العنوان فروض الكفاية.. وضبط علاقة المجتمع بالدولة (٤)
الكاتب د. إبراهيم البيومي غانم
تاريخ النشر السبت 10-نوفمبر-2012
مشاهدات 58
نشر في العدد 2026
نشر في الصفحة 66
السبت 10-نوفمبر-2012
إذا كان «فرض الكفاية» هو مبحث أصولي وفقهي في آن واحد، فإن الوقف مبحث فقهي بالدرجة الأولى.. الوقف في أبسط تعريفاته هو «حبس العين وتسبيل الثمرة»، وقد شيد بنيانه على أساس كلمتين اثنتين وردتا في حديث النبي ﷺ الذي قال فيه: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (رواه مسلم)، وقد حمل الفقهاء الصدقة الجارية على معنى الوقف.
ويستفاد من فقه الوقف أن الفقهاء قد بذلوا جهودًا مضنية لوضع أصول البناء المؤسسي لنظام الوقف على النحو الذي يحافظ على حرمته، ويضمن له استمرار النمو والعطاء وكل ما يكفل تحقيق الغاية منه في تمكين من يرغب في المشاركة في أداء المسؤولية الاجتماعية وفي خدمة الترقي الاجتماعي العام.. وتتلخص تلك الأصول في ثلاثة مبادئ كبرى، هي:
1- احترام إرادة الواقف:
«إرادة الواقف» المقصودة هنا هي التي يقوم بالتعبير عنها - في وثيقة وقفه - في صورة مجموعة من الشروط التي يحدد بها كيفية إدارة أعيان الوقف، وتقسيم ريعه، وجهات الاستحقاق من هذا الربع... ويطلق على تلك الشروط في جملتها اصطلاح «شروط الواقف»، وقد أضفى الفقهاء عليها صفة الإلزام الشرعي فقالوا: إن شرط الواقف كنص الشارع.. في لزومه ووجوب العمل به لأن الإرادة الحرة للواقف هي حجر الزاوية في بناء نظام الوقف كله على صعيد الممارسة الواقعية وهي إعلان صريح بالمشاركة في تحمل المسؤولية الاجتماعية، ولذلك فقد أضفى عليها الفقهاء صفة الحرمة، وأكسبوها قوة الإلزام.
2- اختصاص السلطة القضائية بالولاية العامة على الأوقاف:
قرر الفقهاء أن الولاية العامة على الأوقاف هي من اختصاص السلطة القضائية وحدها دون غيرها من سلطات الدولة، وتشمل هذه الولاية ولاية النظر الحسبي أو ما يسمى بالاختصاص الولائي، وولاية الفصل في النزاعات الخاصة بمسائل الأوقاف، أو ما يسمى بالاختصاص القضائي.
والذي يهمنا هنا هو «الاختصاص الولائي» الذي يشمل شؤون النظارة على الوقف وإجراء التصرفات المختلفة المتعلقة به بما في ذلك استبدال أعيانه عند الضرورة - والإذن بتعديل شروط الواقف أو بعضها - والحكم بإبطال الشروط الخارجة عن حدود المقاصد العامة للشريعة.
ومن الواضح أن مثل تلك التصرفات من شأنها التأثير في استقلالية الوقف، ومن ثم في فاعلية الأنشطة والمؤسسات التي ترتبط به، وتعتمد في تمويلها عليه، ولهذا أعطى الفقهاء للقضاء - وحده دون غيره - سلطة إجراء التصرفات في الحالات التي تعرض للوقف بما يدفع عنه الضرر ويحقق له المصلحة، والقضاء هو أكثر الجهات استقلالية، ومراعاة لتحقيق العدالة وعدم تفويت المصلحة العامة والخاصة، سواء تمت تحت مظلة الفروض العينية أو الكفائية.
3- إقرار الشخصية الاعتبارية للوقف:
يستفاد من أحكام فقه الوقف وتفاريعه - لدى جميع المذاهب الفقهية - أن الوقف يصبح محلًا لاكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات متى انعقد بإرادة صحيحة صادرة من ذي أهلية فيما يملكه، ومتى كان متجهًا لتحقيق غرض مشروع من أغراض البر والمنافع العامة أو الخاصة.
إن إقرار الشخصية الاعتبارية للوقف كان بمثابة ضمانة تشريعية وقانونية تدعم الضمانتين السابقتين، وتضاف إليهما للمحافظة على استقلاليته واستمراريته وفعاليته في آن واحد ؛ لأن وجود ذمة مستقلة للوقف لا تنهدم بموت الواقف كان من شأنه دوما أن يحفظ حقوقه في حالة تعرضه للغصب، أو الاعتداء، حتى ولو كان من قبل السلطات الحكومية، ومن ثم كان من الصعب جدا إقدام تلك السلطات على إدماج أموال الوقف ومؤسساته في الإدارة الحكومية أو إخراجها عن إطارها الشرعي والوظيفي/ الاجتماعي الذي أنشئت من أجله.
صبت فاعلية نظام الوقف في «بناء مجال مشترك» بين المجتمع والدولة معًا ضمن الإطار التعاوني التضامني الحاكم للعلاقة بينهما ذلك لأن هذا النظام بخصائصه السابق ذكرها لم يكن مستوعبا بكامله في مصلحة طرف على حساب الطرف الآخر فهو لم يؤد إلى تقوية المجتمع وإضعاف الدولة، كما لم يؤد إلى تضخم الدولة على حساب الحريات الاجتماعية، وإنما تركز دوره في تقوية «التوازن» بينهما.
إن نظام الوقف «الفاعل» - في نموذجه التاريخي - كان بمثابة نسق فرعي من أنساق ممارسة المسؤولية الاجتماعية من أجل بناء الكيان العام للمجتمع بما في ذلك بناء سلطته السياسية، وكان لهذا النظام دور أساسي في ضبط العلاقة بين المجتمع والدولة من خلال إسهامه في تلبية قسط كبير من مختلف الحاجات، وتوفير كثير من خدمات المرافق العامة التي عادة ما اتخذتها الدولة - في الخبرة الأوروبية وفي تجربة الدولة العربية الحديثة والمعاصرة - ذريعة لتمددها على مختلف مناحي الحياة مثل الحاجة للأمن، وللخدمة وللمرافق العامة، وعندما كانت الدولة تقدم تلك الحاجات والخدمات كانت تفرض في الوقت نفسه هيمنتها على المجتمع. لقد كانت تقدمها ترياقا للقمع الذي تمارسه، الأمر الذي استوجب نهضة المجتمع المدني في مواجهة تسلط المجتمع السياسي.
وفي تقديرنا أن تحولات «الربيع العربي» لابد أن تصل إلى منظومة الوقف لتعيد هيكلتها وتوظيفها في ضبط التوازن بين الدولة والمجتمع على قاعدة «المجال المشترك»، هذه القاعدة التي تسهم في بنائها عناصر من المجتمع ومن السلطة الحاكمة وممثليها؛ عبر عديد من المبادرات والأنشطة والمشروعات التي تستهدف تحقيق المنافع العمومية - المادية والمعنوية - وتضمن في الوقت نفسه عدم تمكين الدولة من إلغاء إرادة المجتمع، وعدم وضع المجتمع في حالة مواجهة مع الدولة حتى نتجنب تكرار ما حدث قبل ذلك وأدى إلى الإطاحة بأنظمة القهر والاستبداد والفساد.
[1] أستاذ العلوم السياسية مصر