; فرنسا وأمريكا وصراع النفوذ في الجزائر | مجلة المجتمع

العنوان فرنسا وأمريكا وصراع النفوذ في الجزائر

الكاتب مراسلو المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 07-يونيو-1994

مشاهدات 66

نشر في العدد 1102

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 07-يونيو-1994

فرنسا تدعم المؤسسة العسكرية والتيارات العلمانية الفرنكفونية وتبذل كل جهودها لمنع الإسلاميين من الوصول إلى السلطة في الجزائر.

كيف تتعامل الدوائر الرسمية الفرنسية مع القضية الجزائرية في عهد زروال؟ وما هي انعكاسات هذا التعامل على تطور الوضع هناك؟ وما مدى ارتباط القرار السياسي الفرنسي تجاه هذا البلد بتحديد موازين القوى فيه؟

معوقات خارجية: 

هذه الأسئلة وغيرها كثيرًا ما يطرحها المراقبون المتابعون للأحداث في هذا البلد المغاربي، إلا أن المتأمل يجد أن المعوقات الخارجية أشد وطأة وتأثيرًا على المسار السياسي وتطور الأوضاع في الجزائر وفي المنطقة المغاربية بصفة أشمل.

 ومن هذه المعوقات التنافس الأمريكي الفرنسي على تشكيل صنع القرار في دول المنطقة حسب ما تقتضيه مصالح كل طرف. 

فإذا كان الطرف الأمريكي يعالج القضية الجزائرية بدون مخلفات استعمارية وضمن استراتيجية واسعة الأفق وبعيدة المدى تتماشى والوزن السياسي والعسكري والاقتصادي الأمريكي في العالم، فإن الطرف الفرنسي يبقى مرهونًا بالتاريخ الاستعماري الذي يربطه بأفريقيا وخاصة بشمالها أو ما يسمى بالمغرب العربي الكبير.

 وتكفي الإشارة إلى تصريحات وزير الخارجية الفرنسي الآن جوبيه في ختام زيارته الأخيرة لواشنطن لفهم السياسة الفرنسية في المنطقة وخلفياتها وأبعادها. 

موقف معادٍ:

فقد جاء في تصريحاته أن فرنسا لن ترضخ لحتمية سيطرة الإسلاميين على الحكم في الجزائر، وعن الحركة الإسلامية صرح بقوله: إن جوهر الحركة الإسلامية إذا نظرنا إليها كظاهرة عالمية، فإننا نجد أننا نتعامل مع حركة متطرفة.. حركة إرهابية معادية لأوروبا ومعادية للغرب كما أقترح زيادة المساعدات الاقتصادية الغربية والدولية للجزائر. 

ومن خلال هذه التصريحات الواضحة التي لا لبس فيها، تتبين وجهة النظر الرسمية الفرنسية من الوضع في الجزائر بل أبعد من ذلك من الظاهرة الإسلامية وهي تعني أن فرنسا ستبذل كل جهودها لمنع الإسلاميين من الوصول إلى السلطة من أي باب كان ذلك انطلاقًا من تصورها المعادي للحركة الإسلامية. 

علمًا بأن هذا الموقف يتناقض مع مواقف عدد من السياسيين والمثقفين الذين يبدون تفهمًا لهذه الظاهرة ويبحثون عن مجالات التعاون والتعايش بين شعوب ضفتي البحر المتوسط كما يتناقض حتى مع بعض التصريحات السابقة لمسئولين في الحكومة الفرنسية مثل وزير الداخلية باسكوا الذي صرح في برنامج تلفزيوني بأن فرنسا طرف محايد في الصراع الدائر بين النظام والمعارضة الإسلامية في الجزائر وأنها مستعدة للقيام بدور الوساطة. ولكن السؤال المطروح: هل الموقف الفرنسي الرسمي الأخير هو الموقف المبدئي الذي لا رجعة فيه؟ أم أنه موقف تكتيكي مرتبط بالظرف الانتخابي- الانتخابات الأوروبية في ١٢ يونيو- لكسب أصوات الفرنسيين المتخوفين من تطورات الجزائر؟ كل المؤشرات الحالية تدل على السياسة المتتبعة وتسير في اتجاه تصریحات جوبيه الأخيرة، فتضييق الخناق على رموز الحركة الإسلامية اللاجئين إلى فرنسا متواصل والتعاون مع الجزائر مستمر على المستويات الثلاثة السياسي والمخابراتي والاقتصادي.

دعم النظام القائم:

فعلى الصعيد السياسي هناك دعم للمؤسسة العسكرية من جهة وللأطراف العلمانية الفرنكفونية من جهة أخرى مثل التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، الذي يرأسه سعيد سعدي، كما يلقى المثقفون العلمانيون الفارون إلى فرنسا مساعدات مادية ومعنوية كبيرة واحتضانًا كاملًا إعلاميًا وسياسيًا في الوقت الذي ما زالت ملفات عدد من الإسلاميين اللاجئين من المغرب العربي معطلة أكثر من سنتين في انتظار قرار فوقي ولم يثبت على هؤلاء إرهاب أو عنف، وذنبهم الوحيد الانتماء الإسلامي.

أما على المستوى المخابراتي فليس خفيًا تعاون البلدين الوثيق في تبادل المعلومات عن المعارضة الإسلامية وتتبع تحركاتها، وقد تحدثت الصحافة الفرنسية أخيرًا عن اكتشاف أسلحة مهربة إلى الجزائر في سيارة جزائري. تقول هذه الروايات إنه ينتمي للجبهة الإسلامية للإنقاذ، وتم القبض عليه في فرنسا قادمًا من بلدان أوروبية أخرى، وصدر أخيرًا كتاب بعنوان: «منافي وممالك» تحت إشراف الخبير المشهور في الحركات الإسلامية «جيل كيبال» جاء في أحد فصوله الحديث عن شبكات الجبهة الإسلامية للإنقاذ الجزائرية وحركة النهضة التونسية وذكر كاتب هذا الفصل «باسم مستعار» أسماء وعناوين دقيقة لأصحاب بعض المتاجر أو المشاريع الاقتصادية الذين نُسبوا لهذه الحركة أو تلك عند التعرض لمصادر تمويلها، وكل هذه التفاصيل تنم على متابعة دقيقة للنشاط الإسلامي في المهجر علمًا بأن خلية من الخبراء الفرنسيين في إحدى الوزارات تعمل بدون انقطاع بمراقبة الوضع في الجزائر وتطوراته.

 وأما على المستوى الاقتصادي، فإن التحركات الفرنسية على المستوى الأوروبي من أجل التشجيع على مساعدة النظام الجزائري اقتصاديًا بدأت تؤتي ثمارها، ففي الوقت الذي يناقش فيه وزير المالية الجزائري عملية تأجيل تسديد ديون بلده (٢٦ مليار دولار) أمام نادي باريس بفرنسا حيث ينتظر تقديم تسهيلات عبر اتفاقين لتأجيل التسديد أو قسط من الديون (حوالي ٥ مليارات)، زار وفد أوروبي عالي المستوى الجزائر لإعداد فك تعطيل قرض بـ ١٥٠ مليون دولار يمثل القسم الثاني من قرض قُدّم عام ۱۹۹۱م وعُطّل في انتظار برنامج تصحيح أو تسوية اقتصادية بين الجزائر وصندوق النقد الدولي، علمًا بأن بعض المصادر تؤكد على أن عائدات هذا البلد من صادرات النفط والغاز خلال السنتين المقبلتين تكاد تكفي لسداد فوائد الديون الخارجية فقط (۹.۷ مليار دولار عام ١٩٩٤م).

 وأمام سلسلة المساعدات التي تقدمها فرنسا ووراءها أوروبا للنظام القائم في الجزائر، فإن التوجه الرسمي الفرنسي يوضح أن المسار الحالي وربما في المستقبل القريب سيكون في اتجاه عرقلة التطور الطبيعي للأوضاع في الجزائر نحو وصول الإسلاميين للحكم وأن فرنسا رغم علمها بأن هذا المسار يتنافى وما ترفعه من شعارات حقوق الإنسان واحترام سيادة الشعوب تقدم المصالح على المبادئ بنظرة ضيقة محكومة بخلفيات تاريخية يغلب عليها الطابع الصراعي، وكذلك بعقلية التنافس مع الطرف الأمريكي القوي الذي يجتهد في تركيز حضوره في المنطقة المغاربية مع اعتماده مقاربات وسياسات أخرى لا تتفق بالضرورة مع الموقف الفرنسي.

لكن ماذا سيكون موقف الإدارة الفرنسية إذا تحولت الحتمية إلى واقع؟ وكيف ستتعامل مع القضية الجزائرية غدًا إذا اتفقت الأطراف المتصارعة داخل هذا البلد على صيغة للحوار والمصالحة؟ لا شك أن الموقف المتعنت سيضطر إلى الرضوخ إلى حركة التاريخ التي أثبتت التجارب أنها تسير حسب إرادة الشعوب.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

3721

الثلاثاء 24-مارس-1970

فلسطين

نشر في العدد 4

91

الثلاثاء 07-أبريل-1970

الاقتصاد الوضعي في الميزان