العنوان فصل من ملحمة عُمر .. مقاليد بيت المقدس
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 21-سبتمبر-1971
مشاهدات 102
نشر في العدد 78
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 21-سبتمبر-1971
فصل من ملحمة عُمر
مقاليد بيت المقدس
للأستاذ: باكثير
المشهد الثالث
في المسجد النبوي الشريف
عمر ينتحي ركنًا فيه ومعه أهل الشورى فيهم عثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف والزبير وطلحة وقد وقف دونهم أبو طلحة الأنصاري يحجبهم وفي يده السيف.
عمر: أكمل يا عثمان قراءة الكتاب.
عثمان: «يتلو من رسالة في يده» وإني يا أمير المؤمنين أعالج حربًا كؤودًا صدومًا، وبلادًا قد أدخرت لك، فرأيك والسلام.
«يطوي عثمان الرسالة ويعيدها لعمر»
عمر: ها أنتم أولاء قد علمتم أن أهل إيلياء قد أشجوا عمرًا وأشجاهم، وإني قد رأيت أن أمده بالجيش الذي كنت جمعته لإمداد سعد بالقادسية، وأن أسير بنفسي إليه فماذا ترون؟
عثمان: يا أمير المؤمنين أما المدد فأرسله على الفور، ولكن لا تسر إليهم فليس ما يستوجب ذلك.
الزبير: وهذا الصلح الذي عرضوه أليس جديرًا أن يرحل أمير المؤمنين من أجله؟
عثمان: لو كانوا يريدون الصلح حقًا لعقدوه مع عمرو بن العاص فهو عندهم.
الزبير: إنهم يرون مدينتهم مقدسة فيحبون أن يعقدوا صلحها مع أمير المؤمنين بنفسه.
عثمان: لا شك أنها مكيدة من داهية الروم الأطربون.
الزبير: أتذكر أطربون الروم يا عثمـان وتنسى أطربون العرب؟
عثمان: أطربون العرب لم يقدر منه على شيء.
الزبير: ويحك يا ابن عفان وهل قدر هو أن ينال شيئًا من عمرو؟ ألم يكيد له عمرو في أجنادين، إذ ذهب يقابله بنفسه على أنه رسول من عمرو حتى إذا ألقي في روع العلج أنه عمرو أو أنه الذي يأخذ عمرو برأيه، وأسر له الغدر وعزم على قتله، كاد له عمرو كيدة أخرى فتخلص منه بسلام؟
عمر: «معجبًا» هيه يا زبير، لقد والله أنصفت أطربون العرب.
عثمان: فما بال أطربونكم هذا وقف عاجزًا دون أسوار إيلياء زهاء عام ينتظر؟
عمر: كلا يا عثمان إنه لم ينتظر هناك وإنما ضرب عليها الحصار وتركها لبعض رجاله وذهب يفتح غزة ورفح وسبسطية ونابلس ولد وعمواس ويافا وبيت جبرين ومرج عيون وغيرها من مدن فلسطين.
طلحة: «متعجبًا» عجبًا يا أمير المؤمنين إنك لتحفظ أسماء هذه المدن.
عمر: ويحك يا ابن عبد الله من حمل أمانة فعليه أن يحفظها.
الزبير: إني أرى يا أمير المؤمنين أن تتوكل على الله وتسير إليهم بنفسك، فإن أرادوا صلحًا عقدته معهم، وإن أرادوا غير ذلك فسيكفيك الله أمرهم.
عثمان: كلا لا تفعل يا أمير المؤمنين، إنك إن أقمت ولم تسر إليهم وقد طلبوا قدومك رأوا أنك بأمرهم مستخف، ولقتالهم مستعد، فلم يلبثوا إلا اليسير حتى ينزلوا على الصغار ويعطوا الجزية.
عمر: وماذا ترى يا أبا الحسن فإنا لم نسمع رأيك؟
علي: أما أنا فأرى أن تذهب يا أمير المؤمنين فقد أصاب المسلمين جهـد عظيم من البرد والقتال وطول المقام، فإذا أنت قدمت عليهم كان لك وللمسلمين الأمن والعافية والصلاح والفتح إن شاء الله، ولست آمنًا إن لم تفعل أن ييأسوا منك ومن الصلح ويمسكوا حصنهم ويأتيهم المدد من بلادهم وطاغيتهم، لا سيما وبيت المقدس معظم عندهم وإليه يحجون.
عثمان: لكن أبا الحسن أشار بغير هذا الرأي يوم صرار.
علي: ذلك أن أمير المؤمنين لا يقدم اليوم على خطر فقد أذل الله الروم للمسلمين وإنما هي مدينة مستعصية بأسوارها طال عليهم حصارها، فأرى أن قدوم أمير المؤمنين على المسلمين هناك أندى على نفوسهم وأبعث لعزائمهم وأهيب في صدور العدو، فتوكل على الله فإن لك بكل خطوة تخطوها حسنة، وفي كل ظمأ ومخمصة حسنة وفي كل واد وكل فج وكل شعب.
عمر: لله أنت يا أبا الحسن لقد واللـه أرويت وشفيت.
عبد الرحمن: لا تعجل يا أمير المؤمنين حتى تسمع ما عندي.
عمر: قل يا عبد الرحمن ما عندك.
عبد الرحمن: ما برح في نفسي شيء من مسيرك إلى الشام وتركك المدينة وليس ما يلجئك إلى ذلك، هذا أبو عبيدة يمضي فاتحًا في شمال الشام مضي الشفرة في قطعة العجين.
طلحة: لا تنس يا ابن عوف أن معه هناك سيف الله خالد بن الوليد، ألم تر كيف قال لأهل قنسرين لما تحصنوا في قلعتهم بعدما هزمهم في حاضرها وقتل كبشهم ميناس: والله لو كنتم في السحاب لحملنا الله إليكم أو لأنزلكم الله إلينا، كلمة والله لا يقولها إلا خالد!
عمر: صدقت يا أبا محمد، عجزت النساء أن يلدن مثل أبي سليمان، والله لاستعملنه على قنسرين وما حولها ليكون نكالًا للروم إذا حدثتهم أنفسهم بالكرة.
عبد الرحمن: أما أنك لراض عنه اليوم يا أمير المؤمنين.
عمر: أجل لقد أمر خالد نفسه، رحم الله أبا بكر، هو كان أعلم بالرجال مني.
عبد الرحمن: فهلا أمددت به عمرو بن العاص يا أمير المؤمنين فإني لأحسب أن ليس لإيلياء غير خالد.
طلحة: أي والله يا أمير المؤمنين ليس لها غير سيف الله.
عبد الرحمن: وتبقى أنت يا أمير المؤمنين بالمدينة وخلاك ذم.
عثمان: هذا والله الرأي يا أمير المؤمنين.
عمر: «بعد صمت قصير وهو ينظر مليًا إلى عبد الرحمن» لا يا ابن عوف لقد أبعدت مرماك، أما أن في سيف خالد لرهقًا، وأنك لأول من يعلم ذلك، وهذه مدينة مقدسة عندنـا وعند أهل الكتاب.
علي: هديت الرشد يا أمير المؤمنين، أن لك في رسول الله لأسوة حسنة، فقد أوصانا يوم فتح مكة بالرفق بأهلها ونهانا عن العنف، وإن بيت المقدس لفيه المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله والذي كان قبلتنا الأولى قبل أن نؤمر بتولية وجوهنا شطر الكعبة.
عمر: بوركت يا ابن أبي طالب لا عدمنا رأيك وعلمك، أما والله أن رفق عمرو بن العاص لخير عندي من عنف خالد بن الوليد.
علي: فإذا ضممت إلى رفق عمرو رفقك يا أمير المؤمنين، كان ذلك أجدر بمكان بيت المقدس وأوفى بما هو أهل له من التوقير والتعظيم.
عمر: يا أبا طلحة، ائتني الآن برسول عمرو بن العاص.
«يخرج أبو طلحة ويغيب قليلًا ثم يعود ومعه عقبة بن عامر الجهني».
عمر: هلم يا أخا جهينة، أبشر فقد أنجح الله مهمتك.
عقبة: «فرحًا» الحمد لله يا أمير المؤمنين.
المشهد الرابع
في بيت الشيخ صفرونيوس بطريق بيت المقدس وعنده رومانوس متنكرًا في زي قسيس.
رومانوس: ما بالك تنظر إليّ؟
صفرونيوس: هذا الزي الذي عليك.
رومانوس: لا تخف، لن يعرفني فيه أحد.
لقد لقيني اليوم أحد معارفي من بصری وجهًا لوجه فلم يعرفني.
صفرونيوس: أين لقيك؟
رومانوس: عند باب المدينة وأنا داخل.
صفرونيوس: ليتك تبقى في زيك هذا إلى الأبد.
رومانوس: «يضحك» تتمنى أن أعود مسيحيًا كما كنت؟
صفرونيوس: نعم فمثلك ينبغي أن يعود إلى الحظيرة.
رومانوس: وأنا أتمنى لو يهديك الله كما هداني!
صفرونيوس: «في شيء من الغضب» رومانوس، انظر ما تقول.
رومانوس: لا تغضب يا سيدي البطريق إنك حين تصير مسلمًا تكون مسيحيًا وزيادة.
صفرونيوس: لا أريد الزيادة، أريد أن أكون مسيحيًا فحسب.
رومانوس: إذن يفوتك خير كثير.
صفرونيوس: اسمع يا رومانوس، إن شئت أن تبقى صديقا فاكفف عن دعوتي إلى دينك.
رومانوس: ماذا يضيرك من ذلك؟
صفرونيوس: تجادلني في ديني وتقول لي ماذا يضيرك من ذلك؟
رومانوس: أنا أجادلك بالتي هي أحسن.
صفرونيوس: لا أريد جدالًا البتة، لا بالتي هي أحسن ولا بالتي هي أسوأ.
رومانوس: تذكر يا سيدي أنك أنت الذي بدأت في جدالي.
صفرونيوس: كلا أنا ما جادلتك، وإنما لمتك على ارتدادك عن دينك ودين آبائك.
رومانوس: إن الحوار بين الذين آمنوا بالسيد المسيح قد اتهمهم اليهود بالردة والضلالة كما تتهمني الآن.
صفرونيوس: أين هذا من ذاك؟
رومانوس: لو فتحت قلبك للحق ولم تتبع الهوى لأيقنت إلا فرق بين هذا وذاك.
صفرونيوس: إن الحواريين لم يخونوا قومهم.
رومانوس: لكنهم خانوا قيصر إذ وفوا لله، وأنا كذلك ما خنت قومي وإنما خنت قيصر إذ وفيت لله، والله أكبر من قيصر.
صفرونيوس: إنك سلمت بصرى للغزاة.
رومانوس: بل حقنت دماء أهلها إذ حملت المسلمين على مصالحهم بعدما انتصروا عليهم.
صفرونيوس: ما كان المسلمون لينتصروا لو لم تعنهم وتدخل في دينهم.
رومانوس: فكيف انتصروا على ولايات دمشق وحمص، وقنسرين، وأنطاكية، وغيرها؟
هل أسلم حكام هذه الولايات كما أسلمت؟ وهل أعانوهم كما زعمت أني أعنت؟
صفرونيوس: أتنكر أنك أعنت المسلمين؟
ألم تحفر لهم ذلك الممر السري من الأسوار إلى بيتك؟
رومانوس: ما حفرته ليدخل منه المسلمون، بل لأخرج أنا من خلاله، فقد ائتمر بي رجال الدين في المدينة وأوعزوا للجيش فحاصروا بيتي وحبسوني فيه.
صفرونيوس: لأنك جاهرت بالإسلام ودعوت إليه.
رومانوس: أجل إني آمنت بهذا الدين عن اقتناع وبعد طول نظر وتفكير، وظللت أكتم إيماني حتى وقف المسلمون على أبواب بصرى فدعوت أهلها إلى الإسلام حتى يكون لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم فنفروا وثاروا وحاصوا حيصة حمر الوحش، فدعوتهم إلى مصالحة المسلمين فأبوا كذلك، فقلت اختاروا من بينكم من يحكمكم مكاني، ودعوني أخرج من مدينتكم وأنضم إلى المسلمين فأبوا علي ذلك وحبسوني في بيتي وتوعدوني بالقتل، فما كان مني إلا أن حفرت ذلك السرداب فتسللت منه لأنجو بحياتي وديني.
صفرونيوس: لكن المسلمين دخلوا إلى المدينة من ذلك السرداب وأنت دللتهم عليه.
رومانوس: أو تظن أنهم كانوا يعجزون عن فتحها لولا السرداب؟ لقد حضر خالد بن الوليد إذ ذاك وأوشك أن يقتحم أسوارها، وإذن لاعتبرها فتحت عنوة، ولما رضي أن يصالح أهلها على الجزية.
صفرونيوس: لكن أهل بصرى ما زالوا يعتبرونك خائنًا لهم.
رومانوس: بعض رجال الدين من الملكانيين فقط، أما سائر أهلها وأكثرهم من اليعاقبة فيدركون إنني أنقذتهم من سوء المصير، وحفظت عليهم حقوقهم وأملاكهم، وأعدت إلى مذهبهم ما سلبه القيصر من حريته.
صفرونيوس: «يتنهد» صدقت يا رومانوس.
إن البدعة التي فرضها هرقل على الناس كانت أكبر عون لهؤلاء المسلمين إذ جعلت قلوب الناس تميل إليهم وترحب بانتصارهم.
رومانوس: إذا قضى الله أمرًا هيأ له الأسباب ومهد له السبيل، وقد قضى بظهور هذه الرسالة الجديدة، لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ومن العبودية إلى الحرية.
صفرونيوس: عدت مرة أخرى إلى التبشير بدينك!
رومانوس: كلا يا سيدي البطريق «يتلو تلاوة القرآن»
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ﴾ (البقرة: 256)
﴿مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ (فصلت: 46)
صفرونيوس: ما هذا؟
رومانوس: آيات من القرآن.
صفرونيوس: لماذا إذن تحاول أن تكرهني على دينك؟
رومانوس: إن الذي حاول أن يكرهك على غير دينك إنما هو هرقل، أما الإسلام فقد جاء ليضمن لك ولغيرك الحرية فيما تدينون وما تعتقدون «يتلو تلاوة القرآن»
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۚ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (البقرة: 113)
صفرونيوس: أهذا من القرآن أيضًا؟
رومانوس: نعم.
صفرونيوس: آه لو ترك هرقل الناس أحرارًا في مذاهبهم، آه لو لم يصغ إلى بدعة سرجيوس!
رومانوس: في إمكانك أنت أن تتدارك هذا الأمر إذا صالحت المسلمين على إيلياء.
صفرونيوس: قد علمت أننا طلبنا أن يجيء أمير المسلمين بنفسه ليعقد معنا كتاب الصلح.
رومانوس: لكن الأطربون غير مخلص في طلبه هذا، وأخوف ما أخافه أن يأتي أمر يعرضكم جميعًا لغضب المسلمين.
صفرونيوس: لسنا مسئولين عن الأطربون.
رومانوس: بلى أنتم مسئولون عنه ما دام يتكلم باسمكم.
صفرونيوس: إنه حاكم فلسطين من قبل هرقل فماذا نصنع؟
رومانوس: أنت بطريق إيلياء ولك في قلوب أهلها مكانه ليست للأطربون.
صفرونيوس: أتريد مني يا رومانوس أن أخلع سلطان هرقل؟
رومانوس: إن كنت تريد أن تنقذ المدينة المقدسة!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل