; فضل الدعوة إلى الله القسم الثاني | مجلة المجتمع

العنوان فضل الدعوة إلى الله القسم الثاني

الكاتب الشيخ عبد العزيز بن باز

تاريخ النشر الثلاثاء 15-مارس-1977

مشاهدات 78

نشر في العدد 341

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 15-مارس-1977

كيفية الدعوة

أما كيفية الدعوة وأسلوبها فقد بينها الله عز وجل في كتابه الكريم وفيما جاء في سنة نبيه عليه الصلاة والسلام ومن أوضح ذلك قوله جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ﴾. (النحل: 125) فأوضح سبحانه الكيفية التي ينبغي أن يتصف بها الداعية ويسلكها. يبدأ أولًا بالحكمة والمراد بها الأدلة المقنعة الواضحة الكاشفة للحق والداحضة للباطل ولهذا قال بعض المفسرين المعنى بالقرآن لأنه الحكمة العظيمة لأن فيه البيان والإيضاح للحق بأكمل وجه وقال بعضهم معناه بالأدلة من الكتاب والسنة وبكل حال فالحكمة كلمة عظيمة معناها الدعوة إلى الله بالعلم وبالبصيرة والأدلة الواضحة المقنعة الكاشفة للحق والمبينة له، وهي كلمة مشتركة تطلق على معان كثيرة تطلق على النبوة وعلى العلم والفقه في الدين وعلى العقل وعلى الورع وعلى أشياء أخرى وهي في الأصل كما قال الشواني رحمه الله: الأمر الذي يمنع عن السفه هذه هي الحكمة، والمعنى أن كل كلمة وكل مقالة تردعك عن السفه وتزجرك عن الباطل فهي حكمة، وهكذا كل مقال واضح صريح صحيح في نفسه فهو حكمة، فالآيات القرآنية أولى بأن تسمى حكمة وهكذا السنة الصحيحة أولى بأن تسمى حكمة بعد كتاب الله، وقد سماها الله حكمة في كتابه العظيم كما في قوله جل وعلا: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. (البقرة: 129)

فالأدلة الواضحة تسمى حكمة والكلام الواضح المصيب للحق يسمى حكمة كما تقدم ومن ذلك الحكمة التي تكون في فم الفرس سميت بذلك لأنها تمنع الفرس من المضي في السير إذا جذبها صاحبها بهذه الحكمة.

فالحكمة كلمة تمنع من سمعها من المضي في الباطل وتدعوه إلى الأخذ بالحق والتأثر به والوقوف عند الحد الذي حده الله عز وجل.

فعلى الداعية إلى الله عز وجل أن يدعو بالحكمة ويبدأ بها ويعنى بها. فإذا كان المدعو عنده بعض الجفاء والاعتراض دعوته بالموعظة الحسنة بالآيات والأحاديث التي فيها الوعظ والترغيب.

فإن كان عنده شبهه جادلته بالتي هي أحسن ولا تغلظ عليه، بل تصبر عليه ولا تعجل ولا تعنف، بل تجتهد في كشف الشبهة وإيضاح الأدلة بالأسلوب الحسن هكذا ينبغي لك أيها الداعية أن تتحمل وتصبر ولا تشدد، لأن هذا أقرب إلى الانتفاع بالحق وقبوله وتأثر المدعو وصبره على المجادلة والمناقشة، وقد أمر الله جل وعلا موسى وهارون لما بعثهما إلى فرعون أن يقولا له قولًا لينًا وهو أطغى الطغاة قال الله جل وعلا: في أمره لموسى وهارون:﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾. (طه: 44). وقال الله سبحانه في نبيه محمد- عليه الصلاة والسلام: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ ﴾. الآية (آل عمران: 159) فعلم بذلك أن الأسلوب الحكيم والطريق المستقيم في الدعوة أن يكون في ذلك حكيمًا في الدعوة بصيرًا بأسلوبها لا يعجل ولا يعنف، بل يدعو بالحكمة وهي المقال الواضح المصيب للحق من الآيات والأحاديث وبالموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، هذا هو الأسلوب الذي ينبغي لك في الدعوة إلى الله عز وجل.

أما الدعوة بالجهل فهذا يضر ولا ينفع. كما يأتي بيان ذلك إن شاء الله عند ذكر أخلاق الدعاة لأن الدعوة مع الجهل بالأدلة قول على الله بغير علم وهكذا الدعوة بالعنف والشدة ضررها أكثر. وإنما  الواجب والمشروع هو الأخذ بما بينه الله عز وجل في آية النحل وهي قوله سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾. الآية (سورة النحل: 125) إلا إذا ظهر من المدعو العناد والظلم فلا مانع من الإغلاظ عليه كما قال الله سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ﴾. الآية (التوبة: 73) وقال تعالى ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ ﴾. (العنكبوت: 46) أما الشيء الذي يدعى إليه ويجب على الدعاة أن يوضحوه للناس كما أوضحه الرسل- عليهم الصلاة والسلام- فهو الدعوة إلى صراط الله المستقيم وهو دين الله الحق، هذا هو محل الدعوة كما قال سبحانه: «ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ» فسبيل الله جل وعلا هو الإسلام وهو الصراط المستقيم وهو دين الله الذي بعث به نبيه محمدًا- عليه الصلاة والسلام- هذا هو الذي تجب الدعوة إليه لا إلى مذهب فلان ولا إلى رأي فلان، ولكن إلى دين الله إلى صراط الله المستقيم الذي بعث الله به نبيه وخليله محمدًا- عليه الصلاة والسلام- وعلى رأس ذلك الدعوة إلى العقيدة الصحيحة إلى الإخلاص لله وتوحيده بالعبادة والإيمان به وبرسله والإيمان باليوم الآخر وبكل ما أخبر الله به ورسوله، هذا هو أساس الصراط المستقيم وهو الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ومعنى ذلك الدعوة إلى توحيد الله والإخلاص له والإيمان به وبرسله- عليهم الصلاة والسلام- ويدخل في ذلك الدعوة إلى الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسله مما كان وما يكون من أمر الآخرة وأمر آخر الزمان وغير ذلك. ويدخل في ذلك أيضًا الدعوة إلى ما أوجب الله من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت إلى غير ذلك، ويدخل أيضًا في ذلك الدعوة إلى الجهاد في سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأخذ بما شرع الله في الطهارة والصلاة والمعاملات والنكاح والطلاق والجنايات والنفقات والحرب والسلم وفي كل شيء، لأن دين الله عز وجل دين شامل يشمل مصالح العباد في المعاش والمعاد ويشمل كل ما يحتاج إليه الناس في أمر دينهم ودنياهم، ويدعو إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال وينهي عن سفاسف الأخلاق وعن سيئ الأعمال، فهو عبادة وقيادة، يكون عابدًا ويكون قائدًا للجيش، عبادة وحكم، ويكون عابدًا مصليًا صائمًا ويكون حاكمًا بشرع الله منفذًا لأحكامه عز وجل. عبادة وجهاد يدعو إلى الله ويجاهد في سبيل الله من خرج عن دين الله.

 مصحف وسيف: يتأمل القرآن ويتدبره وينفذ أحكامه بالقوة ولو بالسيف إذا دعت الحاجة إليه. سياسة واجتماع فهو يدعو إلى الأخلاق الفاضلة والأخوة الإيمانية والجمع بين المسلمين والتأليف بينهم كما قال جل وعلا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ﴾. (آل عمران: 103) فدين الله يدعو إلى الاجتماع وإلى السياسة الصالحة الحكيمة التي تجمع ولا تفرق تؤلف ولا تباعد تدعو إلى صفاء القلوب واحترام الإخوة الإسلامية والتعاون على البر والتقوى والنصح لله ولعباده وهو أيضًا يدعو إلى أداء الأمانة والحكم بالشريعة وترك الحكم بغير ما أنزل الله عز وجل كما قال سبحانه ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ﴾. (النساء: 58) وهو أيضًا سياسة واقتصاد: كما أنه سياسة وعبادة وجهاد فهو يدعو إلى الاقتصاد الشرعي المتوسط ليس رأسماليًا غاشمًا ظالمًا لا يبالي بالحرمات ويجمع المال بكل وسيلة وبكل طريق وليس اقتصادًا شيوعيًا إلحاديًا لا يحترم أموال الناس ولا يبالي بالضغط عليهم ولا يظلمهم والعدوان عليهم، فليس هذا ولا هذا بل هو وسط بين الاقتصادين ووسط بين الطريقين وحق بين الباطلين، فالغرب عظموا المال وغلوا في حبه وفي جمعه حتى جمعوه بكل وسيلة فيه ما حرم الله عز وجل، والشرق من الملحدين من السوفييت ومن سلك سبيلهم لم يحترموا أموال العباد بل أخذوها واستحلوها ولم يبالوا بما فعلوا في ذلك بل استعبدوا العباد واضطهدوا الشعوب وكفروا بالله وأنكروا الأديان وقالوا لا إله والحياة مادة؛ فلم يبالوا بهذا المال ولم يكترثوا من أخذه بغير حله ولم يكترثوا بوسائل الإبادة والاستعباد والحيلولة بين الناس وبين ما فطرهم الله عليه من الكسب والانتفاع والاستفادة من قدراتهم ومن عقولهم وما أعطاهم الله من الأدوات، فلا هذا ولا هذا، فالإسلام جاء بحفظ المال واكتسابه بالطرق الشرعية البعيدة عن الظلم والغشم والربا وظلم الناس والتعدي عليهم كما جاء باحترام الملك الفردي والجماعي، فهو وسط بين النظامين وبين الاقتصادين وبين الطريقين الغاشمين فأباح المال ودعا إليه ودعا إلى اكتسابه بالطرق الحكيمة من غير أن يشغل كاسبه عن طاعة الله ورسوله وعن أداء ما أوجب الله عليه، ولهذا قال عز وجل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾. (النساء: 29) وقال النبي عليه الصلاة والسلام «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» وقال: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا». وقال عليه الصلاة والسلام: «لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من سؤال الناس أعطوه أو منعوه» وسئل- صلى الله عليه وسلم- أي الكسب أطيب فقال: «عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور». وقال- عليه الصلاة والسلام: «ما أكل أحد طعامًا أفضل من أن يأكل من عمل يده وكان نبي الله داود يأكل من عمل يده».

الرابط المختصر :