; فرنسا مهد انطلاقة الحروب الصليبية | مجلة المجتمع

العنوان فرنسا مهد انطلاقة الحروب الصليبية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 13-ديسمبر-2003

مشاهدات 57

نشر في العدد 1580

نشر في الصفحة 38

السبت 13-ديسمبر-2003

محكمة تفتيش للحجاب

قال وزير التعليم الفرنسي الأسبق (كلود ألاجر) في جريدة «لاكسبراس» 8/5/2003: ليس للعلمانية أن تتماشى مع الإسلام، إنما على الإسلام أن يتماشى مع العلمانية الفرنسية. إن من ينظر إلى زخم الشعارات المرفوعة من طرف العلمانيين، فرنسيين كانوا أو مسلمين، يظن أنه لا يوجد على بطاقات الراهبات غطاء للشعر، ولا على أعناق «الآباء» المسيحيين ربطات عنق مميزة، والمصيبة أنه لا يزال إلى يومنا هذا في بعض الساحات العامة صلبان ضخمة مغروزة في وسط المدن تذكر بانتماء لم يغب عن الأذهان، فهناك أعياد دينية مسيحية تحتفل بها الدولة وتدفع أجرها للعاطلين، رغم ادعاء الفصل بين الدين والدولة، حتى التقاويم الوطنية أغلب عطلها مناسبات دينية بحتة، بل هناك أعلام جهوية مرسوم عليها الصليب بوضوح، بل هناك مدن بكاملها تحمل أسماء شخصيات دينية من أكثر الشخصيات دموية في تاريخ أوروبا.

المسيحية في أوروبا، وفرنسا بالخصوص لا تزال حاضرة، فعلاماتها تصادفك عند كل منعرج طريق وفي كل مكان؛ فالثقافة الأوروبية مسيحية، والسياسة الأوروبية مسيحية، رغم أن الدساتير تدعو إلى تحييد المؤسسات العامة، والمدارس والمناهج التعليمية.

أن يتم توجيه أصابع الاتهام إلى الإسلام فقط فهذا ليس جديدًا، وبالتالي فقد تعودنا، أو بالأحرى سئمنا، هذه الحملات المتكررة ضد الإسلام، مع أننا لسنا في فلسطين، ولا أفغانستان، ولا العراق، ولا كشمير ولا البوسنة... 

إن الهجوم الكاسح الذي تتعرض له المسلمات العفيفات في العديد من الدول الأوروبية يفجأ الجميع، تلك المعاهدة الأوروبية لحقوق الإنسان تجعل من المستحيل منع طالبات الثانويات من ليس الحجاب عن طريق سن القوانين؛ فالسياسيون يصيحون اليوم: ممنوع الحجاب في المدارس، تمامًا كما كان النازيون يصيحون ضد اليهود: لا تقبلوا يهوديًّا أو غجريًّا في جيش الرايخ العظيم، أو كما صاح في القرن الـ 16 زعماء محاكم التعذيب الإسبان: لا بقاء للدم الإسلامي النجس في المملكة الكاثوليكية.

لقد عارض بعضهم -يقول الناشط الأوروبي الأستاذ الدكتور يحيى میشو- عندما خالفتهم في قضية الحجاب فقال لي: إنه لا مقارنة بين ما فعله النازيون لليهود برسم نجمة صفراء على أذرعهم، فهم كانوا يفعلون ذلك بقصد التفرقة العنصرية، أما نحن فإننا بإجبار المسلمات على نزع حجابهن، إنما نعمل على تحريرهن وتسويتهن بالرجل، ودمجهن في المجتمع ورفعهن إلى مستوى حضاري.

مهما كانت عظمة المبادئ التي يدعون العمل من أجلها -يقول الأستاذ ميشو - فإن التجارب أثبتت أن احتقار الفروق والخصوصيات البشرية يؤدي إلى إحباط أشد من آثار التمييز العنصري، فالتهميش الاجتماعي، ونمو مشاعر الظلم عند هؤلاء الذين يريدون البقاء أوفياء لدينهم قدر الإمكان لا يشكلون بالتزامهم خطرًا على المجتمع ولا على الناس لا من قريب ولا من بعيد، فإذا كانت الخصوصية التي هي أصل المجتمعات البشرية تدفع ضيقي الأفق من مسؤولين سياسيين أو مديري مدارس إلى التدخل لحرمان الطالبات من التعليم، فهو أمر يأتي بعكسه تمامًا، حيث ينمو الشعور بالوحدة وبضياع الحقوق في مجتمع يدعي أنه جنة حقوق الإنسان، وبالخصوص إذا كان الأمر يتعلق بمواطنين كاملي الأهلية.

أيديولوجية . بربرية

ونحن نقول إن الذي يحصل إنما يحصل؛ لأن هؤلاء المسؤولين لا يتحملون أن يروا غيرهم سعيدًا بالمحافظة على دينه، أو خصوصيته الثقافية، ومن ثم فهم يدعون إلى أيديولوجية ليس فقط تقهقرية وبربرية ولا إنسانية، إنما أيضًا متطرفة ومتعصبة ومجرمة إلى درجة ليس لها مثيل، لا فرق في واقع الأمر بين أن تجبر فتاة لتتخلى عن حشمتها وتنزع حجابها، وبين أن تجبرها على حمل نجمة داوود الصفراء بدافع العنصرية، أو حمل هلال أخضر بدافع التمييز. 

لا أحد يتصور أنه يمكن في عصرنا هذا أن تفرض النجمة الصفراء على أي كان؛ فمحرقة اليهود كانت سببًا في لعنة أبدية سلطت على أيديولوجية النازية المتمثلة في الصفاء العنصري للجنس الآري وفي قيم القومية - الاشتراكية وغيرها من المبادئ التي حملها هتلر لدعم سياسته الرهيبة. فما سر وحقيقة إجبار المسلمات على نزع حجابهن.. لن نفهم ذلك إلا بكشف محرقة المسلمين في الأندلس: إن الحقائق التي تدفع إلى محاربة الحجاب هي نفسها التي دفعت زعماء محاكم التعذيب الإسبان إلى محاربة الحجاب، كيف؟ ففي هذه القضية بالذات يسهل مراجعة التاريخ ونكران حقائقه أو تزييفها عن مواضعها.

إن الجنون الأوروبي النابع من خوفه من الآخر صار هستريا عامة، مما أدى إلى نسيان تاريخ التفتيش الرهيب، وصار بذلك الكثير من الأوروبيين يتبنى أفكار محاكم التفتيش، بل عفت المسيحية عن نفسها بنفسها حتى صار لا أحد يتذكر أيام القرون الوسطى الحالكة الظلام والمغرقة في الإرهاب. نعم، تناسى الجميع أنه في القرن الـ16 كانت قضية نزع حجاب المسلمات الإسبانيات من مسلمات السياسة الكاثوليكية لمحاكم التفتيش، وهي سياسة كانت تعتمد على القوانين والسلطة لإجبار المسلمات على ترك الحجاب، حيث أدت في النهاية إلى سحق عشرات الآلاف، سواء قتلًا أو ترحيلًا عن وطنهم، كان ذلك بين 1609 و1610م.

وفي 29 يوليو 1513م صدر مرسوم من الملكة «جان المجنونة» -كما يلقبونها - يمنع المسلمات من التنقب، وهكذا صارت الأحكام التعسفية شيئًا فشيئًا قاسية وظالمة في حق من لم تلتزم بالقانون وفي سنة 1526 قامت هيئة برئاسة الدون «ألونزو منريكي» -كبير رؤساء محاكم التعذيب- بدراسة الطريقة المثلى لتذويب الموريسكيين المسلمين في غرناطة، فتم القرار بوجوب تغيير ألقابهم الإسلامية، وجوب تخليهم عن اللغة العربية، وجوب أخذ ألقاب قشتالية، ووجوب تمزيق ملابسهم ثم إعادة خياطتها حسب التقاليد الإسبانية، ليس هذا فحسب، بل وجوب نزع الحجاب عن نسائهم.

القرن الـ 16. إلزام المسلمين بزي النصارى

في سنة 1566 صدر قانون يوجب على المسلمين ارتداء ملابس النصارى، ويوجب على المسلمات نزع حجابهن، أما في سنة 1600 فقد قام كاتب الديوان العام المدعو (بيدرو فرانكيزا) بكتابة مذكرة إلى الملك فيليب الثالث يدعوه فيها إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع المسلمين: «من دفن موتاهم حسب مراسيم دينهم، وإجبارهم على التخلي عن لغتهم وعن ملابسهم الدينية وعن تناولهم اللحم الحلال، ثم هدم كل مساجدهم وحماماتهم ومدارسهم» وعندما أصر المسلمون على عدم التنازل عن تقاليدهم ودينهم وعاداتهم، أعاد ذلك الكاتب الكرة وأخبر الملك بأنه لا جدوى من هؤلاء المسلمين الموريسكيين فهم ملتزمون تمامًا بتقاليدهم حتى لو أدى بهم ذلك إلى الموت.

وفي مدينة «بلنسية» سنة 1600 كتب الأب الفرانسيسكاني «أنطونيو سوبرينو» إلى الملك «فيليب الثالث» مذكرة جاء فيها: «إنه شيء عظيم أن نجرد المسلمين من كل ما يبين هويتهم الثقافية، يجب أن يتشبهوا بالنصارى في ملابسهم، في كلامهم في تقاليدهم في مأكلهم وكتابتهم، وفي كل ما يتعلق بالتقاليد النصرانية الحسنة، يجب على أرباب الأبرشيات أن يجبروا المسلمين على الالتزام التام بكل ما هو نصراني حلال، مثل اللباس، الولائم العامة، أكل اللحوم، وشرب الخمر... إلخ». 

يقول الأستاذ «يحيى ميشو » على مدى 120 عامًا حصل اغتصاب أيديولوجي منظم ضد المسلمين في إسبانيا، بدأ بالتجهيل المتعمد والاضطهاد الجماعي، ووصولًا إلى التقتيل الجماعي والممنهج، حيث قلب حياة المسلمين إلى جحيم، استمر ذلك منذ اغتصاب غرناطة في 1492م إلى طرد حوالي 300 ألف منهم سنة 1609- 1610 وقتل أضعاف مضاعفة لهذا العدد. 

كانت حقيقة محرقة رهيبة تشبه تمامًا محرقة النازية الممتدة بين سنة 1933 إلى سنة 1945م. فكما أن المحرقة جعلت فرض أية شارة معينة بمثابة نجمة صفراء؛ فإن تدمير مسلمي الأندلس المنظم والممنهج من طرف الدولة آنذاك، ومحاكم التعذيب الرهيبة التي أقيمت باسم الدين في القرن السادس عشر، يجعل أي تصرف تحت أية دعوة كانت ترمي إلى تذويب أية مجموعة من الناس في أي مجتمع، سواء أكان ذلك التذويب بالقوة أو بالعناية المركزة، فيعتبر في مجال حقوق الإنسان جريمة ضد الإنسانية، وما يجري للمسلمات اليوم من اضطهاد مماثل للذي تحدثنا عنه، عن طريق إجبارهن على خلع الحجاب بواسطة القوانين هو تمامًا ما فعله ملوك إسبانيا ونفذته محاكم التعذيب!

المتنورون أبواق السلطة

إن العلمانية، والدمج الاجتماعي، وغيرهما من الأفكار التي يفترض فيها الديكارتية، فكل من يحملون هذه الأيديولوجية، سواء كانوا ليبراليين أو جمهوريين، يجمعون -من خلال تلك الأيديولوجيات- على تجريد المسلمات من حجابهن، إنما يكشفون بذلك عن حقيقة أن أفكارهم هذه ليست بقيم موضوعية، ولا مبادئ إنسانية كونية، وهذا التصرف البربري في دولة حقوق الإنسان، إنما يفضح تلك الأنفس المريضة التي لا تتحمل لا الاختلاف الثقافي ولا الرأي الآخر، وهي مجموعة ممن يسمون أنفسهم «المتنورين» وما هم في الحقيقة سوى أبواق للسلطة المركزية والخطاب الديماغوجي المعروف. 

جدير بالإشارة أن الحجاب لم يزعج أحدًا لا في إيطاليا ولا في بريطانيا، حيث ترتديه الطالبة في الثانوية، والعاملة في الأروقة التجارية والبرلمانية في البرلمان بل حتى الشرطية ترتديه دون أن يزعج ذلك السلطات أو الناس.

علينا جميعًا أن نبين أن محاولة تذويب الناس على اختلاف ألوانهم وثقافاتهم في مجتمع متماثل، هو امتداد لأفكار الحروب الصليبية في القرون الوسطى، إن السياسة التي تتبعها السلطات الفرنسية هي من بقايا محاكم التعذيب، التي قد تجر كوارث على المجتمع والناس، كما حدث في التاريخ الذي يعيد نفسه الآن ولكن تحت تسميات مختلفة فقد بدأت تلك المحاكم بما بدأت به فرنسا الآن ووصلت في النهاية إلى الإعدامات الجماعية، والتعذيب اللاإنساني، وإجبار الآخر على ترك دينه بل حتى الذين تنصروا أحرقوا بالنار بحجة تطهير دمائهم التي لم تزل مخلوطة بدماء المسلمين، جرى ذلك مدة قرنين من الزمان من 1492 إلى 1610، ما جعلنا نصرخ بأعلى صوتنا: حذار حذار، فإن ماضيًا كماضي أوروبا يجعل المبادئ العظمى التي ننادي بها فارغة من معناها الحقيقي، ونحن نمارس ما مارسه زعماء محاكم التعذيب.

إن النضال من أجل أن تحافظ المسلمة على حجابها، ليس وفاء للإسلام فحسب، بل هو التصدي لأفكار الملكة «جان المجنونة» و«منريكي» الجلاد، و«فيليب الثالث» في عصرنا هذا، وهو بنفس الوقت تصد لكل الفاشيين والنازيين لتحرير أوروبا من شياطينها الذين لا يزالون لم يفارقوا ساستها وحكماءها، فلا مستقبل لأبنائنا في ظل هذا العسف والظلم، الذي يفرضه ديناصورات السياسة في الغرب، ولكي لا تبقى أخواتنا وحدهن في ميدان النضال من أجل الحقوق الشخصية والحق في الاختلاف، فإنني أقترح على كل الشباب المسلم أن يوفروا لحاهم ويلبسوا العمائم في كل مكان.

الرابط المختصر :