; فريد عبد الخالق.. والطريق الطويل للحرية | مجلة المجتمع

العنوان فريد عبد الخالق.. والطريق الطويل للحرية

الكاتب د. إبراهيم البيومي غانم

تاريخ النشر السبت 27-أبريل-2013

مشاهدات 108

نشر في العدد 2050

نشر في الصفحة 52

السبت 27-أبريل-2013

رحل الأستاذ المربي الصابر المجاهد محمد فريد عبد الخالق يوم الثاني عشر من أبريل ۲۰۱۳م، بعد حياة حافلة بالعلم والعمل امتدت لما يقرب من قرن كامل من الزمان، لم تلن له قناة يومًا، ولم تؤثر المحن التي تعرض لها عن إيمانه العميق بالدعوة إلى الله تعالى، ولم تشنه عن مبدأ واحد من مبادئ هذه الدعوة، ولم تزحزحه العواصف الهوجاء عن ثقته الراسخة بأن الإسلام يسع الجميع من بني البشر، وينعم في ظله كل بني آدم مهما تعددت ألوانهم ومهما اختلفت ثقافاتهم ومذاهبهم، وحتى مهما تنوعت عقائدهم ودياناتهم.

في أوائل التسعينيات من القرن الماضي طلب مني الأستاذ السيد ياسين، المفكر المعروف، أن أدعو الأستاذ محمد فريد عبد الخالق للإدلاء بشهادته ضمن مجموعة شهادات ثقافية وسياسية كنا نجمعها من رموز الفكر والسياسة المصريين الذين عاصروا أحداث النصف الثاني من القرن العشرين، وذلك بغرض استخدام شهاداتهم في مشروع بحثي قمنا به في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية عن «المناخ الثقافي في مصر»، من وجهة نظر أهم التيارات الفكرية والسياسية التي أسهمت في المجادلات حول قضايا الثقافة وإشكالياتها وتحدياتها، وقد صدر بحثنا هذا في عام ۲۰۰۰م، وكتبت فيه فصلًا عن إشكاليات الفكر الإسلامي في العهد الليبرالي، وبهذه المناسبة أشهد أن أستاذنا السيد ياسين كان حريصًا أشد الحرص على الاستماع إلى ممثلي كافة التيارات الفكرية والسياسية، بما فيها تلك التي كانت تعارض نظام «مبارك» المخلوع، وكان من الذين دعوناهم واستمعنا إلى شهاداتهم كل من الأستاذ محمود أمين العالم «المفكر اليساري»، والأستاذ ياسين سراج الدين «القيادي الوفدي»، والأستاذ مأمون الهضيبي «مرشد الإخوان المسلمين سابقًا»، والأستاذ فريد عبد الكريم «القيادي الناصري/ القومي» والأستاذ محمد فريد عبد الخالق المفكر الإسلامي وأحد أبرز القيادات التاريخية لجماعة الإخوان يرحمهم الله جميعًا.

كان أكثر ما لفت نظرنا آنذاك الاحترام المتبادل بين أولئك الذين أدلوا بشهاداتهم الثقافية والسياسية، رغم اختلافاتهم الفكرية والأيديولوجية، وكان محور شهادة الأستاذ فريد عبد الخالق يرحمه الله هو «الحرية»، وفاجأنا برأيه الإيجابي في ذلك الوقت عن التيارات العلمانية اليسارية والليبرالية والقومية -وكانت حماستنا كبيرة وعلمنا قليل، وخبرتنا لا تذكر- وكان مما قاله: إن هذه التيارات خدمت التيار الإسلامي خدمة جليلة، ولولاها لما تطورت بعض أفكارنا، ولا تجددت اجتهاداتنا في بعض القضايا الكبرى.. سألناه كيف ذلك؟! قال يرحمه الله: إن الانتقادات التي وجهتها تلك التيارات الأوضاع المجتمع وسياسات السلطة ولأطروحات التيار الإسلامي بصفة عامة هي التي استنهضت همم المفكرين الإسلاميين وأشعرتهم بوجوب الاجتهاد ومعالجة قضايا الواقع ومواجهة تحدياته.

وقال أيضًا: «يا أخي، إن أي عقيدة أو مذهب أو أيديولوجية ينام عنها أصحابها إذا لم يكن لها مناوثون ومعارضون، ونحن نحمد الله أن معارضينا ومنتقدينا كثيرون وإلا لغلبنا النعاس، ولما برحنا مواقعنا ولما تقدمنا خطوة واحدة للأمام».

شرح لنا في شهادته أيضًا معنى قول الله تعالى في سورة «المؤمنون»: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (المؤمنون: 117)، وكان مما قاله: إن هذه الآية تؤسس لحرية الفكر وحرية الاعتقاد بشرط واحد هو توافر الدليل والبرهان، وأن ما لا يجوز إثباته هو فقط ما برهان عليه، ولهذا كانت حرية الفكر وإعمال العقل بحثًا عن الحقائق هي أثمن النعم التي أنعم الله بها على بني الإنسان.

كان الأستاذ فريد من أوائل قادة الحركة الإسلامية الذين مارسوا النقد الذاتي، وكتب ونشر في ذلك بحوثًا متعمقة منها بحث بعنوان «الإخوان المسلمون فكرة وحركة»، ومنها كتاب «الإخوان المسلمون في ميزان الحق» الذي صدر عام ۱۹۸۷م، كما امتدت همومه لتشمل مآسي المسلمين في مختلف أنحاء العالم، وكتب ملحمة شعرية بعنوان «مأساة المسلمين في البوسنة والهرسك» صدرت عام ۱۹۹۳م، ثم تبعها ب«ديوان المقاومة» في عام ٢٠٠٣م، ثم «تأملات في الدين والحياة» عام ۲۰۰۳م، وفتح أبوابًا جديدة للاجتهاد في كتابه «في الفقه السياسي الإسلامي» الصادر عام ۲۰۰۷م، وأخيرًا كانت رسالته للدكتوراه من كلية الحقوق بجامعة القاهرة وهو في الرابعة والتسعين من عمره بعنوان «الاحتساب» على ذوي الجاه والسلطان، وكانت الحرية هي المبدأ الرئيس الذي نسج عليه كل تفاصيل رسالته هذه، ومن أعظم ما أكده فيها هو أن «الاحتساب» -أو المعارضة بلغة السياسة- على الحكام هو الضمانة الأساسية للحريات العامة، وأن ممارسة الاحتساب في مجتمعاتنا المعاصرة يجب أن تتم من خلال مؤسسات مدنية تعبر عن إرادة الأمة وتحميها من الطغيان.

ورغم المحن الكثيرة التي تعرض لها الأستاذ فريد عبد الخالق وأفقدته حريته السنوات طويلة بالسجن والاعتقال والمحاكمات الظالمة قبل ثورة يوليو عام ١٩٥٢م وبعدها، فإن إيمانه ظل راسخًا بأن الحرية هي ماء الحياة، وأن سلبها من أي إنسان بغير وجه حق هو أعظم عند الله من سلب الحياة ذاتها، بدأ حياته بحثًا عن الحرية حتى وجدها في عمق الإيمان بالله تعالى، وختمها وهو على يقين بأن الطريق إليها طويل جدًا، يبدأ دائمًا ولا ينتهي أبدًا، رحمه الله برحمته التي وسعت كل شيء.

الرابط المختصر :