العنوان (نساء مجاهدات في العصر الحديث) فريدة بدران.. زوجة الحاج حسن الجمل يرحمه الله: الوفاء والعطاء
الكاتب مريم السيد هنداوي
تاريخ النشر السبت 27-أكتوبر-2007
مشاهدات 61
نشر في العدد 1774
نشر في الصفحة 40
السبت 27-أكتوبر-2007
تخرجت في مدرسة «الشهيد حسن البنا» وامتازت بنبل المشاعر ورقة العاطفة
والشجاعة والشموخ
منذ أن تعرفت على دعوة الإخوان لم تكل ولم تمل من العمل لله
دخل زوجها البرلمان من عام ۱۹۷۹ م حتى عام ١٩٩٠م فما أصابها غرور أو كبر..
بل كانت مثالا للمرأة الصالحة وكانت بمثابة سكرتيرة خاصة له
قدمت النموذج الطيب في الجد وقوة الإرادة والهمة العالية
ما زالت تعطي لدعوتها ومسجدها وللناس من وقتها وجهدها.. ولم تتأخر يوما
عن عملها وسط أخواتها بالرغم من تجاوزها السادسة والسبعين ربيعًا
كان القرن العشرون من أغنى فترات تاريخ الدعوة الإسلامية حيث اجتمع فيه
عدد هائل من جهابذة علماء الدين والمصلحين وصار من الصعب على المؤرخين أن يتفقوا على
مجدد هذا القرن، كما كان ذلك واضحا في القرون السابقة. ولا يمر عام واحد دون احتفال
بذكرى ميلاد أو وفاة عالم أو مصلح، تلقى فيه المحاضرات والقصائد في تعديد مناقبه
والإشادة بدوره والتنويه بفضله.
وقد حظيت بعض النساء المسلمات بهذا الفضل قسطرن لأنفسهن كتبًا من المعاني
الحية التي لم تمت بموتهن بل ظلت شجرة وارفة الظلال، فأينعت فروعا وثمارًا تستفيد منها
الأجيال.
فريدة صلاح الدين بدران من النساء اللواتي تخرجن في مدرسة الشهيد حسن البناء
وكانت تمتاز بنبل المشاعر ورقة العاطفة، ورهافة الحس ولا تعرف الخضوع في القول، ولا
تقبل الضيم والذل بل هي شجاعة ثابتة، وشامخة كالجبال، ومجاهدة قدمت النموذج الطيب في
الجد وقوة الإرادة والهمة العالية، وكانت لا تستحيي من الحق، وهي من ذوات العقل والدين
وقد أعطت المثل في حسن التبعل والتحبب والعشرة مع زوجها، وكانت تشد من عزم أبنائها
عند الأزمات والابتلاءات التي لحقت بأبيهم عدة مرات إدراكًا منها أن الواجب يحتم عليها
أن تجاهد بما في وسعها وطاقتها، من أجل دعوة الإسلام، ورفع رايته، ونصرة الحق، حتى
يكون الدين كله لله.
النشأة
ولدت فريدة بدران في ١٩٣٨/٥/١٥م في شارع الشيخ ريحان بعابدين - ولكن أصل
العائلة كان من المنيل - في أسرة عرفت الالتزام بشرع الله وطبقت تعاليم الإسلام الصحيح،
فكان الأب أحد رجال الإخوان المسلمين المخلصين العاملين لدين الله حيث تعرف على دعوة
الإخوان المسلمين من خلال شعبة المنيل، وأصبح من رجالها المخلصين لها، التقى الإمام
البنا من خلال أعمال شعبة المنيل المتعددة والتي كان الإمام البنا يحرص على حضورها،
كما كان والدها يمتلك حديقة واسعة في منزله، وقد أقيم فيه أحد أفراح الإخوان وشرفه
الإمام البنا بالحضور وكان كثيرًا ما يتردد على المركز العام بالحلمية الجديدة، وكان
يقطن أسفل منهم الشيخ أحمد الريدي - وهو أحد علماء الإخوان - وكان أحد الكتاب البارزين
في صحف الإخوان المسلمين في الأربعينيات.
في هذا الجو المليء بمعاني التربية نشأت الحاجة فريدة، فكانت منذ صغرها
تحافظ على أعمال الشعبة مع أبيها من إفطارات ومؤتمرات ورحلات خاصة قبل أن تزدحم منطقة
المنيل، وكان والدها يحرص على اصطحابها معه لصلاة الفجر بمسجد السنية، فكان له أثره
في تشكيل شخصيتها.
كانت والدتها شخصية مديرة جدًا. تستطيع أن تقرأ الأحداث وتتعامل مع الحياة
حسب طاقة بيتها، فلم تجهد زوجها فيما لا يطيق، فاكتسبت الحاجة فريدة هذه الصفة، وكانت
ملازمة لها في فترات حياتها، خاصة الفترات التي غاب فيها الزوج في غياهب السجون، كما
لم تكن وحيدة أبويها، بل كان لها ثلاثة إخوة وثلاث أخوات كانت لهم فيما بعد في مقام
الأم، خاصة أنها كانت كبراهم، ومع كل ذلك كانت محبة للتعليم ومتفوقة فيه فعندما ظهرت
هذه الدلائل عليها الحقها أبوها بالمدرسة، فتفوقت وظلت بها حتى الصف الثاني الثانوي
حيث كانت السنة التي تزوجت فيها (۱).
زواج كريم
ظلت الحاجة فريدة تسير في التعليم يخطى راسخة حتى بلغت الصف الثاني الثانوي،
وهي السنة التي تزوجت فيها من الأستاذ حسن أحمد إبراهيم الجمل والذي ولد في
١٩٣٠/١٠/٦ في حي المنيل، ولم يكمل تعليمه، وعمل في محل والده بالفراشة. كان من أول
المشاركين في حرب فلسطين وكان عمره آنذاك ١٧ عامًا، ثم كان أحد فرسان حلبة المعارك
في القنال ١٩٥١م. تعرف على الإخوان عام ١٩٤٢م فكان نعم الجندي لها. واعتقل عام
١٩٤٩م وهو على جبهة المعركة مع كل إخوانه المجاهدين ثم اعتقل قبل حادثة المنشية عام
١٩٥٤م بقليل، وخرج بعد عامين ثم أعيد اعتقاله عام ١٩٦٥م. وظل في السجون ما يقرب من
ثلاث سنوات، وقد رشح نفسه للبرلمان المصري عام ۱۹۷۹م أمام مصطفى كامل مراد زعيم حزب
الأحرار، وفاز فيها، ثم فاز في انتخابات ١٩٨٤م عندما تحالف الإخوان مع الوفد، ثم انتخابات
۱۹۸۷م بتحالف الإخوان مع حزبي العمل والأحرار، اعتقل عام ١٩٩٥م وأحيل مع إخوانه للمحاكمة
العسكرية، والتي حكمت عليه بثلاث سنوات أجرى خلالها عملية القلب المفتوح، وبعد خروجه
بشهور عام ۱۹۹۸م فاضت روحه لبارئها (٢).
تقول الحاجة فريدة: «كان حسن الجمل جارًا لنا، وكنت أسمع
عنه من الجيران حيث كنت أسمع «الزغاريد» وأشاهد توزيع «الشربات» وذلك عند عودته من
حرب فلسطين وحرب القنال. وكنت في ذلك الوقت فتاة صغيرة توطدت صلته بوالدي حيث كان الاثنان
من إخوان شعبة المنيل، فكان حسن يقول لوالدي: كفاية على البنت تعليم لحد كدة، لكني
كنت أحب التعليم، وكان حسن يقضي وقتًا كبيرًا في خدمة الدعوة والخروج للمعارك، فقال
أهله: لازم حسن يتزوج علشان يعقل ولا يذهب للحرب، وأخذوا يعددون له البنات فقال زوج
أخته: لماذا تذهبون بعيدا؟ ما هي بنت صلاح بدران موجودة.. وأخذ الجيران يتناقلون أن
حسن يريد الزواج من فريدة، فسمع والدي هذا الكلام فقابله وذكر له ما سمع، فرد عليه:
والله ما أثرت أي شيء ما هي إلا أحاديث بين أهلي، وإن كنت أرغب في الزواج من فريدة،
فوافق والدي، لكني رفضت خوفًا على التعليم غير أنهم قالوا لي: حسن سيتركك تكملين تعليمك،
لكني كنت خائفة من الزواج، وتم الزفاف بعد شهرين من الخطوبة في ١٩٥٢/١٠/١٣م فوجدته
نعم الزوج» (۳).
وتذكر الحاجة فاطمة عبد الهادي: «أنه يوم زفاف الأخت فريدة جمعت بعض أخواتها
واتجهنا لإدخال السرور على العروس، فأنشدن لها حتى جاء زوجها فصحبها» (٤).
رزقها الله الذرية فأحسنت الأم تربيتهم، فخرجوا وهم يدركون طبيعة الطريق،
فساروا على نهج أبيهم، فقد رزقها الله بابنها البكر ياسر في ١٩٥٤/٨/٢٨م. حيث ولد يوم
اعتقال والده، ثم أسامة والذي ولد في ١٩٥٧/٤/١م، ثم خالد في ١٩٦٠/٢/٢م، ثم هشام في
١٩٦٢/٣/١٧م، ثم دعاء في ١٩٧٩/١٠/٢م، وهي زوجة حسن ابن الشيخ عبد الخالق الشريف وقد
كانت أمهم المعين الذين شربوا منه الفضيلة والأخلاق طيلة حياتهم ووقت غياب والدهم.
بين الصفوف المؤمنة
لم تكن فريدة بدران بعيدة عن هذه الصفوف فقد نشأت منذ نعومة أظفارها في
بيت أحد رجال هذه الدعوة، بل كان بيتهم مكانا الزيارة الإمام البنا، وكان أبوها يحرص
على اصطحابها معه في صلاة الفجر بالمسجد وعندما كبرت كانت حريصة على تلقي العلوم التي
تجعلها تخدم دينها به وازداد ارتباطها بالدعوة بعد زواجها حيث حرص زوجها على اصطحابها
إلى المركز العام وهناك تقابلت مع الأستاذة «فاطمة عبد الهادي»، و«آمال عشماوى» وغيرهما
من الأخوات اللاتي احتوينها بين صفوف المؤمنات، وكانت الأستاذة فاطمة لها بمثابة الأم
والمعلمة: حيث كانت تشاركها الانتماء لشعبة واحدة، وهي شعبة المنيل، وكان مقرها آخر
شارع المنيل، وكانت تقطن أسفلها، «وفاء حسن البنا» مع «زوجها سعيد رمضان» وكان يأتي
لهذه الشعبة كثير من علماء الإخوان يعلمونهن أمور دينهن أمثال الشيخ «سيد سابق» و«محمود
الجوهري» فازداد تعلقها بالدعوة والعمل لها، فكانت تحرص على حضور الأعمال في الشعبة
الرئيسة للأخوات في شارع البستان بالمبتديان ونشطت وسط الأخوات تدعو وتربي، وبالرغم
من تجاوزها السادسة والسبعين إلا أنها ما زالت وسط الأخوات تعمل وتدعو وتربي (٥).
