العنوان فرنسا.. وإدماج المسلمين (2 من 2)
الكاتب محمد الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 02-أبريل-1996
مشاهدات 80
نشر في العدد 1194
نشر في الصفحة 17
الثلاثاء 02-أبريل-1996
في العدد الماضي أشرنا إلى التعصب الفرنسي ضد الإسلام، والذي نشرته مجلة (Lepoint) الفرنسية، ونشرنا معه جزءًا من نتائج الاستطلاع الذي أجرته مؤسسة «إيفوب» في مطلع عام ١٩٩٥م، وقد أوضح هذا الاستطلاع روح التعصب ضد الإسلام عند الفرنسيين، في الوقت نفسه أظهر هذا الاستطلاع روحًا من التسامح والعقلانية والمرونة عند شريحة الشبان المسلمين الفرنسيين، حيث عبروا عن طبيعة تصوراتهم وآرائهم فيما يحملونه تجاه العلاقة بين المجتمع الفرنسي والإسلام.
حيث أبدى الشبان المسلمون فيما يتعلق بالعلاقة بين الإسلام والمجتمع الفرنسي إجابات عادلة ومنطقية وواقعية، لا تشكل تهديدًا ولا خطرًا على فرنسا الجمهورية، فقد أبدى ٩٥% منهم تأييدًا للرأي القائل بأنه يمكن للمرء أن يكون مندمجًا تمامًا في المجتمع الفرنسي، ويمارس في الوقت ذاته شعائر الإسلام بطريقة شخصية وخاصة، وعارض ذلك 3% فقط.
وعلى الرأي القائل «بأنه ينبغي علينا أن نعيش في فرنسا محافظين على احترامنا لتعاليم الإسلام» وافق ۸۰% ولم يوافق ١٥% فقط وفي الإجابة على سؤال ما إذا كان ينبغي للمسلمين أن يتمتعوا بقانون للأحوال الشخصية مستوحى من ديانتهم في أمور الزواج والطلاق وحضانة الأولاد، أم أن القوانين ينبغي أن تكون هي نفسها بالنسبة للجميع، أيد ۱۷% فقط الشق الأول للسؤال، فيما أيد 78% الشق الثاني الذي يخضع جميع سكان فرنسا للقوانين ذاتها.
وإمعانًا في الاندماج والذوبان، فإن ٦٧% من الشبان المسلمين لا يعارضون زواج فتيات مسلمات من رجل غير مسلم، ووافق ۷۸% على فكرة زواج ابنهم أو أخيهم من امرأة غير مسلمة، ولم يصر 57% على شرط اعتناق الإسلام لمن يرغب بفتاة مسلمة.
بهذا يتضح الفارق بين الموقف الفرنسي المسلم والموقف الفرنسي الغربي، ولا شك أن الموروث الفرنسي الحالي عن المسلمين ناتج عن:
أولًا: أن مجمل حركة التاريخ ونقاط الصدام بين الفرنسيين والمسلمين ما بين سنة ٧٣٢م تاريخ معركة بواتيه في 5 أكتوبر منه بين الغرب المسيحي تحت عباءة شارلمان الذي ضم الشعوب المسيحية تحت كيانه وسلطته، ثم الهجمة الصليبية التي أطلقها نداء «البابا إيربان الثاني» بمدينة كلارمون دوفارنيه خلال القرن الحادي عشر، وبالتحديد عام ١٠٩٥م، كان من نتائجه نشوء «الفكر الصليبي» الذي ركز على الإرث الشرعي للأرض المقدسة، مرورًا بحملة بونابرت على مصر (۱۷۹۸- ۱۸۰۱)، وما صاحبها من محاولات للاستعمار الثقافي، واحتلال الجزائر (۱۸۳۰- ۱۸۳۹)، حيث حولت الجزائر إلى مستعمرة لدعم الاحتلال الفرنسي، ذلك التاريخ من الصراع أوجد قيمًا متبادلة من الشعور بالعداء، وسطر هذا الموروث في الأدبيات الفرنسية، مما شكل جزءًا من العقل الفرنسي تجاه الإسلام.
