; فضل وجوب تبليغ الدعوة إلى الله: دليل وجوب التبليغ من القرآن الكريم | مجلة المجتمع

العنوان فضل وجوب تبليغ الدعوة إلى الله: دليل وجوب التبليغ من القرآن الكريم

الكاتب عبدالله ناصح علوان

تاريخ النشر الثلاثاء 24-ديسمبر-1985

مشاهدات 48

نشر في العدد 747

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 24-ديسمبر-1985

● الدعوة إلى الإسلام أصبحت في هذا العصر فريضة شرعية وضرورة حتمية على كل من نتسب إلى أمة الإسلام. 

● إذا لم تقم هذه الأمة بمسؤوليتها في التزام منهج الله فإن الله سبحانه وتعالى يعرض عنها ويتخلى عن نصرتها.

في هذه الحلقة سوف تعلم -أخي الداعية- عظم مسؤوليتك في إقامة حكم الله في الأرض، وضخامة أمانتك في التغيير والإنقاذ والإصلاح والهداية.. وعلى الله قصد السبيل، ومنه نستمد العون والتوفيق.

اعلم -رحمك الله- أن الدعوة إلى الإسلام أصبحت في هذا العصر فريضة شرعية، وضرورة حتمية على كل من انتسب إلى أمة الإسلام شيبًا وشبابًا، رجالًا ونساء، حُكامًا ومحكومين، خاصة وعامة .. كل يقوم بهذه المهمة على حسب حاله، وحسب طاقته، وحسب إیمانه، وحسب تحسسه بواقع المسلمين، وأحوال المجتمعات البشرية..

والأصل في هذه الوظيفة الدعوية العامة قوله تبارك وتعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: 71).

والقاعدة في هذه المهمة التبليغية الشاملة قوله جل جلاله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: ۱۱۰) .

وعبارة «كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ» في الآية تشمل المسلمين جميعًا على اختلاف أجناسهم وألوانهم ولغاتهم ومستوياتهم.. وعبارة «أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ» في الآية نفسها تعبير يلفت النظر -كما قال الشهيد سيد قطب- حيث يشير إلى اليد الخالفة المُدبرة التي أخرجت أمة الإسلام من ستار الغيب إخراجًا، ودفعتها إلى الظهور وإثبات الذات دفعًا.. لتبلغ دعوة الله في العالمينّ!!. ولا شك أن هناك نصوصًا كثيرة من القرآن والسُنة وعمل الأمة تدل دلالة قطعية على حتمية التبليغ، وفريضة الدعوة تقتطف طاقة منها وبالله التوفيق: فمن نصوص القرآن الكريم. 

أ- قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 104).

فاللام في قوله تعالى: «وَلْتَكُن» للأمر، والأمر يقتضي الوجوب، «وأُمَّةٌ» في الآية يقصد منها -كما يدل عليه السياق- طائفة من العلماء والدعاة.. موظفة لمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وساهرة على حراسة الرأي العام في كل بقعة من المجتمع الإسلامي.. وإن كان ذلك واجبًا -في الأصل- على كل فرد من الأمة، كل على حسب طاقته واستعداده وإيمانه.. 

يقول «ابن كثير» رحمه الله في تفسير هذه الآية: «والمقصود من هذه الآية أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجبًا على كل فرد من الأمة، كل بحسبه: كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله r: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» وفي رواية: «وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل..»

فالذي تدل عليه الآية: أن تبليغ الدعوة، وحراسة الرأي العام.. واجب على طائفة من العلماء والدعاة الموظفين من قبل الإمام على أعمال الحسبة، وإن كان ذلك واجبًا في الأصل على كل فرد من أفراد الأمة... 

ب- قال تعالى في سورة العصر:﴿وَٱلعَصرِ ، إِنَّ ٱلإِنسَٰنَ لَفِي خُسرٍ ، إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَواْ بِٱلحَقِّ وَتَوَاصَواْ بِٱلصَّبرِ ﴾ (العصر: 1-3)، أقسم الله سبحانه في هذه السورة بالعصر الذي بعث الله فيه نبيه عليه الصلاة والسلام لشرفه على كل العصور، أقسم وأكد: أن جنس الإنسان لفي ضياع وخسران وضلال. إلا من تحقق بالإیمان:

-بالإيمان بالله.

-والتواصي بالحق.

-والتواصي بالصبر.

-والعمل الصالح.

فالذي تدل عليه السورة: أن أي إنسان في هذه الحياة إذا لم يكن مؤمنًا بالله الواحد

الأحد، وإذا لم يكن سالكًا سبيل العمل الصالح، وإذا لم يكن متواصيًا مع المؤمنين بالتمسك بالحق والمجاهرة به، وإذا لم يكن صابرًا على المحنة والبلاء.. راضيًا بما قدر الله عليه.. فإنه يكون لا محالة خاسرًا ضالًا ضائعًا!!

فالدعوة إلى الله إذًا من أوجب الواجبات في نظر الإسلام، بل هي واجبة على كل إنسان كل بحسبه كما سبق ذكره.

ج- وقال تعالى في سورة التوبة: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ (التوبة: 71). وقال سبحانه في السورة نفسها: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ (التوبة: 67).

ومما يستفاد من النصين: أن الله سبحانه ميز بين المؤمنين والمنافقين في مسألة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. قال القرطبي في تفسيره: «فجعل الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرقًا بين المؤمنين والمنافقين، فدل على أن أخص أوصاف المؤمنين: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورأسها: الدعاء إلى الإسلام». 

ودل على أن أخص أوصاف المنافقين: «الأمر بالمنكر، والنهي عن المعروف، ورأسها: الدعاء إلى الكفر»، فهذا التمييز بين المؤمنين والمنافقين في مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، -كما يبدو من الآيات- دليل قاطع على أن تبليغ الدعوة على سبيل الوجوب، لسِمة هذه الأمة بالإيمان والخيرية والتبليغ.. فإذا تخلت عن سمتها وخصيصتها فإنها تتسم بصفات المنافقين، وتنحدر إلى أخلاق اليهود المجرمين أعاذ الله هذه الأمة منهم!!

د- وقال تعالى في سورة آل عمران: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً ۗ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ، يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَٰئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (آل عمران: 113-114).

وقد سرد الإمام الغزالي هذه الآيات وعقب عليها وقال: «فلم يشهد لهم بالصلاح بمجرد الإيمان بالله واليوم الآخر، حتى أضاف إليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، وقد نزلت هذه الآية -كما ذكر ابن كثير- فيمن أمن من أخبار أهل الكتاب: كعبد الله بن سلام، وأسد بن عبيد، وثعلبة بن شعبة، وغيرهم، وأصبح معنى الآية:

لا يستوي من تقدم ذكرهم من أهل الكتاب بالذم والإجرام، وبين من أسلم منهم وأقروا بالإيمان، بل الذين أسلموا منهم كانوا مستقيمين يتلون كتاب الله، ويقيمون الصلاة، ويؤمنون باليوم الآخر، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين..

ومما نستفيده من هذا النص: أن من انتظم في أمة الإسلام عليه أن يعمل على مقتضى المنهج الذي رسمه الله لأبناء هذه الأمة، وأن من مفردات هذا المنهج: تبليغ دعوة الله المتمثلة بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.. وأن من قصر في هذا الحق يكون آثمًا!!

هـ- وقال تعالى في سورة المائدة: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ، كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ (المائدة: 78- 79).

يخبر الله سبحانه في هاتين الآيتين أنه لعن الكافرين من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم بسبب عصيانهم لله، واعتدائهم على خلقه.. وكانوا أيضًا لا ينهى أحد منهم أحدًا عن ارتكاب المآثم والمحارم، بل كانوا يخالطون أهل المعاصي، ويجلسون معهم ويرضون بمنكرهم!! 

وهذا ما بينه الرسول صلوات الله وسلامه عليه في الحديث الذي رواه الإمام أحمد: «لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهاهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم، وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم. ومما يدل عليه هذا النص القرآني أن أمة الإسلام إذا لم تقم بوظيفة حراسة الرأي العام، ولم تنصح الناس إلى ما فيه خيرهم، ولم تبلغ دعوة الله U، ولم تأمر بالمعروف، ولم تنه عن المنكر.. فإن الله سبحانه يضرب قلوب بعضها ببعض، ويلعنها كما لعن الذين كفروا من بني إسرائيل بسبب إهمالها لواجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وبسبب تساهلها في حق دعوة الله سبحانه، وحراسة الرأي العام المسلم.

و- قال تعالى في سورة الحج: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ، الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾ (الحج: 40-41).

يؤكد الله سبحانه في هاتين الآيتين أنه ينصر من ينصره وذلك في اتباع هداه، وإعزاز دينه، والجهاد في سبيله.. وهؤلاء الذين ينصرون الله U ، لهم في الحياة الدنيا مهمة، وفي مجال العمل التبليغي رسالة.. فمهمتهم الأولى حين يمكن الله لهم في الأرض أن يعبدوا الله ويوحدوه.. ورسالتهم الأساسية في إطار هذا التمكين أن يأمروا بالمعروف، وينهوا عن المنكر، ويدعوا الناس إلى الخير.. فهذه هي مهمتهم، وتلك هي رسالتهم، فلا يجوز أن يتساهلوا فيها، ويتخلوا عنها حتى يستأهلوا نصر الله U، وحتى يزيدهم الله في الأرض عزة وقوة وتمكينًا. وإذا حادوا عن تحقيق هذه المهمة، وتقاعسوا عن أداء هذه الرسالة فإن الله سبحانه يجعل بأسهم بينهم شديدًا، ويسلط عليهم عدوهم فيستنفد بعض ما في أيديهم، ويزيدهم في الحياة ذلة ووهنًا وتمزيقًا..

ومما يوجه إليه هذا النص القرآني: أن هذه الأمة إذا لم تقم بمسؤوليتها في التزام منهج الله U، وإذا لم تؤد رسالتها في التبليغ والدعوة.. فإن الله سبحانه يعرض عنها، ويتخلى عن نصرتها، ويذيقها وبال أمرها، ويبدلها من بعد أمن خوفًا، ومن بعد عزة ذلة.. وسوف تبقى على هذه الحالة المتردية حتى تعود إلى هدى ربها، وأصالة دينها..

ولينصرن الله من ينصره، إلى غير ذلك من هذه النصوص القرآنية المستفيضة التي تدل على وجوب تبليغ الدعوة في أرض الله.

تلكم -أيها الإخوة- أهم النصوص القرآنية التي تؤكد لكل مسلم في هذه الحياة على وجوب تبليغ دعوة الله في الأرض، وحتمية نشر الإسلام في العالمين.

فاحرص -أخي المسلم في كل مكان- على أن تكون من الرجال العاملين، والدعاة المخلصين على أن تحدث في المجتمع تغييرًا وإصلاحًا.. وعلى أن تسهم في بناء مستقبل إسلامي أفضل يكون الحكم فيه لله جل جلاله، والعزة للإسلام وحده.

أما عن دليل وجوب التبليغ من السُنة فسيكون الحديث عنه في العدد القادم.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الرابط المختصر :