العنوان فرنسا: من الحملة على الحجاب إلى الحملة على المهاجرين
الكاتب أشرف سلامة
تاريخ النشر الثلاثاء 26-ديسمبر-1989
مشاهدات 74
نشر في العدد 947
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 26-ديسمبر-1989
- مطالبة المسلمين الفرنسيين بالتخلي عن دينهم وثقافتهم الأصلية
تُناقض الدستور الفرنسي.
- لوبان زعيم «الجبهة القومية» يقود الحملة العنصرية على المهاجرين.
- وسائل إعلام فرنسية تعبئ الفرنسيين ضد الإسلام.
عندما يسأل الفرنسيون اليوم: من هي الشخصية الفرنسية القادرة على حل مشكلة
المهاجرين سجد جان ماري لوبان على رأس القائمة، وعندما نعرف أن جان ماري لوبان هذا
هو زعيم العنصريين الفرنسيين الذين يشكلون «الجبهة القومية» وأنه اغتنم فرصة الجدل
القائم حول الحجاب في فرنسا لينادي «ببساطة» بطرد الأجانب مستعملًا عبارة «تنظيف
البلاد من هؤلاء الذين ينغصون حياة الفرنسيين» ندرك لماذا يشعر المهاجرون المغاربة
المسلمون في فرنسا اليوم بالقلق والخوف.
الإعلام يثير الخوف من المسلمين
أوساط عديدة في فرنسا وخارجها ترى أن الحملة على الحجاب في الفترة الأخيرة
لم تأت من فراغ، وإن وراء تفجرها أسبابًا أكثر وأعمق من وضع بضع فتيات مسلمات
للحجاب داخل المدارس الفرنسية، وهو ليس بأمر جديد ومن أهم هذه الأسباب تنامي
الممارسات وتزايد المواقف العنصرية عند شرائح غير قليلة في المجتمع الفرنسي ضد
الأجانب عمومًا والمسلمين بوجه الخصوص، وقد لعبت وسائل الإعلام دورًا رئيسا في
إطلاق الموجة العنصرية الجديدة وتحريض الفرنسيين على المهاجرين المغاربة والمسلمين
عمومًا مرة باسم «المبادئ الجمهورية» ومرة باسم «اللائكية» وأخرى باسم منافسة
الفرنسيين على مواطن الشغل و«أكل خبز الفرنسيين»، وقد بدأ التخويف من الإسلام
والمسلمين منذ أن أطلقت جريدة لوموند صيحة لتحذير تحت عنوان «فرنسا ذات الألف
مسجد» وقد استغلت بعض الأقلام العنصرية قضية سلمان رشدي وقضايا الإرهاب في فرنسا
وخارجها لإثارة الفرنسيين وإيقاظ النزعة الصليبية فيهم، وإذا صدقنا مؤسسات الإحصاء
واستطلاع الرأي الفرنسي فإن الإسلام أصبح يخيف الفرنسيين اليوم إخافة لم تكن
موجودة منذ أربع أو خمس سنوات، رغم أن قلة من المغاربة المسلمين المقيمين في فرنسا
يطبّقون تعاليم الدين الإسلامي، وقد عكس هذا الخوف انقلابا في رأي الفرنسيين تجاه
اندماج المهاجرين، حيث يعتقد 57% من الفرنسيين أن العقبة الكبرى أمام اندماج
المهاجرين هو الإسلام، في حين لم تكن هذه النسبة عام 1985 سوی 23%، وإن صحت
هذه النِسب التي أوردتها مجلة نوفال أبسرفاتور الفرنسية فإن هذا يعني أن العنصريين
نجحوا ولو نسبيًا في تعبئة الفرنسيين ضد الإسلام والمسلمين، ولكن هل يبقى لنا شك
في انتعاش النزعة العنصرية بعد أن بدأت الجبهة القومية الفرنسية تحقق مكاسب
انتخابية آخرها نجاح حليفة لوبان ماري فرانس ستيربوا في مقاطعة درو في الانتخابات
التشريعية الأولية وسقوط مرشح الحزب الاشتراكي، وقد حدث نفس الشيء في مرسيليا مما
جعل أحد الاشتراكيين يتحدث عن دُش بارد أصاب الاشتراكيين وعن نقص في التبصر
والتوقع لما هو آت، وبهذه المناسبة ومن أجل التضخيم الإعلامي لهذا الانتصار بعثت
إحدى المجلات الفرنسية بتسعة من محرريها لتغطية «حدث درو» على مدى أربعة أيام
وبالطبع لم يفعل هؤلاء المحررون سوى أن جمعوا أقوال المدفوعين بحقدهم على العرب
المسلمين لتشويه صورة المهاجرين من مثل هذا القول لسائق للوريات: «أنا لا أحب
العرب وأنا عنصري، إنهم يعتقدون أنهم في بلادهم وهم يتكاثرون مثل الفئران، إنهم في
كل مكان» ومثل هذا القول لإحدى الفرنسيات وهو موجه للعربيات «إنكن تأخذن أحسن ما
عندنا حتى رجالنا».
وتأخذ الجبهة القومية بزعامة لوبان على الحكومة الفرنسية أنها لا تطلع الرأي
العام عما يحدث في مجال الهجرة، وعن ازدياد المهاجرين وطالبي اللجوء السياسي إنها
تقول: إن الهجرة إلى فرنسا استؤنفت بصورة مكثفة منذ أن أخذ الاقتصاد الفرنسي في
الانتعاش، ولا يجب أن نتوهم أن غلق الحدود أمام الهجرة الرسمية من أجل العمل قد
حلت المشكلة، وبقدر ما يلومون الحكومة على تراخيها يؤكدون أن المشكل الأعوص
والأكثر خطورة هو عدم إمكانية اندماج هؤلاء المهاجرين وعدم تقبلهم للثقافة
الفرنسية، وطريقة الحياة الفرنسية ويزعم للثقافة الفرنسية وطريقة الحياة الفرنسية،
ويزعم المتطرفون أن المغتربين المسلمين لا الفرنسي، حتى عندما يكتسبون الحق في
التجنس. ولا يخفى على أحد أنهم هنا يشيرون إلى محافظة هؤلاء المغتربين على ثقافتهم
وعقيدتهم الإسلامية فهل هذا هو التسامح الديني ومنها حرية المعتقد والدين.
إنهم باسم الدفاع عن مبادئ الجمهورية وباسم العلمانية والدفاع عن عصر
الأنوار يريدون ببساطة أن يسلبوا أبسط حقوق المسلمين المقيمين في فرنسا. إن عدد
اليهود الفرنسيين أقل بكثير من عدد المسلمين الفرنسيين الذين يصل عددهم إلى أكثر
من ٣٠٥ ملايين نسمة، ومع ذلك يسمح لأولئك اليهود بوضع الطاقية اليهودية على رؤوسهم
ويسمح لأبنائهم بوضع نجمة داود على صدورهم والتغيب عن المدرسة الفرنسية يوم السبت،
أما عندما تحمل فتاة مسلمة خمارًا أو فولارًا فإن ساسة فرنسا المتطرفين يقيمون
الدنيا ويقعدونها.
ولنا
أن تتساءل ماذا يقصدون بالاندماج؟ ألم يشارك هؤلاء المهاجرون بجيلهم الأول والثاني
في بناء الاقتصاد الفرنسي والقوة الفرنسية؟ ألا يعمل منهم أساتذة وأطباء وباحثون
وتجار وصناع وعمال في مختلف المجالات، وهم يتعايشون في وئام مع زملائهم وهم
يحترمون قوانين البلاد ويسري عليهم ما يسري على غيرهم. ألا ينُص الدستور الفرنسي
على عدم التمييز بين كافة المواطنين على أساس الجنس أو الدين؟ ألا تنُص القوانين
اللائكية على احترام حرية الوجدان وحرية المعتقد الشخصية منذ ظهور قانون 9/12/1905
القاضي بالفصل بين الكنيسة والدولة، وأن الفرنسيين أنفسهم ينتمون إلى عدة أصول
فمنهم من هو من أصل بولندي، ومنهم من هو من أصل جرماني ومنهم من هو من أصل إيطالي،
ومنهم من هو من أصل يهودي، ومنهم من هو من أصل إسباني باسكيني ومنهم الأرثوذكسي
والبروتستانتي، فلماذا يُراد من المسلمين الفرنسيين وحدهم التخلي عن ثقافتهم
ودينهم حتى يتم اندماجهم في المجتمع الفرنسي. إن الأمر لا يعدو أن يكون مدًا
عنصريًا صليبيًا جديدًا يستهدف المهاجرين من أصل مغربي مسلم بالذات وهذا المد
يتفاعل مع الهجمة العالمية على الصحوة الإسلامية في كل مكان، ومن هنا لابد أن
يتيقظ مسلمو فرنسا لما يُحاك لهم وأن يعملوا على لم شملهم وتوحيد صفوفهم وجهودهم
من أجل مجابهة هذا المد العنصري، وإن من أوكد الواجبات اليوم وأمسها وضع حد
للتبعثر وتوحيد المؤسسات والمنظمات الممثلة للمسلمين، ولابد أيضًا من توحيد الخطاب
في مخاطبة الشعب الفرنسي والساسة الفرنسيين، لأن اختلاف الخطاب من جهة إسلامية إلى
أخرى، أضر بالدعوة الإسلامية في فرنسا، ومكن المغرضين من الأخذ بالمقولات التي
تسيء إلى الإسلام وإلى المسلمين، وبالتالي تشوه صورة هذا الدين في أذهان الناس
وأمام الرأي العام الفرنسي فلا بد من سد الثغرات وقطع الذرائع حتى لا يبقى أمام
العنصريين ما يستغلونه ضدهم ثم يبقى على الدول الإسلامية والمنظمات الإسلامية
العالمية أن تقف إلى جانبهم وتقدم لهم ما يحتاجون من دعم مادي ومعنوي.