ثانيًا: العلمانية الفرنسية تفترق تاريخيًا وفلسفيًا عن العلمانية الأنجلوسكسونية، فإنها ولدت وعليها بصمات الثورة الفرنسية، فهي: عنيفة في مواجهة الدين، ولا تقبل بالمصالحة أو الحل الوسط مثلما حاولت العلمانية الأنجلوسكسونية، ولهذا فهي ترفض كل موروث ديني وعليه فإن الثقافة الفرنسية عمومًا ثائرة ضد الدين ورموزه وشعائره، فهي ليست بصدد التعالي على أفكار الدين فقط، وإنما تنتصر للعقل الفلسفي وبحدة، ويأتي صراع العلمانية الفرنسية طبيعيًا مع توجهات السياسة الفرنسية ضد الإسلام، ولهذا فإن الاستعمار الفرنسي طيلة صراعه مع الشعوب المسلمة إبان احتلالها كان يتعامل على أساس الإنسان الفرنسي المتحضر ضد الهمجي المتوحش والمدنية ضد التخلف، في حين أن غالبية الدول الغربية وعلى رأسها بريطانيا والولايات المتحدة قبلت التعايش مع التعددية في الثقافات والأعراق والديانات، أما فرنسا فإنها تفقد اتزانها في ذلك وخصوصًا ضد الإسلام والمسلمين.
ثالثًا: البناء التعليمي والتوجيه التكويني للطفل الفرنسي إلى أن يصبح في مرحلة الإنتاج يعتمد في نظرته تجاه العرب والإسلام والمسلمين أساسًا خطابيًا ورساليًا وتعليميًا يقوم على قيم سلبية وخاطئة وحاقدة، فالكاتبة «مارلين نصر» قامت بتحليل «٥٨ كتابًا» في مواد التاريخ والقراءة الفرنسية، والجغرافيا، والتربية المدنية المعتمدة في فرنسا في جميع المراحل إلى نهاية الثانوية، وخرجت بنتائج سطرتها في كتابها «صورة العرب والإسلام في الكتب الفرنسية» إصدار عام ١٩٩٥م، حيث بينت هذه الدراسة أن الكتب الدراسية تقدم العرب في صورة فوضوية استعمارية، فالرجل العربي دائمًا في الكتب المدرسية رجل دوني أو تابع أو غير مخلص، أو عدو، أو ناقص خلقيًا وعقليًا واقتصاديًا ومهنيًا ووظيفيًا، ومكانه في العراء، ويعش حياة التنقل والترحال، وهو متخلف، ودائمًا ما تكون مهنة العربي عامل مصنع أو فقير، أو لاجئ، ودائمًا ما يجرد من أية صفة إيجابية أمام الفرنسيين، أما بالنسبة للإسلام فالسمات البارزة في مناهج التعليم الفرنسي بأن الإسلام دين التوسع العسكري والجغرافي ودين الخضوع ودين الانقسامات السياسية والحروب بين الطوائف والإسلام الحضاري ينتمي للماضي، مع إبراز العبودية في المجتمع الإسلامي.
إن مقارنة بين كتابات الفرنسيين عن الإسلام، ورأيهم في الإسلام والمسلمين مع رأي المسلمين عن طبيعة علاقتهم بالمجتمع الفرنسي ليضع أمامنا من هو المتعصب الحقيقي، وأن الخوف ليس من تطرف المسلمين أو الإسلام، وإنما الخوف هو من تصور الفرنسيين التاريخي عن الإسلام والمسلمين، مما صنع لهم خيالًا جامدًا وحاقدًا ومتعصبًا، فالخوف على الفرنسيين من أنفسهم لا من المسلمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل