; فسيفساء الأحزاب السياسية.. اليهود أول من بذر بذرة الحزبية في تركيا! | مجلة المجتمع

العنوان فسيفساء الأحزاب السياسية.. اليهود أول من بذر بذرة الحزبية في تركيا!

الكاتب زياد أبو غنيمة

تاريخ النشر الثلاثاء 11-أبريل-1989

مشاهدات 57

نشر في العدد 912

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 11-أبريل-1989

طوال فترة حكم الدولة العثمانية ومنذ بداية تأسيسها في عام 1301م وإلى النصف الأخير من القرن التاسع عشر كان رعايا الدولة جميعًا؛ عربًا وأتراكًا، وشركسًا، وغيرهم من الشعوب، يلتقون جميعًا في وحدة إسلامية متينة، أمة واحدة تعيش فوق وطن واحد ترفرف فوقه، وفوقهم، راية واحدة، هي راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولذلك لم يكن المسلمون في الدولة العثمانية، وخاصة الأتراك، يشعرون بأية حاجة لتكوين أحزاب سياسية فقد كانوا جميعًا يعتبرون أنفسهم، أعضاء في حزب واحد، اختاره وسماه لهم ربهم، هو «حزب الله» الذي يحتضن كل مسلم ومسلمة، لا فرق بين عربي وتركي وشركسي وغير ذلك من الشعوب والأقوام.

وحين بدأت الأحقاد المعادية للإسلام في التمهيد لتنفيذ مخططاتها ضد دولة الخلافة العثمانية، بدأت تخطط لنفث بذور الحزبية في الدولة بغية تفتيت لحمة الوحدة الإسلامية التي كانت تشكل السد المنيع أمام مخططات أعداء الإسلام.

وأول تشكيل حزبي في تركيا تمثل في جمعية «تركيا الفتاة» التي لم يعد سرًا أن مؤسسيها كانوا من اليهود وللماسون وعلى رأسهم عمانوئيل قارصوه، رئيس محفل ماكدونيا الماسوني في سالونيك، ويؤكد ذلك د. أرمسترونج في كتاب «الذئب الأغبر» (ص 29): «لقد دأب أعضاء تركيا الفتاة على الاحتماء بحضانة اليهود فكانوا يجتمعون في بيوتهم آمنين من كل خطر».

ويؤكد ذلك أيضًا الكاتب الألماني داجوبرت فوت ميكوش في كتابه «كمال أتاتورك المثل الأعلى» (ص 58): «كانت المحافل الماسونية وعلى الأخص المحفل الإيطالي الأكبر في سالونيك ترحب بجمعية تركيا الفتاة، فكانت جلساتها تعقد في المحافل الماسونية التي كان أعضاء الجمعية أعضاء فيها أيضًا».

وهكذا يتبين أن أول بذرة حزبية زرعت في الأرض التركية كانت بذرة يهودية ماسونية خبيثة، وكان ذلك على الأرجح في عام 1861م.

وفي عام 1864م انكشف أمر الجمعية فسارعت السفارات الأجنبية إلى تهريب زعمائها إلى لندن وباريس ومكثوا هناك إلى عام 1873م عندما ارتكب السلطان عبدالعزيز خطأ فادحًا بتنصيب أحد أعضائها اليهودي مدحت باشا وهو ابن حاخام مجري صدرًا أعظم «رئيسًا للوزراء»، فعادت الجمعية إلى ممارسة نشاطاتها العلنية حتى عام 1877م عندما عزل السلطان عبدالحميد الثاني مدحت باشا عن الصدارة العظمى، فاضطر أعضاء تركيا الفتاة إلى الانزواء من جديد في المحافل الماسونية وأقبية السفارات الأجنبية.

وفي عام 1889م أعاد اليهود والماسونيون تشكيل جمعيتهم تحت اسم جديد هو «جمعية الاتحاد والترقي»، ويشير د. رضا نور الطبيب الخاص لأتاتورك الذي كان من أقرب أصدقائه في مذكراته: «إن معنى جمعية الاتحاد والترقي يساوي بالضبط معنى المحفل الماسوني».

وفي تموز 1908م سيطرت «الاتحاد والترقي» على مقاليد الأمور في الدولة العثمانية، ولكن تسلطها انهار في 31 آذار 1909م عندما قامت الجماهير المسلمة بانتفاضة إسلامية ضد الاتحاديين، ولكن هؤلاء لم يلبثوا أن أعادوا سيطرتهم على إسلام بول (إستانبول) في 13 نیسان 1909م، وخلعوا السلطان عبدالحميد الثاني، وكان على رأس الوفد الذي أبلغه بقرار خلعه اليهودي عمانوئيل قانصوه رئيس محفل ماكدونيا في سالونيك، ويذكر سفير بريطانيا في إسلام بول آنذاك السير ج. لاوتر أن الصحف الماسونية في سالونيك نشرت خبر عزل عبدالحميد تحت عنوان «الخلاص من مضطهد إسرائيل».

وفي 23 تموز 1909م انضمت إلى جمعية الاتحاد والترقي جمعية «الوطن والحرية» التي كان قد أسسها كمال أتاتورك أثناء خدمته في الجيش العثماني المرابط في سورية عام 1906م، وأصبح أتاتورك من زعماء الاتحاد والترقي.

وفي 30 تشرين أول 1918م وقع الاتحاديون معاهدة موندروس التي كرست هزيمة الدولة العثمانية أمام الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، وبذلك تكون جمعية «الاتحاد والترقي» وقد أكملت تنفيذ دورها المرسوم المتمثل بإنهاك الدولة العثمانية عسكريًا واقتصاديًا.

وكان لا بد أن تتوجه أصابع اتهام الشعب التركي إلى جمعية الاتحاد والترقي بعد تلك الهزيمة النكراء بتهمة الخيانة فانفض عنها زعماؤها ومؤيدوها ليتجمعوا حول كمال أتاتورك الذي أعلن في 7 آب 1919م عن تأسيس جمعية «الدفاع عن حقوق شرق الأناضول».

وفي 4 أيلول 1919م وفي أعقاب مؤتمر شعبي عقده في مدينة سيواس أعلن أتاتورك عن تشكيل «اللجنة التنفيذية لمؤتمر سيواس»، وأعلن أن هذه اللجنة هي الممثلة للشعب التركي بأسره وفي بداية عام 1920م أصدر صحيفة ناطقة باسم اللجنة اسمها «الحاكمية للأمة».

وفي حزيران 1920م أعلن مصطفى صبحي من ملجئه في موسكو عن تأسيس «الحزب الشيوعي» التركي.

وفي 18 تشرين أول 1920م أصدر أتاتورك بيانًا باسم اللجنة أطلق عليه اسم «البرنامج الشعبي» أعلن فيه أن المبادئ الأساسية للدولة التركية الحديثة التي تهدف إلى تأسيسها لن تعتمد على ما جاء في الكتب التي يزعم البعض أنها منزلة من السماء.

وفي كانون الثاني 1921م أقنع أتاتورك مصطفى صبحي زعيم الحزب الشيوعي التركي بالعودة إلى تركيا من منفاه الاختياري في موسكو، وفي طريق عودته أوعز أتاتورك بإغراق السفينة التي كانت تقله مع زعماء الحزب الشيوعي الآخرين على مقربة من طرابزون، وانتقلت زعامة الحزب إلى شفيق حسني ثم انتقلت زعامة الحزب إلى شفيق حسني ثم انتقلت بعد وفاة شفيق إلى زكي باش تيمار الذي فر إلى موسكو ليتخذ منها مركزًا لنشاطه.

وفي 29 تشرين أول 1923م أعلن أتاتورك قيام الجمهورية في تركيا، وتم انتخابه رئيسًا للجمهورية.

وفي 23 آذار 1924م أعلن أتاتورك إلغاء الخلافة التي كانت قد أصبحت مجرد رمز وصورة فقط.

الأحزاب السياسية بعد إعلان الجمهورية

بقي حزب الشعب الجمهوري يحكم تركيا كحزب وحيد حتى عام 1946م عندما انشق عنه بايار والمرحوم عدنان مندريس وألفوا حزبًا جديدًا أطلقوا عليه اسم «الحزب الديمقراطي».

وفي عام 1948م حدث انشقاق في الحزب الديمقراطي حيث انشق عنه عثمان بوليك باشي وأسس حزبًا جديدًا بمساعدة وزير الدفاع في عهد أتاتورك هو الجنرال فوزي جاقماق، وأطلقا على الحزب الجديد اسم «حزب الأمة» (ميللت باريتس) ولكن هذا الحزب لم يعمر طويلًا إذ قامت حكومة الحزب الديمقراطي بحله بعد تسلمها السلطة.

وفي عام 1950م أجريت انتخابات برلمانية فخاضها الحزب الديمقراطي ببرنامج وعد الشعب التركي من خلاله بإطلاق الحريات الدينية، وإعادة الأذان باللغة العربية، وفتح المساجد المغلقة، وكان لهذه الوعود فعل السحر فإذا بالمعركة الانتخابية تسفر عن فوز ساحق للحزب الديمقراطي حيث فاز بــ318 مقعدًا بينما لم يفز حزب الشعب الجمهوري إلا بــ32 مقعدًا فقط.

وفي عام 1954م، شكل عثمان بوليك باشي حزبًا جديدًا على أنقاض حزبه القديم «حزب الأمة» وأطلق على الحزب الجديد اسم «حزب الأمة الجمهوري» «جمهوريتشي ميللت بارتيس»، ثم اندمج هذا الحزب مع حزب صغير كان قد تأسس في عام 1952م تحت اسم «حزب الفلاحين» «كويلو بارتيسي»، وأصبح الاسم الجديد للحزبين المندمجين بزعامة عثمان بوليك باشي «حزب الأمة والفلاحين الجمهوري».

وفي عام 1955م انشق عدد من النواب عن الحزب الديمقراطي وأسسوا حزبًا جديدًا أطلقوا عليه اسم «حزب الحرية»، ومن أبرز مؤسسيه أكرم أليجان وأنور أداكان.

الأحزاب السياسية في عهد الجمهورية الثانية

ونقصد بعهد الجمهورية الثانية العهد الذي بدأ في أيار 1960م إثر قيام الجيش التركي بقيادة الجنرال جمال غورسيل بانقلاب عسكري أطاح بحكومة الحزب الديمقراطي بزعامة جلال بايار، رئيس الجمهورية، وعدنان مندريس، رئيس الوزراء.

وكان الانقلابيون قد أعلنوا بعد نجاح حركتهم عن حل جميع الأحزاب السياسية القائمة حتى 27 أيار 1960م، وسمحوا بإعادة تشكيل أحزاب جديدة بعد أن حرموا غالبية زعامة الحزب الديمقراطي النشطين من حق المشاركة في الحياة السياسية.

وسمح الانقلابيون بإعادة تشكيل «حزب الشعب الجمهوري» تحت نفس اسمه السابق وبزعامة عصمت إينينو خليفة أتاتورك، كما سمح لحزب الأمة والفلاحين الجمهوري بإعادة تشكيل الحزب تحت اسمه القديم وبزعامة عثمان بوليك باشي، أما الحزب الديمقراطي فلم يسمح الانقلابيون بإطلاق نفس الاسم على أي حزب جديد، ولكنهم لم يمنعوا أنصاره ممن لم يشملهم قرار العزل والحرمان السياسي من تشكيل أحزاب جديدة، فشكل بعضهم حزبًا أطلقوا عليه اسم «حزب العدالة» واختاروا لزعامته أحد قادة الجيش المتقاعدين الجنرال راغب قوموش بالا، وأسس آخرون من أنصار الحزب الديمقراطي القدامى حزبًا آخر أطلقوا عليه اسم «حزب تركيا الحديثة» «يني تركيا بارتيسي»، بزعامة أكرم أليجان الذي كان من مؤسسي حزب الحرية عام 1946م، وتأسس حزب خامس تحت اسم «الحزب الوطني الحر» «میللي سربست بارتيسي» بزعامة أحمد أداكان الذي كان من مؤسسي الحرية عام 1946م كما تأسس حزب سادس يحمل الفكر تحت اسم «حزب العمال التركي»، بزعامة محمد علي أبيار، بينما بقي الحزب الشيوعي التركي يمارس نشاطه سرًا من موسكو وألمانيا الشرقية.

وفي أول انتخابات نيابية أجرتها الحكومة الانقلابية تنافس في المعركة الانتخابية أربعة أحزاب هي: حزب الشعب الجمهوري (173 نائبًا)، وحزب العدالة (158 نائبًا)، وحزب تركيا الحديثة (65 نائبًا)، وحزب الأمة والفلاحين الجمهوري (54 نائبًا).

وفي انتخابات عام 1965م انتزع حزب العدالة الأغلبية المطلقة (53%) وانحسر عدد نواب حزب الشعب الجمهوري وكان حزب العدالة قد اختاروا لزعامته سليمان ديميرل خلفًا لراغب قوموش بالا.

وفي انتخابات 1969م استمر التنافس على الساحة الحزبية في تركيا بين حزب العدالة بزعامة سليمان دميرال وحزب الشعب الجمهوري بزعامة عصمت إينينو، وإلى جانبهما كانت هناك أحزاب صغيرة وفي هذه الانتخابات برز اسم البروفيسور الدكتور نجم الدين أرباكان لأول مرة على الساحة السياسية التركية حيث فاز كمرشح مستقل عن منطقته «قونية»، ولم يلبث أرباكان أن استثمر فوزه الساحق ليؤسس حزبًا ذا صبغة إسلامية في کانون 1970 أطلق عليه اسم «حزب النظام الوطني».

وفي 21 آذار 1971م تدخل الجيش من جديد فأعلن الأحكام العرفية، وأمر بتجميد نشاطات الأحزاب السياسية، ما عدا حزب النظام الوطني ذي النزعة الإسلامية فقد أصدر الجيش قرارًا في نيسان 1971م بحل الحزب ولم يكتف بتجميد نشاطاته كما فعل مع الأحزاب الأخرى، ورافق قرار الحل قرار بحرمان زعيمه البروفيسور نجم الدين أربكان من حقوقه السياسية.

وفي 11/ 10/ 1972م أعلن أنصار حزب النظام الوطني عن تشكيل حزب جديد أطلقوا عليه اسم «حزب السلامة الوطني»، ولكن أربكان لم يستطع وضع اسمه على قائمة مؤسسي الحزب لأن قرار حرمانه النشاط السياسي كان لا يزال ساري المفعول.

وفي 14/ 10/ 1973م جرت انتخابات نيابية فاز فيها حزب الشعب الجمهوري بزعامة بولنت أجاويد بـ186 مقعدًا وحزب العدالة بزعامة سليمان دميرال 148 مقعدًا، وحزب السلامة الوطني ذي النزعة الإسلامية بـ48 مقعدًا وكان أربكان من الفائزين بعد أن كان قرار العزل السياسي الذي أصدره العسكريون بحقه قد انتهى مفعوله، وفاز الحزب الديمقراطي المنشق عن حزب العدالة بـ45 مقعدًا، وفاز حزب الاعتماد الجمهوري المنشق عن حزب الشعب الجمهوري بـ13 مقعدًا، كما فاز حزب حركة العمل القومي برئاسة ألب أرسلان تورکش بـ3 مقاعد فقط.

وكان من المقرر أن تجرى انتخابات نيابية في 5/ 10/ 1977م، ولكن سليمان ديمريل وبولنت أجاويد زعيما الحزبين الرئيسيين العدالة والشعب الجمهوري، اتفقا على تقديم موعد الانتخابات إلى 1/ 6/ 1977م، وكان واضحًا أن اتفاقهما على ما بينهما من خصومة كان بسبب خوفهما من تحقيق حزب السلامة الوطني الإسلامي فوزا ساحقا إذا بقي موعد الانتخابات كما هو في 5/ 10/ 1977م، وقد أشار إلى ذلك صراحة كتاب «تركيا بين الصفوة البيروقراطية والحكم العسكري» (ص 234)، وهو كتاب من تأليف عدد من الكتاب اليساريين.

وأسفرت انتخابات 1/ 6/ 1977م، عن فوز حزب الشعب الجمهوري بـ213 مقعدًا أي بأقل 13 مقعدًا عن الأغلبية المطلقة ويليه حزب العدالة (189 مقعدًا)، وانخفضت مقاعد الحزب الديمقراطي المنشق عن حزب العدالة إلى مقعد واحد فقط، كما انخفضت مقاعد حزب الاعتماد الجمهوري المنشق عن حزب الشعب الجمهوري إلى ثلاثة مقاعد فقط، وانخفضت مقاعد حزب السلامة الإسلامي لتصبح ٢٤ مقعدًا، أما حزب حركة العمل القومي ففاز بستة عشر مقعدًا وفاز مستقلون بأربعة مقاعد.

وفي 5/ 12/ 1977م، طالب المدعي العام التركي بفصل أربكان من حزب السلامة الوطني بحجة أنه يستغل الدين في السياسة، مما يشكل خروجا على القوانين العلمانية التي وضعها أتاتورك.

(يتبع الأحزاب السياسية في عهد الجمهورية الثالثة).

الرابط المختصر :