محن وتاريخ حي
عرفت المحن الطريق إلى قلبها منذ صغرها، لكنها ما كادت تصطدم بمحنة إلا
وتذكرت قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا
بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ
أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ وَلَنَبْلُوَنَّكُم
بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ
وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ
وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَٰئِكَ
عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ
الْمُهْتَدُونَ﴾ (سورة البقرة: 153-154-155-156-157)، فصقلت هذه المحن قلبها، وأعطتها
الثقة في الله ونصره وحب طاعته، وكانت أول محنة تواجهها بهذا القلب هي اعتقال أبيها
في محنة ١٩٤٩م، وكان موظفًا في وزارة التجارة والصناعة، فعندما ظهرت بوادر الأزمة نقله
أخوه. والذي كان يعمل وكيل وزارة إلى مصنع في الدراسة ليكون بعيدًا عن الاعتقال، غير
أنه اعتقل ورحل المعتقل العامرية، وفصل من عمله، ثم خرج بعدما أقال الملك وزارة إبراهيم
عبد الهادي وانقضى العهد الملكي، وجاءت الثورة، والتي شارك الإخوان في إنجاحها غير
أن رجالها بعد فترة قلبوا لهم ظهر المجن واضطهدوهم، وازدادت الأزمة عليها خاصة بعد
زواجها من شخصية معروفة في الأوساط الإخوانية ولا يجهلها أحد من الناس بنشاطه الدءوب
وعمله المستمر في الشعبة، وما كاد عام ١٩٥٤م يحل حتى تأزمت الأمور بين بعض رجال الثورة
أمثال «عبد الناصر» و«جمال سالم» و«زكريا محيي الدين»، وبين زعيمها «محمد نجيب» و«الإخوان»
حيث عمل الضباط على إبعاد وتنحية محمد نجيب عن قيادة البلاد فاندلعت في البلاد مظاهرات
مارس ١٩٥٤م، وظهرت فيها قوة الإخوان، وعاد محمد نجيب للحكم لكن كانت النية مبيتة من
قبل بعض ضباط الثورة للإحاطة به والتنكيل بالإخوان، وسافر المرشد العام للإخوان المسلمين
المستشار «حسن الهضيبي» في جولة للسعودية وسورية ولبنان، وفي أثناء تواجده هناك أعلن
رفض الإخوان «لمعاهدة الجلاء» والتي كانت تشتمل على بعض النصوص المجحفة بحق مصر وأثناء
عودته منعته السلطات من الخروج من المطار فتجمع الإخوان وأخرجوه في احتفال مهيب بالسيارات،
وعلى إثرها بدأت الاعتقالات في صفوف الإخوان.
وفى ١٩٥٤/٨/٢٨م أعدت شعبة المنيل نفسها لاستقبال المجاهد «حسن دوح» الخطبة
الجمعة، وفي أثناء الخطبة التي ألهبت المشاعر وحركت الحمية في نفوس الناس طوقت المباحث
العامة المكان، وأطلقت الرصاص، فأصيب والدها بعدة إصابات لكنه استطاع الهروب والوصول
للبيت أما الزوج فنال قسطًا من الضربات التي أدت لجرحه، فتوجه بعد المظاهرة للصيدلية
لتضميد الجراح غير أنه اعتقل بداخلها. وظل في السجن حتى حادثة المنشية، ولم تعرف مكانه،
فأخذت تسأل عنه في كل مكان دون أن يرشدها أحد على مكانه حتى علمت أنه محبوس في سجن
القلعة. وكان سجنًا بعيدًا عن العمران موحشًا. فكانت تذهب من الصباح حتى آخر النهار
لزيارته، أو لتتحسس أخباره لكن دون فائدة. وكان ابنها ياسر ما يزال صغيرًا فلم تجد
ما تطعمه به في هذا المكان، فأخذ ينبش في الأرض حتى وجد كسرة من الخبز قديمة، فأخذ
يأكلها ويتقوت بها، فقالت لها إحدى السيدات الموجودات أمام السجن: «سيكتب التاريخ أن
ابنك أكل من فتات محمد علي».
وبعد وقوع حادثة المنشية اعتقل والدها، وقدم الوالد والزوج للمحاكمة فحكمت
على الوالد بخمسة أعوام مع إيقاف التنفيذ، وعلى الزوج بعشرة أعوام مع إيقاف التنفيذ،
غير أنهم لم يخرجوا من المعتقل إلا مع إخوانهم في ١٩٥٦م، وكانت قد أنجبت مولودها الأول
فعملت على رعايته ورعاية أسرة زوجها، وأثناء الاعتقال كان يتكفل بمصاريفها أبو الزوج،
كما كان الجهاز المالي الذي كونه الإخوان بعد محنة ١٩٥٤م يقوم بإرسال اثني عشر جنيهًا
لها. كما كانت تقوم برعاية أمها وإخوتها، وكانت تتفقد بعض بيوت الإخوان.
وما كاد الزوج والوالد يخرجان حتى شددت عليهم الرقابة من قبل المباحث وكانت
بين الحين والآخر تعتقل الزوج الفترات بسيطة، ورغم هذا لم ينس حسن الجمل دعوته أو إخوانه
فكان يعمل في نطاق شعبته، كما اجتهد في العمل مع والده في محل الفراشة، وما بين المحنتين
عمل على مساعدة زوجته في تربية أبنائهما تربية إسلامية.
ومرت سنون عسيرة وما كاد شهر أغسطس ١٩٦٥م يحل حتى كانت سجون عبد الناصر
قد فتحت أبوابها، وابتلعت في باطنها آلافا من شباب الدعوة حينما أعلن عبد الناصر من
فوق منبر الكرملين اعتقال كل من سبق اعتقاله، وامتلأت السجون واعتقل زوجها وأبوها ولم
يعرفوا أين ذهبوا وبدأت رحلة البحث عنهم، حتى عرفوا أنهم في السجن الحربي وما فيه من
جحيم، ولم يسمح لعائلات الإخوان بزيارة أبنائهم إلا بعد أن حدثت نكسة يونيو ١٩٦٧م،
فكانت أول زيارة لها إلى زوجها في سجن «مزرعة طرة».
لقد اشتدت المحنة عليها عام ١٩٦٥م. فبعد اعتقال زوجها وأبيها لم يتحمل
والد الزوج فراق ابنه حيث كان شديد التعلق به فمات بعد شهرين من اعتقال ابنه حزنًا
عليه، ففقدت مصدرًا مهمًا للرعاية وأخذت تكابد الحياة، وتعمل على تربية أبنائها ورعاية
أسر الإخوان في حي المنيل حتى أفرج عن زوجها مع من خرج عام ١٩٦٨م.
ما كاد عهد عبد الناصر ينقضي حتى استشعر الناس بعض الحرية، غير أنها كانت
حرية زائفة، ففي أكتوبر ۱۹۹۰م وبعد هذا العمر اختطف زوجها من بين أسرته لمدة أسبوعين
مع كثير من السياسيين لرفضهم مؤتمر مدريد بين عرفات واليهود. ومع تقدم السن أبت يد
الظالمين إلا أن تختطف الزوج مرة أخرى من بين زوجته وأبنائه، ففي يوليو ١٩٩٥م تم القبض
عليه مع لفيف من إخوانه، وأصدر مبارك، قرارا بإحالتهم للمحاكمة العسكرية، والتي قضت
بحبسه ثلاث سنوات، وخلالها أصيب بأزمة قلبية، وأجريت له جراحة لتغيير بعض شرايين القلب
في القصر العيني، وقد كان مقيدا في سريره بالكلبشات!
وفي أثناء قضائه فترة السجن تم تزويج ابنتها «دعاء» لـ «حسن» ابن الشيخ
عبد الخالق الشريف، والذي كان محبوسًا مع والدها أيضا، وبعد خروج زوجها من المعتقل
بشهرين توفي في ۹/۲۸/ ۱۹۹۸م ومع هذه المحن الشديدة وتقدم السن لم تترك طريق الدعوة
بل ما فتئت تحاضر وتعطي لأبناء الدعوة تجربة حياة.
همة عالية
منذ أن تعرفت على دعوة الإخوان لم تكل ولم تمل من العمل لله، فحملت على
عاتقها العمل وسط الأخوات، فكانت تربي الناس في المساجد، والأخوات في اللقاءات الدعوية،
وظلت على ذلك حتى الآن.
لكنه لم يكد عقد السبعينيات ينقضي حتى كان ينتظرها عمل ضخم، وحادث مهم:
ففي عام ۱۹۷۹م رشح زوجها نفسه في انتخابات مجلس الشعب عن دائرة مصر القديمة، ولم يتقدم
سواه من الإخوان وتحول بيتها إلى «خلية نحل» كانت هي ملكته حيث ظلت تستقبل الإخوة والأهالي
وظل بيتها مفتوحًا على مدار ٢٤ ساعة لفرز وتوزيع الأصوات وأماكن اللجان، ويوم الانتخاب
كانت إحدى الفارسات، حيث كانت مندوبة في لجنة مدرسة عمرو بن العاص وأثناء ذلك دخل أحد
رجال الأمن وقال: إن حسن الجمل ذبح عند كوبري الملك الصالح فما تحركت من مكانها لثقتها
في نصر الله ولأنها كانت على ثغرة لا تريد أن تؤتى من قبلها، وعندما حاولوا تزوير الانتخابات
أبت ذلك، واحتضنت الصندوق وقالت: اذبحوني قبل أن يحدث ذلك، وبعد إغلاق الصناديق ذهبت
لبيتها مسرعة لتجهيز الطعام للمرابطين في أماكن الفرز، وحاولت الحكومة تزوير النتيجة
لكنها لم تستطع وكان قاضي اللجنة العامة مسيحيًا. وعندما رأى ما يحدث قال: «الرجل ده
على حق، وأنا سأقف معه حتى آخر لحظة». وظلت النتيجة محتجبة لمدة ثلاثة أيام حتى عجزت
الحكومة عن فعل شيء، فأعلنت فوز حسن الجمل، وتحول شارع المنيل لمهرجان للاحتفال بفوزه.
ومنذ دخل البرلمان وحتى خروجه لم یزد شيء في بيتها، ولم تغلق بابها في وجه سائل أو
زائر. وكانت بمثابة سكرتيرة خاصة لزوجها تنظم شؤونه، وظل زوجها في البرلمان من عام
۱۹۷۹م حتى عام ۱۹۹۰م، فما أصابها غرور أو كبر، بل كانت مثالًا للمرأة الصالحة، وفرغت
نفسها الرعاية زوجها وتربية أخواتها في الشعبة.
وعندما اعتقل زوجها في ١٩٩٥م حل الدكتور عبد الحميد الغزالي مكانه للترشح
في الدائرة، فكانت مثالًا للجندي المطيع لقائده، وكانت تجوب المنطقة تدعو لانتخاب الدكتور
عبد الحميد، إلا أن الأمن هدده ومن معه، مما اضطره للانسحاب تحت هذه الضغوط (۸).
إن «فريدة بدران» والتي بدأت حياتها في بيت
الدعوة وظلت تعمل وسط الدعوة برغم ما مر بها من أحداث جسام. مازالت تعطي لدعوتها ومسجدها
وحيها من وقتها ونفسها، ولم تتأخر يومًا عن عملها وسط أخواتها بالرغم من تجاوزها السادسة
والسبعين ربيعا، نسأل الله أن يثيبها خيرا ويثبتنا وإياها على طريق الدعوة..
الهوامش
(1) حوار أجراه الصحفي عبده مصطفى دسوقي مع الحاجة فريدة بدران يوم ٢٠٠٧/٩/٧م.
(۲) بدر محمد بدر حسن الجمل الوفاء والعطاء، دار التوزيع والنشر الإسلامية
١٤١٩هـ - ١٩٩٩م.
حوار مع الحاجة فريدة بدران حديث مع الحاجة فاطمة عبد الهادي أجراه الصحفي
عبده مصطفى دسوقي يوم ٢٠٠٧/٩/٢٥م.
(٥) حوار مع الحاجة فريدة بدران
(٦) عبد المنعم عبد الرؤوف أرغمت فاروق
على التنازل عن العرش، الزهراء للإعلام العربي، الطبعة الأولى، ١٤٠٨هـ
١٩٨٨م.
(۷) بدر محمد بدر مرجع سابق.
(۸) حوار مع الحاجة فريدة بدران.
[1] داعية إسلامية – مصر
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل