العنوان فرنسا كما رأيتها
الكاتب ياسمينة صالح
تاريخ النشر السبت 26-نوفمبر-2005
مشاهدات 63
نشر في العدد 1678
نشر في الصفحة 28
السبت 26-نوفمبر-2005
■ باريس.. تشعرك بالخيبة فجأة في شكل ضابط المطار الفرنسي المكفهر الوجه الذي يراقب حركة المسافرين ووجوه موظفي المطار وهم يتصفحون جوازات السفر بدقة لا تخلو من ضجر.
■ موظف المطار سألني عن سبب الزيارة بصوت مليء بالحدة ثم سألني ثانية: كم من الوقت ستبقين في فرنسا؟ إنها «كراهية الأجانب»
■ 55 % من الفرنسيين: المهاجرون يشكلون خطرًا على ممتلكاتنا وأطفالنا!!
■ طبيب فرنسي رفض مراجعة حالتي الصحية لأنني جزائرية.. وأمن الفندق طلب مني المغادرة!
■ صعقت حين رأيت أمام مدخل المترو شرطيًا يستوقف رجلًا بدا من ملامحه أنه عربي.. ثم فجأة رفع الشاب يديه ووضعهما فوق رأسه وما كان من رجل الأمن إلا أن دفعه وأسقطه... سمعت ذلك الشاب يصيح : لم أفعل شيئًا.. أوراقي سليمة.
فكرة النيل من المهاجرين ليست في الحقيقة جديدة فقد بدأتها أحزاب فرنسية بعضها سمى نفسه بالأحزاب القومية، والبعض الآخر سمى نفسه بالأحزاب اللائكية وبين القوميين واللائكيين يتصاعد دخان «التغيير»، وإن لم يفهم أحد نوع التغيير الذي يعنيه الجميع إلا أن الأحداث الأخيرة. وما نتج عنها من تصريحات كثيرة جعلت الجميع يعرف اليوم أكثر من أي وقت مضى أن التغيير سيطال المهاجرين والعرب المسلمين بالخصوص، إنه التغيير الراغب في إذابة الهويات والثقافات الأخرى بموجب قوانين أو بموجب واقع تهميشي لم ينتج عنه أي خيار ثالث أكثر من خيار الصمت أو الانفجار.
كل هذه الأفكار راودتني فعلًا وأنا أصعد الطائرة التي أقلعت من مطار «هواري بومدين» الجزائري نحو مطار «أورلي» الباريسي، يوم الجمعة الموافق للأسبوع الثاني من أحداث باريس، ساعتان في الجو، ووجه المضيفات المكفهر لأسباب كنا نعرفها جميعنا، بيد أن الابتسامات لم تكن أكثر من واجب لا يختلف عن واجب تقديم الأكل للمسافرين بصمت يقول الكثير.
ساعتان في الجو، ثم لاحت الأجواء الفرنسية.. كنت دومًا أفكر أن أي دولة ندخلها يجب أن نرى الأضواء فيها أولًا. ولعلي قادمة من مدينة كانت الأضواء الاصطناعية في الأساس نتاجها السياسي الوحيد، فإذا لم تر في أجواء المدن الجديدة ضوءًا لابد أنك تشعر بالخيبة. وباريس هي المدينة التي رغم كل شيء تشعرك بالخيبة فجأة في شكل ضابط المطار الفرنسي المكفهر الوجه الذي يراقب حركة المسافرين، وفي شكل وجوه موظفي المطار وهم يتصفحون جوازات السفر بدقة لا تخلو من ضجر، وببرودة لا تخلو من إهانة أيضًا، خاصة إن كان القادم يحمل سحنته العربية التي لا يمكن تجاهلها. واسمًا وجنسية غير مرغوب بهما في فرنسا...
هذه المرة، وسط الأجواء الجديدة والأحداث الجديدة والتقاليع الجديدة، شعرت أن الوجوه الفرنسية التي تستقبل الناس لا تضطر إلى أن تجامل ولو من باب اللباقة، يسأل موظف المطار عن سبب الزيارة بصوت مليء بالحدة. ويسأل ثانية : كم من الوقت ستبقين في فرنسا؟ ثم بعد لحظات تبدو طويلة يضع الختم الثقيل بطريقة عصبية ويسلمك الجواز قائلًا: مرحبًا بكم في فرنسا... لكن في هذه «المرحبا» عن قصد أو عن غير قصد. لم تكن فرنسا مضطرة لقولها لمن يتهمهم نيكولا ساركوزي بالرعاع، أو بالأوباش!
