العنوان فضائح الأمم المتحدة في البوسنة والهرسك
الكاتب أسعد طه
تاريخ النشر الثلاثاء 17-أغسطس-1993
مشاهدات 62
نشر في العدد 1062
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 17-أغسطس-1993
فضائح الأمم المتحدة في البوسنة والهرسك
- الطعام الذي توزعه الأمم
المتحدة على المسلمين معظمه إما فاسد أو انتهت مدة صلاحيته وحلف الناتو يرسل
مخزون طعامه الفاسد للمسلمين حتى يأكلوه.
- رغم المقاطعة الاقتصادية
لصربيا فإن الأمم المتحدة تشتري المنتجات الصربية لتوزعها على اللاجئين
المسلمين.
بعد حوالي شهرين من بدء المعارك في البوسنة
والهرسك أي في حوالي شهر يوليو من العام الماضي نشرت جريدة «اسلوبوجيينا» الصادرة
في سراييفو خبرًا] مفاده أن الأطفال في المدينة يقذفون سيارات الأمم المتحدة
بالحجارة كلما مرت بهم، وفسرت ذلك بالمخالفات الصارخة التي ترتكبها هذه القوات
وانحيازها إلى جانب المعتدي وتقديم خدماتها إليها، وفي يوم ٦/٨/٩٣ أي بعد حوالي
أكثر من عام صرح وزير الخارجية البوسنية حارث سيلاجيتش لمجلة «دير ستاندر»
النمساوية بأن الأمم المتحدة حرمتنا حقنا في الدفاع عن أنفسنا وأنها بصمتها شاركت
في أعمال الإبادة الجماعية التي لحقت بالمسلمين واصفًا إياها بأنها باتت عارًا]
على المجتمع الدولي في هذا العصر.
وعلى مدى المسافة الزمنية بين الحدثين تجرع
شعب البوسنة والهرسك مرارة الهزيمة وذل الضعف ليس فقط على يد القوات الصربية الذين
كانوا يواجهون ببطولات فذة من المدافعين البوسنيين ولكن على يد الهيئة الدولية
التي من المفترض أن «العدل» وعدم الانحياز سمات مبدئية في عملها.
وأي متابعة وثائقية لدور الأمم المتحدة في
الحرب البوسنية ستكشف ليس فقط عن قصور وانحراف في عمل هذه الهيئة الدولية، بل إنها
في النهاية إحدى أدوات «النظام الدولي الجديد» المختل والموظف لتحقيق مشاريع القوى
الكبرى في عالمنا المعاصر وإن استلزم ذلك دهس كل المبادئ الأخلاقية والحضارية.
وكان أول ما فعلته الأمم المتحدة عقب اندلاع
الحروب في مناطق يوغسلافيا القديمة أن قامت باستصدار قرار يحظر بيع السلاح لحكومات]
هذه المنطقة، وهو القرار الذي تتضرر منه كل هذه الحكومات باستثناء الحكومة الصربية
لأنها تملك ترسانة ضخمة من السلاح بحكم أنها استولت على ٦٠% من سلاح الجيش
اليوغسلافي السابق، ولأنها تمتلك مصانع ضخمة لإنتاج السلاح إلى الحد الذي تقوم
فيه- رغم المقاطعة المفروضة عليها- بتصديره إلى الخارج، كشف ذلك سفينة السلاح
المتوجهة إلى الصومال، كما أن لصربيا القوية] أصدقاء أقوياء قادرون على مخالفة
القوانين الدولية وإرسال المواد الخام المطلوبة لتصنيع السلاح إليها ومدها بما
ينقصها من أحدث أنواع الأسلحة، وهذا كله معروف ومسجل ومدون وتشهد عليه البنادق
الروسية الحديثة الصنع التي يتسلح بها العدو الصربي في البوسنة.
وبعد أن ضمنت الأمم المتحدة ثبات ميزان القوى
عند هذا الحد المختل الذي يضمن فيه تفوق شاسع للقوات الصربية على غيرها من القوات
الموجودة سواء الكرواتية أو البوسنية، شرعت في إصدار قرارات لا أهمية لها من نوعية
قرارات الإدانة والشجب أو قرارات منقوصة مثل وضع الأسلحة الثقيلة في البوسنة تحت
المراقبة، وكان مشهدًا] مثيرًا] لمراقبي الأمم المتحدة وهم يحتسون فناجين القهوة
ويسجلون أن المدفع في المنطقة كذا قام بإطلاق قذائفه في اتجاه كذا دون أي خطوة
تكميلية تحول دون استمرار القصف أو قرارات لا تنص على كيفية تطبيقها، مثل حظر
الطيران في أجواء البوسنة أمام الطائرات الصربية، ثم قرارًا] بتشديد الحظر وبعد
خمسمئة حالة اختراق صربية لهذه القرارات سجلتها القوات الدولية رسميًا] قامت
باستصدار قرار يمنح حلف الناتو حق تطبيقه بالقوة، وعاد المشهد الساخر ليتكرر،
طائرات حلف الناتو في سماء البوسنة والهرسك ترى الطائرات المروحية الصربية تقوم
بإنزال الجنود والمعدات، كما حدث أخيرًا] في إيجمان دون قصفها ولم تفهم ماذا يعني
تطبيق القرار بالقوة. وصدرت قرارات أخرى عن الأمم المتحدة تعالج الجانب الإنساني
ونكتفي به، وكأن مشكلة البوسنة والهرسك اختزلت إلى كيفية تأمين إيصال المواد
الغذائية.
وفي كل هذه الحالات وغيرها لم تفلح الأمم
المتحدة في تطبيق قراراتها، ولم تكتف بذلك، وإنما قررت رفض أي طلب لفك بيع السلاح
عن المسلمين، وانعقدت جلسات وانفضت وحرصت فرنسا وبريطانيا في عداء مؤلم على رفض
منح الشعب المسلم في البوسنة حقه الشرعي في الدفاع عن نفسه بدعوى أن هذا سيزيد من
وقوع الضحايا، وكأن حياة الآلاف من المحاصرين في مدنهم ليست مهمة المهم ألا يموت
آخرون في منطقة أخرى على حد زعمهم واحتاجت القيادات السياسية البوسنية إلى حوالي
ستة عشر شهرًا] من نزيف الدم المتواصل لتفهم في النهاية كم تكره أوروبا -وخاصة
فرنسا وبريطانيا- المسلمين.
ولم يكن طبيعيًا] أن يسأل السفير الفرنسي في
سراييفو عربًا التقى بهم قبل شهر عن سبب اهتمامهم بالبوسنيين رغم أنهم ليسوا
مسلمين حقيقيين، وأقول ليس ذلك طبيعيًا] لأن أوروبا تعاملت معهم بهذه الصفة ولم
تكترث تمامًا مثل الصرب بمدى التزامهم الديني «أنهم مسلمون وحسب».
ولا نستطيع في هذا التقرير الموجز أن نتعرض
لكل قرارات الأمم المتحدة التي صدرت إلا أنه يمكن القول إنها لم تثمر عن شيء سوى
وقوع المزيد من الضحايا المسلمين وفقدان المزيد من الأراضي.
محاور أخرى للظلم
ولا يمكن تقييم الدور السياسي للأمم المتحدة
المصنوع في نيويورك دون التعرض لأنشطتها على محاور مختلفة، فالقوات الدولية التي
أرسلتها الأمم المتحدة إلى البوسنة والهرسك يمكن القول إنه من مهامها الرئيسة
تأمين توصيل المواد الإغاثية «بواسطة مفوضية اللاجئين» إلى المناطق المحاصرة،
وكذلك العمل على تنفيذ القرارات الصادرة من الأمم المتحدة ومراقبة الأعمال
القتالية لتحديد البادئ بالهجمات، لكن شهادات القيادات العسكرية الميدانية وشهادات
المسؤولين البوسنيين تؤكد كلها فشل القوات الدولية في تنفيذ مهامها ولم يقف الأمر
عند ذلك، بل انحازت في أحيان كثيرة ووقائع متعددة للجانب الصربي. لقد فشلت القوات
الدولية في تأمين توصيل الغذاء إلى المحاصرين في شرق البوسنة في فصل الشتاء القارص
البرودة وشاهد العالم كله العجائز والأطفال والنساء وهم يموتون في قلب أوروبا ليس
من مرض أو إصابة حرب ولكن جوعًا].
إلى ذلك ساهمت القوات الدولية في إمداد الصرب
بمعلومات قيمة في بعض المواقع عن القوات المسلمة وعددها وكيفية تسليحها إلى غير
ذلك من المعلومات العسكرية الهامة، وساهمت القوات الصربية كذلك في إجهاض العديد من
العمليات العسكرية للمسلمين ونذكر في هذا الصدد ما كتبته جريدة دالماتسيا
الكرواتية في ٢١/١٠/٩٢: «وقد تكرر كثيرًا أن تبدو فجأة قوات الأمم المتحدة لحفظ
السلام وسط مسرح العمليات القتالية المخطط لها بدقة، فيترك جنود الأمم المتحدة
عرباتهم بين الجانبين المتحاربين زاعمين أنهم كانوا يمرون من هناك -بالصدفة- فتفشل
العمليات وينسحب الجنود المسلمون والكروات ويقوي الصرب من مواقعهم».
وترددت أنباء أخرى عن تورط بعض جنود القوات
الدولية في تسليم جرحى مسلمين إلى القوات الصربية، وساعدوا الصرب كذلك في عمليات
نقل السلاح وباعوا لهم الذخيرة ومدوهم بالنفط والأمثلة على ذلك كثيرة ومتشابهة.
مفوضية اللاجئين
وهي هيئة تابعة للأمم المتحدة ومن مهمتها
توصيل المواد الإغاثية إلى المحاصرين حيث من المفترض أن تقوم القوات الدولية
بمرافقة سيارات المفوضية وتأمين سيرها، ولذلك يقيم دورها السلبي أيضًا] في العجز
عن توصيل الغذاء إلى الكثير من المدن المحاصرة، خاصة تلك التي كانت في شرق
البوسنة، وعندما أعلن سكان سراييفو تضامنهم مع أهاليهم في شرق البوسنة وامتنعوا عن
تسلم المواد الغذائية إلى أن تقدم المفوضية على توصيل هذه المعونات إليهم أعلنت
رئيسة المفوضية في رد على هذه الخطوة إيقاف كافة الأعمال الإغاثية، وقد علق على
ذلك «زفونمير شباروفيتشي» وزير الخارجية الكرواتي السابق: «إنه عمل تعسفي لا يمكن
تبريره حيث يعاقب هؤلاء الذين اتخذوا موقفًا] أخلاقيًا] عبر استعدادهم للتضحية
بأنفسهم تضامنًا مع أولئك الذين يشرفون على الموت في شرق البوسنة».
وذكرت التقارير الميدانية في حينها أن العملية
التي استهدفت إنزال مواد غذائية من الجو على مدينة تسيرسكا كانت سببًا] في سقوطها
حيث أنزلت على مواقع المدافعين مما أحدث نوعًا من الاضطراب الشديد، وسقطت أكثر من
نصف الكمية على القوات الصربية التي فرحت كثيرًا بهدية المجتمع الدولي لها. كما
تتحصل القرى والمدن الواقعة تحت الاحتلال الصربي على كميات أكبر من الحجم البشري
لها وأفضل نوعية من التي يتحصل عليها المسلمون.
أما عن نوعية الطعام المرسل إلى المسلمين في
البوسنة فنكتفي بما نشرته جريدة «فتشرني لست» الكرواتية الصادرة في ٢٢ يونيو حيث
ذكرت «أن نوعية الطعام الذي يرسله العالم دليل على عدم رحمته وعلى نفاق القوى
الكبرى!» وتشرح ذلك فتقول: «إن قسطًا] كبيرًا من الطعام الذي يصل إما فاسد وإما قد
انتهت مدة صلاحيته، وعلى سبيل المثال تحصل اللاجئون في زغرب العام الماضي وعبر
ممثليه الصليب الأحمر البوسني على طعام وارد من احتياطيات حلف الناتو والمصنوع قبل
أربعة أعوام، وكان ثمن إحدى هذه المعلبات ٢٢ ماركًا] عندما كانت صالحة للاستخدام،
وعندما وصلت إلى كرواتيا كان ثمنها ماركًا] واحدًا».
والأمثلة على ذلك أيضًا] كثيرة يضاف إليها
قيام المفوضية بإرسال كل من تساهم في الإفراج عنه من معسكرات الاعتقال إلى أوروبا،
وذلك حسب الشرط الذي حدده الصرب ووافقت عليه المفوضية في إطار تفريغ البوسنة من
مسلميها، وفي نفس الإطار تفتح السفارات الغربية في كرواتيا أبوابها الآن على مصراعيها
أمام اللاجئين البوسنيين للسفر إلى أوروبا وهي التي تعاني من أزمة شديدة في قضية
اللجوء وتنامي التيارات العنصرية الرافضة للاجئين.. ولعل من المفارقات المدهشة
وصول عدة شاحنات -ذات يوم- محملة بالملابس والمواد الغذائية إلى سراييفو وعندما
فتحت محتويات هذه الشاحنات اكتشف المسؤولون البوسنيون أن حوالي سبعين بالمئة منها
من إنتاج صربي وقد طبع عليها عبارة «صنع في بلغراد»! ولم يقف الأمر عند هذا الحد
بل حوت صناديق المساعدات منشورات من العدو الصربي إلى الأهالي المحاصرين في
سراييفو، ويضاف إلى ذلك فضيحة تعامل الهيئة الدولية تجاريًا] مع صربيا رغم قرارات
المقاطعة الاقتصادية المفروضة.
الأمم المتحدة وأعراض نسائنا
إلى ذلك قدمت الأمم المتحدة بعض الشخصيات
ممثلة لها بشأن التعامل مع القضية البوسنية وسنغض الطرف عن بطرس غالي الأمين العام
للأمم المتحدة ونشير إلى شخصيتين: أولاهما: الجنرال ماكينزي قائد القوات الدولية
في سراييفو حيث ثبت من شهادات بعض الصرب الأسرى أنه كان يتردد على معتقل للنساء
المسلمات وكان يصطحب معه عددًا] منهن كل يوم ثم لا يعدن مرة أخرى إلى معتقلهن،
بمعنى أنهن يتعرضن للقتل!
وذكرت الشهادات أنه ليس ماكينزي فقط الذي كان
يقوم بذلك بل بعض كبار الضباط من القوات الدولية، وأن ماكينزي كانت تربطه علاقات
حميمة مع القيادات الصربية وأنه كان يتعاون معهم على مستويات عدة.
أما الشخصية الأخرى فهي الجنرال فيليب موريلون
قائد القوات الدولية في البوسنة والهرسك والبالغ من العمر سبعة وخمسين عامًا] وأحد
المشاركين في حرب الجزائر ورغم الدعاية التي أحاطت به في قضية سريبرينتسا فإن
الثابت أنه عمل على إعاقة خطط التدخل الإنساني لتوصيل المواد الغذائية بالقوة
واتهمته القيادات البوسنية في توزلا بالمساهمة في أعمال التطهير العرقي عبر وضعه
خطط لترحيل المسلمين من سريبرينتسا في حين أن المطلوب كان توصيل المواد الغذائية
لهم وليس انتزاعهم من أراضيهم.
كما دخل موريون مدينة تسيرسكا التي ذُبح أهلها
المسلمون ليقول: إنني لم أجد إلا امرأة حاملًا] يساعدها أحد الجنود الصرب!
أما عن علاقاته مع القيادة الصربية فشأنها شأن
علاقات قيادات الهيئات الدولية العاملة في البوسنة والهرسك مع الصرب.
في النهاية يتضح أن المؤكد في كل الأحوال أن
الجميع يؤدي دوره حسب موقعه لتحقيق المهمة المطلوبة فيما يخص إنهاء الوجود
الإسلامي في المنطقة.
اقرأ أيضًا:
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل