة الاقتصادية

يقول الآن ماشور وزير الشؤون الأوروبية في فرنسا ورئيس لجنة وزراء شنغن «لنكن واضحين فنحن الأوروبيين الغربيين أمام ملايين المترشحين للهجرة، والذين هم في الحقيقة لاجئون على المستوى الاقتصادي، ويستغلون ضعف قوانيننا الوطنية من أجل الدخول إلى بلداننا بكل الوسائل».

وتحت ستار محاصرة الهجرة الاقتصادية، وبحجة العمل بمقتضيات اتفاقية شنغن، جاءت الدعوة إلى إعادة النظر في الدستور الفرنسي، حتى يكون مطابقًا لروح الاتفاقية الأوروبية.

وفقد أثارت هذه المسألة ردود فعل كثيرة ومتناقضة، بين مؤيد ومتحفظ ورفض خاصة بعد تأييد مجلس الدولة الفرنسي «المرجعية القانونية العليا» لضرورة القيام بإصلاح دستوري، يضمن تطابق الدستور الفرنسي وقرارات اتفاقية شنغن في مسألة قانون اللجوء.

ردود الفعل السياسية في فرنسا

فعلى مستوى كل من الإليزيه «رئاسة الدولة» وماتينيون «رئاسة الوزراء» تم الاكتفاء بتسجيل موقف «الحكماء» المؤيد مع وجود مؤشرات لتأييد رسمي ضمني لهذا الإصلاح الدستوري، إلا أن الحزب الاشتراكي صرح بأن هذا الإصلاح «غير مقبول»؛ لأنه يسمح لفرنسا «بعدم دراسة كل مطالب اللجوء حتى وبما في ذلك المطالب المشروعة».

ونفس الموقف اتخذته بعض جمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان التي تستنكر «وضع مبدأ ثابت في الميزان»، كما ندد حزب «الخضر» بالموقف الرسمي الذي رأى فيه تقديمًا لمصالح وحسابات سياسية أملتها عملية التعايش بين رئيس اشتراكي وحكومة يمينية على حساب المبادئ.

نظرة خاصة للإسلاميين واللاجئين

لكن المتتبع لهذه المواقف يستنتج وجود خلفية سياسية، وراء تناغم مواقف السلطة التنفيذية بشقيها الرئاسي والحكومي، حول مسألة حساسة تمس بسمعة دولة مثل فرنسا التي ترفع شعارات الحريات والمساواة والأخوة، وكانت ملجأ للعديد من المعارضين المعرضين للاضطهاد بكل أصنافهم وأيديولوجياتهم.

فهناك اتفاق غربي- أوروبي على محاصرة كل مظاهر العمل السياسي الإسلامي، وانطلاقًا من هذا المعطى، أصبح ينظر إلى اللاجئين من أقطار إسلامية تعتمد الحل الأمني في بعض الحركات الإسلامية فيها، ينظر إليهم بمنظار خاص على أساس أنهم «إرهابيون» قبل أن يكونوا مضطهدين بسبب أفكارهم، كما ينظر إليهم كخطر يهدد بانتقال عدوى الفكرة الإسلامية إلى الجاليات الإسلامية المهاجرة في ديار الغرب.

ولعل قرب فرنسا من المنطقة المغاربية التي تشهد صراعًا بين الإسلاميين والسلطة، خاصة في القطرين التونسي والجزائري، جعل باريس أكثر حساسية لتواجد لاجئين إسلاميين على أراضيها.

لهذا فإن سياسة الإدارة الفرنسية تسير منذ سنتين في اتجاه تضييق الخناق على تمتع اللاجئين الإسلاميين بحق اللجوء في فرنسا، علمًا بأن ألمانيا تقوم بضغوط من جانبها لتقليص نسبة المتمتعين بهذا الحق من الإسلاميين، مثلما حصل للشيخ رابح كبير وابن الشيخ عباس مدني.

هل انتهى عصر اللجوء؟

وتشير تصريحات وزير الداخلية الفرنسي خلال زيارته الأخيرة إلى تونس إلى التضارب بين المبادئ والمصالح في السياسات الغربية، فيما يتعلق بالتعامل مع اللاجئين الإسلاميين، فقد جاء في تصريحه لإحدى الصحف الحكومية التونسية قوله: إذا كان يجب الحفاظ على قانون اللجوء فإن سوء استعماله لا يمكن السماح به. الأمر واضح. ليس هناك ما يبرر منع أي شخص مضطهد في بلاده، لأسباب سياسية وفلسفية «أيديولوجية» أو دينية من اللجوء السياسي في فرنسا.

وأذكر في كل حالات أن حق اللجوء- كما ينص عليه دستوريًا لعام 1946م وديباجته- يقصد بالخصوص أولئك الذين كافحوا ضد الهتلرية والفاشية والشيوعية، لأنه كان يجب علينا الخروج من الحرب ضد ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية، كما أننا كنا في حالة حرب باردة مع البلدان الشيوعية. لمثل هؤلاء وضع حق اللجوء. لذلك من البديهي ألا يتمكن البعض من الذين حاولوا فرض نظام لا ديمقراطي في بعض البلدان بالقوة من طلب اللجوء السياسي عندنا».

بعبارة أخرى أن الإسلاميين غير ديمقراطيين بالمفهوم الغربي، وبالتالي فهم ليسوا أهلًا للجوء السياسي، حتى وإن كانوا مضطهدين وحتى وإن صدرت تقارير مطولة عن المنظمات الإنسانية الدولية مثل: منظمة العفو، تشير بوضوح إلى انتهاك حرمة الإنسان في بعض البلدان الإسلامية بسبب آرائه السياسية الإسلامية.

هكذا فإن منع حق اللجوء عن الإسلاميين هو حلقة أخرى من حلقات ضرب الحصار على الصحوة الإسلامية، وملاحقتها حتى خارج الديار الإسلامية.


انظر أيضا:

30 ألف شخص يضطرون للجوء يومياً حول العالم

الرابط المختصر :