كانت الساعة العاشرة ليلًا حين انتهينا من طابور التفتيش والتدقيق في الحقائب والأوراق والوجوه، غادرنا مطار أورلي نحو المدينة التي فجأة بدت لنا مكفهرة أيضًا. كأن الأحداث جزء من مزاجها الذي حولها رمادية ومتثاقلة. في باريس لا يمكنك أن تجد من يعتذر لك عن خطأ يرتكبه في حقك، عمدًا أو رغمًا، ولا تجد من يتأسف حتى على مزاجه السيئ قبالة أشخاص يبدون دومًا خارج المألوف، أو داخله.. بحقيبة السفر الجلدية السوداء وبوجه عربي كان المشوار إلى فندق سان دونيس بقلب العاصمة في سيارة أجرة حدد صاحبها فاتورته قبلًا، قال لنا وهو يضع الحقائب في الحقيبة الخلفية للسيارة لماذا فندق سان دونيس بالذات.. ثمة فنادق أفضل في مناطق أخرى أفضل... سألته : «هل منطقة سان دونيس» ليست منطقة جيدة؟ رد بسرعة: «بصراحة ليست منطقة جيدة، لأنها تعيش حالة من الاضطراب، ألم تسمعوا الأخبار؟ العالم كله يتكلم عن حرب الضواحي.. وعن المهاجرين الذين قرروا شن الحرب على الجميع !!»...
وحين لم يجد تعليقًا منا صمت.. قال وهو يدخل السيارة متمتمًا : «أنا قصدت أن أقترح عليكم شيئًا جيدًا. هذا واجبي!»... الواجب الذي يبدو في تلك الظروف وكأنه صار اكتشافًا فرنسيًا جديدًا يتداوله الجميع، كي ينزع عن نفسه مسؤولية الأداء الحر والحقيقي.. ففي المطار، لا بد أن تصفعك تلك اللافتة المكتوب عليها عبارة «احترامك للبلد الذي تدخله واجب»، لافتة مكتوبة باللون الأزرق بحجم متوسط تكاد لا تلفت الانتباه لمن يدخل إلى باريس على عجل، أو للتنزه والسياحة، ولكنها تلفت انتباه من يضطر إلى الانتظار طويلًا، وأغلب الذين ينتظرون هم الذين تتهمهم فرنسا بأنهم لا يريدون احترام البلد الذي يدخلونه... على الأقل في نمطية الفكر الفرنسي الذي رغم كل متغيراته الظاهرية بقي متشبثًا بالفكر الكلونيالي القديم الذي ظل يفرق ويميز بين البيض والسود، وبين الغرب والعرب وبين الثقافات في بلد كانت قوانينه الداخلية من أكثر القوانين الأوروبية ، احترامًا للغير، ولواجبات الغير !!
في السيارة، ومن خلال زجاج النافذة، كان النظر للمدينة يوحي إليك أنك تدخل فعلًا إلى دائرة بقيت تنظر إليها من شاشات التلفزيون، والآن يبدو المشهد مختلفًا، ومخيفًا معًا، بدءًا بعدد رجال الشرطة المنتشرين. والحواجز المنصوبة في مداخل الأحياء الأكثر تهميشًا، وصولًا إلى أصوات طائرات الهليكوبتر التي كانت الشيء الأهم في المشهد الفرنسي الجديد.. حتى أنك تكاد تسأل مدهوشًا : ما الذي حصل فعلًا؟ سائق التاكسي الذي كان يتكلم الفرنسية بلكنة إسبانية، وبعد صمت دام دقائق قرر أن يتكلم.. توقعت أن يسألنا من أين جئنا ولكنه بدأ بالزمجرة على كل هذا المشهد المسرحي.. قال وهو يرفع يديه ويحطهما على مقود السيارة بصراحة ما يجري مسرحية سخيفة!، سألته: وما الذي يجري؟ فرد بحماس كمن وجد موضوعًا يتكلم فيه: «بصراحة ما جرى هو الشيء الوحيد الذي كان يجب أن يحدث هنا. ما يسمى بانتفاضة الضواحي كان القطرة التي أفاضت الكأس، فرنسا هي التي سمحت لهؤلاء المهاجرين بالبقاء أحيانًا دون أن تكون لهم أوراق رسمية، وعليها أن تدفع الثمن!». قلت له: « لكنني حسب ما فهمت أن الغاضبين كانوا من أهل المدينة أيضًا وليس المهاجرين فقط، فليس من المعقول أن نقول: إن كل شباب فرنسا لا يعانون من مشکلات فرد بسرعة: نعم، هذا صحيح، لكن الذي حدث أنهم حولوا المدينة إلى دمار.. انظروا شكل السيارات المحترقة.. ما زال الدخان يزكم الأنوف واصل يقول: «ليس من حقهم أن يخربوا في الممتلكات حتى لو كانت لهم قضية يدافعون عنها! إنهم يريدون العدالة والمساواة في الحقوق، مع أنهم يعيشون وضعًا مؤقتًا، أي قد يعودون إلى بلدانهم فجأة !».
هذا الكلام الذي لم يكن في الحقيقة رأيًا أحاديًا، كان حملة شنتها الصحافة الفرنسية المتطرفة منها كي تتكلم عن المطالب بصيغة البقاء المؤقت، مع أن جريدة اللوموند الأكثر انتشارًا في فرنسا كتبت في مقالة نشرتها قبل أيام أن المهاجرين من أصول مغاربية وإفريقية يرفضون الرجوع إلى بلدانهم الأصلية، ويعتبرون فرنسا بلدهم!
هذا التقرير الذي لم يشفع لهم لدى وزير الداخلية الفرنسي نيكولا ساركوزي الذي أصدر قراره بطرد كل من تورط في أعمال الشغب الأخيرة حتى لو كان يحمل الجنسية الفرنسية، وهو الإعلان غير المباشر والرسمي بأن ثمة من ينتمون في النهاية من وجهة النظر الفرنسية إلى ما يسمى بالفرنسيين الثانويين «أو ببساطة فرنسيو الدرجة الثانية! إنهم من الجيل الثالث والرابع من أصول مغاربية جزائرية مغربية تونسية وإفريقية « النيجر الكاميرون، ساحل العاج، السنغال، الكونغو إلخ..» تتشكل الغالبية منهم من المسلمين (حوالي 61% من المهاجرين هم من المسلمين لو اضفنا إليهم الأتراك..» وهي نسبة كبيرة للغاية بالنظر إلى عددهم إجمالًا، أي أكثر من خمسة ملايين مهاجر جاءوا إلى فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية، بعضهم جرته السلطات الفرنسية رغمًا للانخراط في الجيش الفرنسي إبان الاحتلال الكلونيالي للعديد من الدول الإفريقية منها الجزائر والمغرب بالخصوص، وكان استقرار هؤلاء في فرنسا يعني بداية عهد آخر، بالنسبة لما سمي فيما بعد بالمهاجرين العرب، وهي التسمية التي ظلت مرتبطة بالجيل الثاني، وارتبطت بالجيل الثالث والرابع الذي انتقض في الفترة الأخيرة.
إنهم الوجه الآخر من الوضع الفرنسي على مدى حقب وعقود من الأزمنة المتناقضة.. الوجه التاريخي والكلونيالي أيضًا، حيث إن نسبة منهم أيضًا ينتمي إلى ما تعتبره الجزائر نفسها بالعملاء «الخونة» الذين باعوا الثورة الجزائرية إبان الاحتلال الفرنسي للجزائر، وفضلوا اللحاق بالفرنسيين بعد الاستقلال، إنهم ببساطة الحركي، كما يطلقون عليهم في الجزائر، ومن العجيب أنه المصطلح نفسه الذي بقيت فرنسا نفسها تطلقه عليهم أي «الخونة»، مع أنهم خانوا لأجل الفرنسيين.
باريس من نافذة السيارة تظهر كرسوم كرتونية، بحيث تكتشف أنك كلما تماديت في التقدم، تتمادى في اكتشاف الوجه الآخر من هذه العاصمة التي طالما أثارت الدهشة والإعجاب لمن لا يعرفها معرفة حقيقية، بينما الذين يعرفونها جيدًا. يشعرون أنهم في وضع لا يقل عن ذلك الذي كان يستشعره سكان جنوب إفريقيا إبان الأبارتايد !
حين دخلنا إلى شارع سان دونيس وهو أحد شوارع الضواحي، لفت انتباهي تلك الكتابات العشوائية على الجدران بألوان مختلفة بين الأبيض والأسود والأحمر توحي أنمن كتبها كان يفعل ذلك بسرعة وخوف وتصميم.. كتابات تقول ببساطة: « لسنا أوباشًا يا ساركوزي» وأخرى: «نريد العدالة الاجتماعية» أو نريد حق العمل والحياة أو نحن أحق بالحياة أيضًا، بينما كتابات أخرى تقول العرب أسياد وليسوا رعاعًا!»... تلك الكتابات على الجدران على بساطتها أحيانًا تحكي بوضوح ما جرى وأسباب ما جرى، حيث يمكنك عبرها أن تقرأ تاريخ هؤلاء الشباب المهاجرين الذين عجزوا عن الاندماج لأنهم وضعوا على الرف، ولأن الثقافة والفكر الفرنسيين عاملوهما بعنصرية.. ولأنهم أيضًا يحملون هويات إسلامية من الصعب ذوبانها في مجتمع ليبرالي علماني كالمجتمع الفرنسي.. توقفت السيارة أمام فندق «كونكورد» بسان دونيس كان وصولنا إلى فندق يعني أن التعب ربما يبدأ الآن فعلًا، فقد كنت في الحقيقة مرتبطة بموعدين هناك، الأول طبي والثاني إعلامي.
بعد التجرد من تعب السفر، فكرت في الاتصال بالمفكر الفرنسي المسلم «بيير زين» الذي كان في الحقيقة طرفًا في القضية، باعتباره يرأس جمعية تسعى إلى تحقيق الاندماج للمهاجرين دون. مس هوياتهم الإسلامية، وهو الرهان الذي بقي مجرد مطلب قبالة واقع صعب كهذا الواقع، حين رفع السيد بيير زين السماعة في الطرف الثاني من الخط، بدا صوته سعيدًا وهو يرحب بي سألني: متى وصلت؟ وكم سأبقى؟ وأجبته على سؤاله بعبارات سريعة كنت في الحقيقة أريد أن آخذ منه موعدًا لمقابلة صحفية تمنح الفرصة للآخرين بأن يتكلموا في الموضوع بشفافية وأمانة.. وعدني بيير زين خيرًا، وقال: إنه سيتصل بي لتحديد موعد.. ثم اتصلت بمسلمة فرنسية أخرى وهي الدكتورة خديجة عبد الله، التي أشهرت إسلامها قبل خمسة أعوام وصارت تدير جمعية فرنسية للمسلمات الفرنسيات الساعيات إلى خلق أجواء حوار مع الفرنسيات والأوروبيات لأجل تحقيق ما تسميه مشروع التعايش الإسلامي في فرنسا، وهو المشروع الذي قوبل بالرفض إعلاميًا في فترة من الفترات، وتمت محاصرة السيدة خديجة عبدالله سياسيًا وقانونيًا وإعلاميًا على حد سواء، دون أن تتراجع عن حلمها الذي تسميه ببساطة فرنسيات ومسلمات Francoise&..muscleman كان الحديث معها حول أمور عامة، قبل أن أطلب منها موعدًا هي الأخرى...
وكنت بهذه الصورة على موعد في الحقيقة مع شخصيتين فرنسيتين مسلمتين مهمتين داخل المجتمع الفرنسي بفسيفسائه الراهنة.. شعرت أنني بدأت الجانب العملي قبل الجانب الصحي، حيث إنه كان لي موعد مع الطبيب الذي يتابع حالتي الصحية، والذي تعودت على أن يستقبلني بوجهه البشوش وسؤاله الطيب عن الحال والأحوال، لكن حين توجهت إلى المستشفى ثاني يوم من وصولي... اكتشفت مذهولة أن طبيبي سافر لحضور مؤتمر طبي دون إضافات أخرى.. كنت بشكل ما مصدومة من الرد الجاف الذي قوبلت به. وبحثت عن أي طبيب يمكنه أن «يغطي» غياب الطبيب الأول. قالت لي الممرضة التي بدت مرتبكة أمام الوضع إنها تتأسف جدًا! قلت لها : إنني قطعت المسافة من الجزائر إلى هنا وليس من المنطقي أن أعود دون تتمة فحوصاتي... وعدتني أنها ستحل المشكلة وأنها ستتصل بي في الغد.
عدت إلى الفندق من نفس الطريق تقريبًا.. كان رجال الأمن بلباسهم الرسمي وحتى المدني في كل المداخل المهمة للشوارع العربية التي تتداخل في الحقيقة فتبدو وكأنها واحدة، من حيث الظرف والشكل والمطالب أيضًا. وجود رجال الأمن في مثل هذه الظروف ديكورًا اعتاد عليه الناس بسرعة، لكن الذي يبدو جديدًا هو أن يتم الاعتداء على البعض بشكل لا يخلو من استفزاز أيضًا -لعلي صعقت حين رأيت أمام مدخل المترو شرطيًا يبدو أنه استوقف رجلًا بدا من ملامحه أنه عربي- وكان واضحًا أنه يسأله عن أوراقه وهويته.. ثم فجأة رفع الشاب يديه ووضعهما فوق رأسه وما كان من رجل الأمن إلا أن دفعه وأسقطه أرضًا ممسكًا بذراعي الشاب نحو الوراء. سمعت ذلك الشاب يصيح أنا لم أفعل شيئًا، وإن أوراقي سليمة، بينما الشرطي يجره إلى العربة الأمنية المصفحة ويدفعه فيها.
صورة سريعة وخاطفة رأيتها وذكرتني فجأة بالوضع السائد في الأراضي المحتلة، بيد أن الصورة تلك تكررت وبشكل مكثف ضد الجزائريين والمغربيين والأفارقة عمومًا الذين كانوا يدفعون ثمن لونهم وهويتهم الأصلية، فداخل العنف والعنف المضاد لم يكن ثمة شيء اسمه الحرية، بل كان كل شيء يبدو مفتوحًا للقمع وبلا أسباب حقيقية، بل القمع لأجل إثارة الخوف وإجبار الآخرين على الخنوع حتى وهم يتكلمون بفرنسية طليقة وربما يفكرون أحيانًا بالطريقة الفرنسية إلا أنهم يظلون في نظر «قانون الهجرة» مجرد «رعاع» ولا يحق لهم أن يعترضوا على قوانين البلد الذي يستضيفهم...من الناحية الإعلامية بدا المهاجرون كفزاعة جاهزة لتخويف الفرنسيين من كل الاحتمالات بما فيها احتمال الأعمال الإرهابية.
الصحف الفرنسية التي يتحكم في أغلبها مجلس إدارة «يهودي» معروف، لم تفوت فرصة رسم الصورة البشعة لهؤلاء الشباب الذين انتفض جلهم عن إحساس شرعي بالتمييز والعنصرية التي مارسها الآخر عليه، مع ذلك. بدت الصورة الفرنسية جاهزة لأجل زرع الخوف في نفسية الفرنسيين الذين وجدوا من يتكلمون اليوم باسم القومية الفرنسية، أو ببساطة الوطنية، التي تديرها أحزاب شوفينية وفاشية كالحزب الوطني الفرنسي بقيادة «جون ماري لوبين» الأكثر كرهًا للعرب والمسلمين استغلال الوضع كان المرحلة التي تسمى «بالحصاد» بالنسبة لهؤلاء الذين يتكلم «ساركوزي» باسمهم لأجل تطهير فرنسا من كل «الأوباش» على حد قوله، باعتبار أن ساركوزي نفسه يهودي من أصل بولوني «بعضهم يصر على أنه يهودي مجري!».
تصاعد التيارات اليهودية ليس مجرد كذبة كاريكاتورية في فرنسا، بل حقيقة اكتشفها العالم قبل سنة تقريبًا -حين قرر «اليهود» إجبار فرنسا على الاعتراف بهم كقوة سياسية فاعلة عبر تهديد رئيس الوزراء الإسرائيلي أرئيل شارون «بسحب» اليهود من فرنسا، وشن الحرب على القيم الفرنسية التاريخية! والحال أن الاعتداء على المهاجرين وإهانتهم لم يكن قضية آنية ولا ظرفية ولا وليدة اليوم ولا الأحداث الأخيرة نفسها، بل هي تأريخ فرنسي ما زالت آثاره في تلك الأحياء التي حين تدخلها تفاجًا بحجم المآسي فيها، وبحجم الإهمال وحجم التهميش وحجم الانزواء أيضًا، لأن فرنسا لا تريد أن تمنحهم فرصة العمل، ولا أحقية الحياة بقدر ما تريد أن تصنع منهم «ذاكرة» تجسدها النسب الانتخابية فقط التي ستحتاج إلى أصواتهم على حساب كرامتهم.
في المستشفى!: مساء الأحد، اتصلت بي الممرضة لتطلب مني الحضور إلى المستشفى الإثنين صباحًا، حاملة ملفي الطبي بكل تفاصيله، وكنت في الموعد لأجدني قبالة ارتباكها من جديد.. قالت إنها تتأسف لكل ما يجري، وأنها حاولت فعلًا مساعدتي على أن تؤكد لي موعدًا مع طبيب آخر، ولكن.. علي أن أنتظر إلى الأحد القادم! قلت لها: إنني مضطرة إلى مغادرة فرنسا الأربعاء على الأكثر... فاعتذرت من جديد.... قالت: إنها تتأسف فعلًا. وأن الطبيب الذي كان سيراجع حالتي أجل الأمر بعد أن قرأ اسمي.. وعرف أنني جزائرية !!
صعقت من الجملة ونظرت إليها مستغربة. سألتها: ما دخل اسمي وجنسيتي في الموضوع؟ احمر وجهها وهي تعتذر من جديد.. ثم تقول إن الأحداث الأخيرة «لخبطت» كل شيء فرنسا التي تصطنع مصطلحات الأدب الشهيرة هي التي فجأة تقف هكذا، أمام مريض عربي لتقول له معذرة. عليك أن تنتظر موعدك بعد أسبوع أو سنة.. عليك أن تتعلم الانتظار والالتزام قبالة الانتظار! كانت الممرضة تردد عبارة الاعتذار واعدة إياي أنها ستحاول «فعلًا» مرة أخرى.
وغادرتها نحو الضواحي التي كانت تثير الدخان في أجواء المدينة.. وسيارات ما زالت النيران عالقة ببعضها ومحلات ما زالت آثار الغـضب لاصقة بزجاجها المكسور وواجهاتها العارية ورجال الأمن الذين كانوا يداهمون المنازل المكتظة بالمهاجرين لاعتقال من« تليق» بهم تهمة العنف أو «حرب الضواحي» كتسمية جديدة كانت تتداولها الصـحف الفرنسية التي تعاني من «فوبيا الأجانب»... لم تكن حصتي من المفاجآت قد انتهت حين عدت إلى الفندق وجدت كما حال المرات السابقة رجال الأمن يدخلون بحثًا عن أسماء وهمية في الظاهر، وكان بعضهم ينقل من دفتر الحجز أسماء النزلاء وأرقام جوازات سفرهم «كإجراء قانوني!» ليس أكثر كانت من أسباب الحضور هذه المرة معركة بالأيادي تسبب فيها مسؤول في الفندق حين اعتدى بالضرب على إحدى المنظفات الإفريقيات مما أثار غضب زملائها الأفارقة بالخصوص وتحول الأمر إلى معركة بالأيدي تدخلت على إثرها الشرطة القريبة من المكان دون حتى السؤال عن سبب المعركة راحت تعتقل الأفارقة مكبلة أيديهم إلى الخلف. دافعة إياهم بقوة نحو سيارة الشرطة الزرقاء المصفحة كان البحث بعدها عن قائمة النزلاء أمرًا إجرائيًا، لا يخلو من استفزازات أيضًا حين تلقيت فجأة أمر المغادرة ذلك الإثنين مساء تساءلت عن سبب أمري بالمغادرة؟ فقال لي أحد رجال الأمن: إن ثمة أمر بترحيل من «ليس وجودهم ضروريًا!»..
حاولت أن أقنعه أنني هنا لسبب طبي وضروري أيضًا، لكنه اعتبر الأمر مجرد شكليات، قائلًا لي: يمكنك أن تتفهمي الأمر ببساطة! سقط علي أمر المغادرة كإعلان مسبق، ووجدتني أتصل هاتفيًا بالسيد بيير زين الذي لم يتفاجأ في الحقيقة حين حكيت له الموضوع: قال إن الفرنسيين صاروا كالمسعورين، ولكي لا يتكون ثمة أي إشكال ضدي من الأفضل المغادرة.. عاد يقول: الفرنسيون فقدوا عقلهم فعلًا! أجل، كنت في الحقيقة أعيش لحظات أخيرة في مدينة دخلتها متسائلة وخرجت منها أحمل الجزء الأهم من الإجابة، بأن فرنسا تعيش فعلًا وضعًا خطيرًا. ليس بسبب المهاجرين كما يدعي هؤلاء، بل بسبب الفرنسيين الذين يريدون الالتحاق بالركب الأمريكي على جثث المسلمين بالخصوص، فلكي تثبت فرنسا طاعتها للبيت الأبيض بعد الخسارات الماضية عليها أن «تضحي». الأقليات التي تسميهم ابال «فرنسيين» درجة ثانية الذين أمام كل ما جرى لهم طوال سنوات طويلة لم يكن أمامهم سوى الانتفاضة والآن عليهم أن يدفعوا الثمن بتصفيات ستطالهم في غیاب سلطة العدالة الاجتماعية التي لن تنظر في أوضاعهم، بل ستتاجر بهم لأجل تسويق «الخوف من الآخرين» أو ببساطة تسويق فكرة «فوبيا الأجانب» ينفس الطريقة التي جعلت أكثر من ٥٥% من الفرنسيين يقولون: إن المهاجرين يشكلون خطرًا عليهم وعلى ممتلكاتهم وأطفالهم !! هي اللعبة التي بدأت فعلًا في فرنسا التي تريد أن تتغير على حساب جميعًا كرامة هؤلاء جميعًا.
■ رئيس الوزراء السويدي ينتقد التعامل الفرنسي مع المهاجرين
انتقد رئيس الوزراء السويدي یوران بيرشون الطريقة التي تتعامل بها السلطات الفرنسية مع الاضطرابات التي تشهدها مناطق تجمعات المهاجرين في العاصمة الفرنسية باريس، وقال بيرشون في هذا الصدد: «إنني مستغرب للتعابير التي يجري استخدامها من قبل الرسميين الفرنسيين ولانعدام بوادر الود في التعامل مع المهاجرين، إنه نوع من التعامل لا يؤدي إلى الحوار مطلقًا، هناك انتقادات مبررة للمجتمع الفرنسي، يتعين ألا تقابل بالطريقة التي استخدمها وزير الداخلية ساركوزي على سبيل المثال أنا مستغرب للكلمات التي اختارها»..
ويعتقد بيرشون أن لدى باقي بلدان أوروبا سببًا للنظر إلى ما يجري في فرنسا كإنذار لما يمكن أن يترتب على سياسات اندماج رديئة وعلى البطالة المستفحلة بينالمهاجرين.
ففي فرنسا لا تقدم مخصصات مالية للشباب كي يدرسوا وهذا يعيقهم عن مواصلة الدراسة العليا، التي غالبًا ما تكون شرطًا لولوج المجتمع -وقد رد رئيس الوزراء السويدي على حزب الشعب السويدي الذي طالب بفتح مزيد من مخافر الشرطة المحلية في المناطق التي يكثر بها المهاجرون للحيلولة دون تكرار ما يحدث في فرنسا هنا في السويد، وهذا ما لا يرى له بيرشون داعيًا ويقول رئيس وزراء السويد:
«بالنسبة لنا فإن العمل وتوفير إمكانات الدراسة هي الطريق المناسب الذي سنسلكه وإرسال إشارات عن تعزيز مخافر الشرطة في مناطق المهاجرين يتعارض مع هذا الطريق السياسي الذي اخترناه».
أما وزير الاندماج «يانس أورباك» فقال لصحيفة داغينس نيهيتر السويدية: إنه إذا ما تقرر تعيين مزيد من الشرطة المحلية فيتعين أن يكونوا من ذات أصول سكان المناطق المعنية. أما البروفيسور مسعود كمالي الباحث المكلف من قبل الحكومة في موضوع التمييز الإثني فإنه يرفض الفكرة ويرى فيها تجريحًا لسكان تلك المناطق.
يحيى أبوزكريا
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل