العنوان فــــي التاريخ .. فكرة ومنهاج.. الشروط الموضوعية.. لكتابة التاريخ الإسلامي
الكاتب الأستاذ سيد قطب
تاريخ النشر الثلاثاء 03-ديسمبر-1974
مشاهدات 41
نشر في العدد 228
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 03-ديسمبر-1974
فــــي التاريخ .. فكرة ومنهاج
الشروط الموضوعية.. لكتابة التاريخ الإسلامي:
●منهج متميز عن المنهج الغربي في التقويم والتحليل
●اصطحاب التصور الإسلامي في الكليات والجزئيات
●رجال عُلماء أمناء ، محصنون عقائديًا وفكريًا ومنهجيًا
●جعل المراجع العربية المعتبرة في المراجع الأولى والأساسية
● القدرة على توثيق الروايات والموازنة الدقيقة بينها
●التفريق بين أخطاء البشر وقيم الإسلام تجنبًا للخلط في الأحكام
للأستاذ الشهيد: سيد قطب
أشارت »المجتمع«، في عددها المـاضي إلى البحث الذي نشره الأستاذ سيد قطب في مجلـة »المسلمون« القاهرية سنة ١٩٥١ ويسرنا إعادة نشره ليكون بين يدي المهتمين بكتابة التاريخ الإسلامي..
في دراسة سيد قطب هذه منهج علمي واضــح ومحدد لإعادة كتابة التاريخ الإسلامي.
لقد طرحت الدراسة ثلاث ركائــز أساسيـة يصاغ التاريخ الإسلامي على ضوئها من جديد.
• الركيزة الأولى هي: التصور الإسلامي. فمن المستحيل أن يرى التاريـخ الإســلامي رؤيـة صادقة صحيحة علمية موضوعية إلا من خـــلال التصور الإسلامي السليم.
• الركيزة الثانية– وهي مرتبطة بالأولى: الرجال الذيـــن يعيشون الإسلام ويدركــون إيحاءاته وفعاليته في التغيير والتبديل والتوجيه التربوي والعقائدي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والعسكري.
ومن هنا فإنه لأمر مناقض لأصغر بديهيات العلم أن يتصدى لكتابة التاريخ الإسلامـــي رجال لا تتوفر فيهم هذه الشروط.
مثلًا.. الأستاذ سيد قطب- رحمه الله- يؤكد- بحق- أن »الروحية الغيبية« عنصر مهم جدا يجب أن يراعى في كتابة التاريــخ الإسلامي. لأن هذه الروحية الغيبية كان لها دورها الرئيسي في توجيه البواعث والجهود وصناعة الأحداث والناس.
بينما نجد شخصًا كالدكتور محمد ربيــع- أستاذ بجامعة الكويت- كرس وقته للسخرية من الإيمان بالغيب. وفي نفس الوقت يتصدى لكتابة تاريخ الإسلام حسب زعمه في »الرأي العام«28/11/1974.
إن الكفر بموجة رئيسي وفعال في التاريخ الإسلامي- هو الإيمان بالغيب– يعبر في عالم الأخلاق عن عدم الصدق وعدم الأمانة. ويعبر في دائرة العلم عن عجز حقيقي وذريع في التصور والفهم والإدراك.
• الركيزة الثالثة هي: منهج التوثيق بشروطه الإسلامية ومعاييره الإسلامية.
وتجري الآن محاولات في جامعــة الكويــت لإعادة كتابة التاريخ الإسلامي.
ونحن نقدم هذه الدراسة ونطرحها كقاعدة لأي عمل يتم في هذا الموضوع.
ولأن الدراسة علمية وأمينة ووافية فإن تبنيها تعبر عن النية الحسنة.. والهدف النبيل.
خاصــة وأن التاريخ الإسلامي أمر يتعلــق بدين ويهم أمة كاملة هي أمة الإسلام.
التاريخ ليس هو الحوادث، إنما هــو تفسير هذه الحوادث، واهتداء إلى الروابط الظاهرة والخفية التي تجمع بين شتاتها، وتجعل منها وحدة متماسكة الحلقـــات، متفاعلة الجزئيات، ممتدة مع الزمن والبيئة امتداد الكائن الحي في الزمان والمكان.
ولكي يفهم الإنسان الحادثة ويفسرها، ويربطها بما قبلها وما تلاها، ينبغي أن يكون لديه الاستعداد لإدراك مقومــات النفس البشرية جميعها: روحية وفكرية وحيوية ومقومات الحياة البشرية جميعها: معنوية ومادية. وأن يفتح روحه وفكره وحســـه للحادثة ويستجيب لوقوعها في مــداركه ولا يرفض شيئًا من استجاباته لها إلا بعد تحرج وتمحيص ونقد.
فأما إذا كان يتلقاها بادئ ذي بدء وهـو معطل الروح أو الفكر أو الحس عن عمد أو غير عمد- فإن هذا التعطيل المتعمد أو غير المتعمد، يحرمه استجابة معينة للحادثــة التاريخية أي أنه يحرمه عنصرًا من عناصر إدراكها وفهمها على الوجه الكامل. ومن ثم يجعل تفسيره لها مخطئًا أو ناقصًا.
هذه الاستجابة الناقصة هي أول ظاهــرة تتسم بها البحوث العربية عن الموضوعــات الإسلامية، ذلك أن هنـــاك عنصرًا ينقض الطبيعة الغربية- بصفة عامة- لإدراك الحياة الشرقية بصفة عامة والحياة الإسلامية علــى وجه الخصوص.. عنصر الروحية الغيبية– وبخاصة في العصور الحديثة بعد غلبـــــة النظريات المادية، والطريقة التجريبيــة على وجه أخص– وكلما كانت هذه الموضوعات الإسلامية ذات صلة وثيقة بالفترة الأولى من حياة الإسلام كان نقص الاستجابة إليها أكبر في العقلية الغربية الحديثة.
وقد ذكرت عنصر الروحية الغيبية علـــى وجه التخصيص لأنه اظهر ما يبدو فيه هــذا النقص في الطبيعة الغربية، وفيه تكمن معظم أوجه الاختلاف بين الطبيعتين و هي شتـــي وكثيرة.
هذه المقدمة الصغيرة لا بد منها لبيان ما في تناول المؤرخين الغربيين للتاريخ الإسلامي من نقص طبيعي في الادراك، ونقص طبيعي فــي الفهم، ونقص طبيعي في التفسير والتصوير. فانعدام عنصر من عناصر الاستجابة للحادثة أو ضعفه، لا بد أن يقابله نقص في القدرة على النظر إلى الحادثة من شتى جوانبها. وضياع عنصر من عناصر التقويم والحكم، لا يؤمن معه سلامة هذا الحكم أو على الأقل لا يسلم على علاته.
هذا النقص يعد عيبًا في منهج العمـــل التاريخي ذاته، وليس مجرد خطأ جزئي في تفسير حادثة أو تصوير حالة. ومن ثـم فالمنهج الأوروبي في البحث يسبب تعطيل أحد عناصر الاستجابة سواء كان ذلك ناشئًا عن الطبيعة الغربية ذاتها وملابسات حياتهــا البيئية والتاريخية، أو ناشئًا عن تعمـد المؤرخ الأوروبي تعطيل هذا العنصر، استجابة لمنهج معين في الدراسة. هذا المنهج غير صالح لتناول الحياة الإسلامية بل لتناول الحيــاة الشرقية على وجه العموم. ولكن عـــــدم الصلاحية يتجلى في جانب الدراسات الإسلامية أوضح وأقوى.
وثمة سبب للشك في قيمة الدراســـــات التاريخية الغربية للحياة الإسلامية.
ذلك أنه لا يخفى أن كل مـــرئي يختلف شکله باختلاف زاوية الرؤية. وكذلك الشأن في الأحداث والوقائع. والأوروبي بطبيعته ميال إلى اعتبار أوروبا هي محور العالم، فهي نقطة الرصد في نظره، ومن هذه الزاوية ينظر إلى الحياة والناس والأحداث. ومــن هنا تتخذ في نظره أشكالًا معينة ليس مـــن يملك الجزم بأنها أصح الأشكال، وهـــو يدركها في هذه الأوضاع ويفسرها ويحكم عليها كما يراها.
وإذا كان بديهيًا أن أوروبا لم تكن هي محور العالم في كل عصور التاريخ، وكان الأوروبي لا يملك اليوم أن يتخلص من وهم وضعها الحاضر حين ينظر إلى الماضي.. ادرکنا مدى انحراف الزاوية التي ينظر بها الأوروبي للحياة الإسلامية التاريخية، ومدى أخطاء الرؤية التي يضطر إليها اضطرارًا، ومدى أخطاء التفسير والحكم الناشئة من هـــذه الرؤية المعينة.
ذلك كله على افتراض النزاهة العلمـــية المطلقة، وانتقاء الاسباب التي تؤثر علـى هذه النزاهة، فإذا نحن وضعنا في الحسـاب ما لا بد من وضعه، وما لا يمكن جديًا إغفاله من أسباب ملحة قاهرة عميقة طويلة الأجل، متجددة البواعث تؤثر في نظـــرة الأوروبي للإسلام، وللحياة الإسلامية، وللعالم الإسلامي. من اختلاف في العقيدة ، إلــى كراهية لهذا الدين وأهله، إلى ذكــريات تاريخية مريرة في الأندلس وفي بيت المقدس وفي الاستانة، وفي ســـواها، إلى صراع سياسي واقتصادي واستعماري، إلى نزوات شخصية والتواءات فكرية.. إلى آخر تلك البواعث القديمة المتجددة أبدا.
إذا نحن وضعنا في الحساب ذلك كله– ولا بد أن نضعه لنضع الأمور في نصابها- وأضفنا إليه خطأ الرؤية.. امكن أن نقدر قيمة الدراسات الأوروبية في الحقل الإسـلامـي- وبخاصة في التاريخ- قدرها الصحيح، وأن نتحرز التحرز العلمي الواجب لا من قبول هذه الدراسات على علاتها، بل مــن قبول المنهج الذي قامت عليه، أو محاولة اتباعه في دراساتنا الإسلامية على وجـــه خـــــاص.
إن التاريخ الإسلامي يجب أن تعاد كتابته على أسس جديدة وبمنهج آخر.
إن هذا التاريخ موجود اليوم في صورتين: صورته في المصادر العربية القديمة، وهذه من التجوز الشديد أن تسمى تاريخاً. بل هي لا يمكن أن تحمل هذا الاسم. فهي نثار من الحوادث والوقائع والحكايات والأحاديث والنتف والملح والخرافات والأساطير والروايات المتضاربة والأقوال المتعارضة على كل حال.. وإن كانت بعد ذلك كله غنية كمصــدر تاريخي بالمواد الخامة التي تسعف من يريد الدراسة ويوهب الصبر ويحاول الغربلة.. بالمواد الأولية اللازمة له في بناء هيكــل التاريخ.
وصورته في المصادر الأوروبية– وبخاصــة في أعمال المستشرقين– وهي الصورة التي تحدثنا من قبل عنها، وألقينا عليها في إجمال بعض الاضواء. وهي تعتمد في جملتها على المصادر العربية القديمة. وهي علـى ترتيبها وتنسيقها تتسم بتلك السمات التي لا تطمئن الباحث الواعي إليها. وهي في أحسن صورها دراسة من الظاهر للحيــاة الإسلامية– إذا صح هذا التعبير– وخير ما فيها هو الجهد في جمع النصوص وتحريرها وتنسيقها والموازنة بين الروايات المختلفة من ناحية السند الخارجي، لا من ناحية الإدراك الداخلي. لأن هذا الإدراك هو الذي يحتاج الى تلك الحاسة الناقصة في شعور الغربيين تجاه الحياة الإسلامية كما أسلفنا، فضلًا عن الغرض في كثير من الأحيان والهوى، مما يخل بنزاهة الموازنة، فضلًا عن فقد عنصر التجاوب الكامل مع المؤثرات جميعًا.
هناك أجزاء لم تتم من صورة ثالثة للتاريخ الإسلامي- لم نشأ أن نعتبرها في الفقرتين السابقتين، لأنها- فضلًا على كونها أجزاء معدودة- لا تزيد على أن تكون ظلالًا باهتة أو كاملة للدراسات الأوروبية، حتى وهــي تناقش احيانًا او تعارض هذه الدراســـات.
فهي أولًا: تتبع المنهج الغربي في صميمه دون زيادة، وهي ثانيًا : تستمد عناصرها من الدراسات الغربية في الغالب، وهي ثالثًا: متأثرة بالإيحاءات الغربية من ناحية زاوية الرؤية. فهي لا تقف في المركز الإســــلامي لتطل منه على تلك الحياة، لأنها ليست من القوة والأصالة بحيث تجد نفسها في خضــم الثقافات الغربية، لتفهم الإسلام بعقليــة أصيلة وعلى ضوء كذلك أصيل. والعقليـة التي تحكم على الحياة الإسلامية ينبغي أن تكون في صميمها إسلامية مشربة بالــروح الإسلامي، لكي تدرك العناصر الأساسية فـي هذه الحياة، وتحسبها، وتتجاوب معها، فتستكمل كل عناصر التفسير والتقدير.
يجب إذن أن تعاد كتابة التاريخ الإسلامي على أسس جديدة وبمنهج آخر. يجب أن ينظر إلى الحياة الإسلامية من زاوية جديدة، وتحت أضواء جديدة. لكي تعطي كل أسرارها وإشعاعاتها، وتنــكشف بكل عناصرهـــا ومقوماتها..
في هذه الدراسة الجديدة يجب أن تــكون المصادر العربية هي المرجع الأول، والدراسات الغربية هي المرجع الثاني. على أن ينتفع من هذا المرجع الأخير، بتحرير النصــوص وتنسيقها، وببعض الموازنات بين شتى الروايات من جهة السند، ولا شيء بعد ذلك أبدا. فبقية العمل يجب أن تكون ذاتيـة بحتة، غير متأثرة إلا بمنطق الحوادث ذاتها بعد أن يعيش الباحث بعقله وروحه وحـسـه في جو الإسلام كعقيدة وفكرة ونظام. وفي جو الحياة الإسلامية كقطعة من حياة البشريـــة الواقعية. وهذه الحياة في هذا الجـــو ضرورية جدًا لتفتح نوافذ إدراكه جميعًا، لا لفهم تلك الحياة فحسب، بل لإدراكها ككائن حي، وإدراك مواقع الحوادث والوقائع في جسم هذا الكائن الحي.
وإنه ليعز على الباحث في أية فترة من الحياة الإنسانية أن يدركها إدراكًا حقيقيًا داخليًا، إلا أن يتجاوب معها بكل ذاتيته، وأن يعيش في جوها بكامل مؤثراتها وإيحاءاتها، فليست هذه خصيصة قاصرة على الحيــاة الإسلامية. وإن كانت أكثر وضوحًا بالقياس إلى الحياة الإسلامية، لأن مقومات هــذه الحياة تختلف في کثير من أنواعها وماهياتها عن مقومات الفترة الحاضرة وبخاصة في العالم الأوروبي.
وإنه ليصعب أن نتصور إمكان دراســة الحياة الإسلامية كاملة دون إدراك کامل لروح العقيدة الإسلامية ولطبيعة فكرة الإسلام عن الكون والحياة والإنسان، ولطبيعة استجابة المسلم لتلك العقيدة وطريقته في الاستجابة للحياة كلها في ظل تلك العقيدة. وهـــذه الخصائص كلها لا يمكن أن تطلب عند باحــث غير عربي بوجه عام، ولا عند غير مسلم على وجه التخصيص، وهي الخصائص التي لا بد من توافرها عند إعادة كتابة التاريخ الإسلامي.
أنه لا بد من إدراك البواعث الحقيقية لتصرفات الناس في خلال هذه الحيـــاة التاريخية الإسلامية وعلاقة هذه البواعث بالحوادث والتطور والانقلابات. ولا بد من ربط هذا كله بطبيعة الفكرة الإسلامية وما فيها من روح انقلابية ثورية- لا في شكلها الخارجي وخطواتها العملية فحسب– ولكن في تفسيرها للعلاقات الكونية والعــلاقات الإنسانية والعلاقات الاجتماعية. وفي تصويرها لنظام الحكم وسياسة المال وطرق التشريع ووسائل التنفيذ إلخ. وهي كلها من مقومات الحياة وبالتالي من مقومات التاریخ لهذه الحياة.
إن المعارك الحربية والمعاهدات السياسية والاحتكاكات الدولية.. وما إليها، مما يعني به التاريخ غالبًا أكثر من سواه.. إنها كلها محكومة بعوامل آخري هي التي يجب أن تبرز عند كتابة التاريخ.. هذه العوامل هي التي يختلف الباحثون في إدراكها وتقديرها، كل يخضع للفلسفة التي تسيطر على تفكيره وتقديره، أي لطريقة إدراكه للحياة في عمومها، وللباحث المسلم مزية هنا في دراسة الحياة الإسلامية، لأن طريقة إدراكه للحياة تمت بصلة إلى حقيقة هذه العوامل المؤثرة في سير التاريخ. ومن ثم فهو اقدر فى التلبس بها واستبطانها، والاستجابة لها استجابة كاملة صحيحة.
وعلى ضوء إدراكه لطبيعة العقيدة الإسلامية وطريقة استجابة المسلمين لها، يستطيع أن يزن دوافع الحياة الإسلامية في تلك الفترة التاريخية والقيم الإنسانية الكامنة فيها وأسباب النصر والهزيمة في كل خطوة. وأن يتصور الحياة الظاهرة والباطنة لتلك الجماعات الإنسانية في مهد الإسلام الأول وفي البلاد التي انساح فيها، فيضم إلى الجوانب الظاهرة التي لا يدرك الغربيون سواها في الغالب، كل الجوانب الروحية الخفيفة التي يعدها الإسلام واقعًا من الواقع، ويحسب لها حسابها في سير الزمان وتشكل الحياة في كل زمان ومكان.
ولما كانت الحياة الإسلامية فترة من الحياة البشرية، والمسلمون جماعة من بنى الإنسان في حيز من الزمان والمكان والإسلام رسالة كونية بشرية غير محدودة بالزمان والمكان.
فإن التاريخ الإسلامي لا يمكن فصله من التاريخ الإنساني. وقد تأثرت تلك الفترة- من غير شك- بتجاوب البشرية كلها من قبل، وبخاصة تلك العوامل التي كانت واقعة عند مولد الإسلام، ثم أثرت بدورها في تجارب البشرية من بعد وبخاصة تلك الجهات التي امتدت إليها أو جاورتها.
فلا بد إذن عند كتابة التاريخ الإسلامي من الإلمام بالصورة التي انتهت إليها تجارب الإنسانية قبيل مولد الإسلام والحالة التي صارت إليها المجتمعات البشرية في الأرض وبخاصة من ناحية العقائد الدينية وسائر ما يتعلق بها من أفكار وفلسفات ونظريات.
ومن ناحية الأوضاع الاجتماعية وما يتعلق بها من نظم الحكم وسياسة المال وعلاقات المجتمع والأخلاق والعادات والأفكار. كي تتبين على ضوئها حقيقة دور الإسلام وطبيعته. ويمكن تفسير استجابة العالم لهذا النظام الجديد قبولًا أو رفضًا و تصور أسباب الصراع وعوامل النصر والهزيمة كامة، وعناصر التفاعــل والتدافع والتلاقي والانعكاس على مر الأيام.
وإذا كان الإلمام بوضع العالم إذ ذاك ضروريًا فإن الإلمام بوضع الجزيرة العربية وتصور الحياة فيها من كافة نواحيها أكثر ضرورة بوصفها مهد الإسلام الأول من جهة، ومركز التجمع والانسياح من جهة أخرى.
فهل كانت مصادفة عابرة أن يظهر هــذا الرسول بهذا الدين في هذا الموضع من الأرض في هذا الزمان؟ إن هنالك نظامًــا مقدورًا أو قصدًا مقصودًا وتدبيرًا معينا وترتيبًا موضوعيًا لتلتقي هذه الظواهر كلها حيث التقت كي تؤدي دورًا معينا لیس أقل نتائجه تخطيط خريطة العالم في عالم الظاهر وفى عالم الشعور على هذا الوضع الــذي صارت إليه الأمور منذ ذلك التاريخ البعيد!.
ولعل هذا الخاطر أن يسوق الى دراسة «محمد الرسول» في هذا السياق الكوني للتاريخ. ولعل في شخصه وفي نسبة وفي بيئة حياته وفي تقالید بیئته.. وفي سائر ما يحيط بالفرد الإنساني من مقـــومات.. عوامل مقصودة وموافقات مدبرة وأنها لم تكن مصادفة عابرة أن يشار إليه من بين الجموع البشرية الحاشدة وأن يقال له: انت. فانتدب لهذا الحدث الكوني الــذي لم يسبق ولم يلحق بنظير.
ولعله كذلك أن يسوق إلى دراسة طبيعة هذا الحدث والفكرة الكلية التي يتضمنها
قبل البدء في دراسة الأحداث والانقلابات العالمية التي تمت على أساسها.
وبذلك تتهيأ للقارئ لمثل هذا التاريخ صورة مستكملة الجوانب لكل الأوضاع والأحوال التي نشأت عنها الاستجابات التي وقعت بالفعل في تاريخ الإسلام في الفترة التي تلت ظهوره کما يتهیأ له تفسير هذه الاستجابات تفسيرًا صحيحًا مستكملا لكل عناصر الحكم والتقدير.
وبذلك يستحيل التاريخ عملية استبطان وتجاوب في ضمائر الأشياء والأشخاص والأزمان والأحداث. ويتصل بناموس الكون ومدارج البشرية ويصبح كائنًا حيًا ومادة حياة.
ومتى استقام البحث على ذلك المنهج الذي أسلفنا في »مقدمات التاريخ الإسلامي« وبرزت تلك المقومات الأساسية لطبيعــة الدعوة وطبيعة الرسول، وطبيعة المجتمع الإنساني الذي كان يعاصر مولد الإسلام وطبيعة العقائد والأفكار التي كانت تسوده يوم ذاك.
متى برزت تلك المقومات الأساسية سهل تتبع نشاطها وتفاعلها وصيرورتها، وامكن تصوير وتصور خطوات الدعوة على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، هــــذه الخطوات التي تسير متأثرة في هذا الجيل أن نعرف كيف اختار الرسول رجاله، ومـن أية طينة كان هؤلاء الرجال؟ وكيف صاغ الرسول رجاله وكيف أعدهم للمهمة العظمى؟ وكيف بنى الرسول نظامه وعلى أي الأسس قام هذا النظام الجديد؟ وماذا كان في طبيعتها وفي ظروفها وفى رجالها وبيوتها وعشائرها وفي علاقاتها الاجتماعية وملابساتها الاقتصادية والجغرافية والحيوية.. من استعداد لتلبية هذا الحدث أو معارضته؟. إلى آخر هذه المباحث التي تصور المرحلة الأولى من مراحل حياة الإسلام أو من تاريخ الإسلام والتي تصح تسميتها باسم «الإسلام على عهد الرسول».
ثم تجئ المرحلة الثانية مرحلة «المد الإسلامي» وذلك عندما انساح الإســــلام في مشارق الأرض ومغاربها. وعندما فاض الفيض الانفجاري العجيب الذي لم يعرف له العالم نظيرًا في سرعته وفي قوته. لا من ناحية الفتح العسكري وحده ولكن من ناحية التأثير الروحي والفكري والاجتماعي أيضًا: أي من الناحية الإنسانية الشاملة التي شـهدت تحولًا كاملًا في خط سير التاريخ على مولد هذا الدين الجديد وانتشاره ذلك الانتشار العجيب!.
وهنا تبدو قيمة المنهج الذي أشرنا إليه.
ويمكن تتبع أعمال الهدم والبناء التي قام بها الإسلام في تلك الرقعة الفسيحة التي امتد إليها، وتفاعله مع الأفكار والعقائد التي كانت سائرة فيها، ومع النظم الاجتماعية التي كانت تظللها ومع الظروف الاقتصادية والمخلفات التاريخية والملابسات الإنسانية، في أخصب بقاع الأرض وأكثرها حضارة في ذلك الزمان.
والمد الإسلامي لم يقف عند الحدود التي وصلت إليها فتوحاته العسكرية، فلقد امتدت الموجة الفكرية والحضارة التي كونها إلى ما وراء حدود العالم الإسلامي قطعًا. ولا بد من دراسة آثار هذا المد فيها وراء هذه الحدود. دراستها طردًا وعكسًا في حياة العالم الإسلامي ذاته، وفي حياة العــالم الإسلامي كله. فقد اخذ هذا العالم مــن الإسلام وأعطى وقد تأثر به وأثر فيــه.
ودراسة هذه التفاعلات في ضوء المنهج الذي صورنا خصائصه كفيلة بأن تنشئ صـــورة للعالم الإنساني وخطواته الحية مختلفة قليلًا أو كثيرًا عن الصورة التي اعتاد الغربيون أن يرسموها والتي اعتدنا نحن أن نراها!؟
ثم يجئ دور »انحسار المد الإسلامي«، وعلى ضوء هذا المنهج وضوء دراسة المراحل التاريخية السالفة يمكن أن نتبين أسبــاب هذا الانحسار وعوامله الداخلية والخارجية جميعًا. كم من هذه العوامل من طبيعة العقيدة الإسلامية والنظام الإسلامي؟ ثم هل كان هذا الانحسار شاملًا أم جزئيًا؟ وسطحيًا أم عميقًا؟ وما أثر هذا الانحسار في خط سير التاريخ، وفي تكييفه أحوال البشر وفى قواعد التفكير والسلوك وفي العلاقات الدولية والإنسانية؟ وما وزن الأفكار والنظم والعقائد التي استحدثتها الإنسانية بالقياس إلى نظائرها في الإسلام؟ وماذا كسبت البشرية وماذا خسرت من وراء انحسار المد الإسلامي وظهور هذا المد الأوروبي الذي ما تزال تظلنا بقاياه.
ومن ثم يصبح الحديث »عن العـــالم الإسلامي اليوم« طبيعيًا وفي أوانه، وقائمًا على أسسه الواضحة الصريحة وليس حديثًا تملية العاطفة أو التعصب من هذا الجانب أو ذاك ويصبح التاريخ الإنساني في– ضوء منهجنا الخاص- مسلسل الحلقات متشابك الأواصر، ويتحدد دور الإسلام في هــذا التاريخ في الماضي وفي الحاضر وتتبين خطوطه في المستقبل على ضوء الماضي والحاضر.
ولكن. لماذا تجب إعادة كتابة التاريخ الإسلامي على أساس هذا المنهج وهــــذا النسق وهذا الاتجاه؟
سؤال في وقته المناسب وجوابه ضروري وأسبابه معقولة.
إن هنالك أكثر من داع لإعادة كتابة التاريخ الإسلامي على هذا النهج الجديد لمصلحة الحقيقة ولمصلحة الأمة الإسلامية ولمصلحة العالم الإنساني.
لقد تبين من مقدمات هذا الحديث أن التاريخ الإسلامي الذي بين أيدي الناس في مشارق الأرض ومغاربها أما أنه مبعثر في المراجع العربية القديمة– وهذه يصعـب الانتفاع بها للقارئ المعاصر بصفة عامـة ويتعذر بالقياس إلى غير العارفين باللغة العربية– وما أنه في صورة دراسات منظمة ولكنها معروفة من نقص وقصور- على فرض النزاهة العلمية المطلقة وهو ما لا يمكن ضمانه في حالات كثيرة.
ومن ثم فالحقيقة وحدها تحتم علينا أن نعيد كتابة التاريخ الإسلامي من زاوية أخرى فإن لم تكفل هذه الزاوية رؤية أكمل وأدق وأعمق، فهي على الأقل تكفل توسيع مـدى الرؤية وجوانبها عند موازنتها أو ضمهـا إلى الزاوية الغربية التي يعتمد الناس عليها ونعتمد نحن أيضًا عليها فيما نكتبه في العصر الحديث!
هذه واحدة.. والثانية أننا نحن -الأمة الإسلامية- إنما ننظر الآن إلى انفسنا وإلى سوانا بعدسة صنعتها أيد أجنبية عنا، اجنبية من عقيدتنا وتاريخنا، أجنبية عن مشاعرنا وادراكنا، أجنبية عن فهمنا للأمور واحساسنا بالحياة وتقديرنا للأشياء..
ثم هي بعد ذلك كله -مغرضة- في الغالب– تبغي لنا الشر لا الخير. لأن مطامحها ومطامعها ومصالحها الخاصــة وأهدافها القومية.. كلها تدفع بها دفعًا لأن تبغي لنا الشر، لأن خيرنا لا يتفق مع أطماعها، ولأن مصالحنا تعطل مصالحها.
وحتى على فرض تجرد هذه الأيدي التـي تكتب لنا تاريخنا من الغرض والهوى، فإن أخطاء المنهج الذي تتبعه كفيلة بأن تشــوه الحقائق التاريخية في غير صالحنا.. وصالحنا في أن نرى حقيقة دورنا في تاريخ البشرية وأن نعرف مكاننا في خط ســــير التاريخ وأن نتبين قيمتنا في العالم الإنساني وليس فائدة هذا فائدة نظرية فكرية مجردة بل أنها أكبر من ذلك وأشمل، فعلى ضوئها يمكن أن نحدد موقفنا الحاضر ودورنا المقبل وأن نسير في أداء هذا الدور على هدى ومعرفة بالظروف والعوامل العالمية المحيطة بنـــا وبمقدار الطاقة التي نواجه بها هذه الظروف والعوامل.
ونحن ندرس في مدارسنا ومعاهدنا على وجه الخصوص تاريخًا إسلاميًا مشوهًا وتاريخًــا أوروبيًا مضخمًا لا عن مجرد خطأ غير مقصــود ولكن عن نية مبيتة من الاستعمار الغربي الذي يهمه أن لا نجد في تاريخنا ما نعتز به وأن نرى أوروبا على العكس هي صاحبـــة الدور الأول في التاريخ الإنساني فإذا يئسنا من ماضينا واستعرضنا دورنا في حيــاة البشرية وامتلأت نفوسنا مع ذلك اعجابًا بالدور الذي قامت به أوروبا وإكبارًا للرجل الأبيض.. سهل قيادنا على الاستعمـــار وتطامنت كبرياؤنا القومية، وذلت رقابنا للمستعمرين... وتحت تأثير هذه العوامل كتب التاريخ الذي ندرسه في مدارسنـــا ومعاهدنا بوجه خاص.
وإعادة كتابة التاريخ الإسلامي على النهج والنسق الذي وصفناه هو وحده الكفيل بأن يكشف هذه الأباطيل وأن يثبت حقيقة الدور الذي أداه الإسلام والدور الذي أدته الحضارة الأوروبية بعد ما يصور طبيعة هذا الدين وطبيعة النظام الذي ينبثق منه ومدى ما منح البشرية من الخير والتقدم، وضخامة الدور الذي أداه لبني الإنسان.
والثالثة أنه ليس من مصلحة هذه الإنسانية أن ترى الحياة كلها من زاوية واحدة لا تكشف عن كل جوانبها وأن تسودها فكرة خاطئة عن ماضيها وحاضرها وأن تجهل الدوافع الكاملة لسيرها وتحركها والقيم الأساسية لحياتها وحضارتها.. وأن هذا الجهل لينشئ أخطاء عميقة الأثر لا في التصور والتفكر فحسب، ولكن في علاقات الأمم بعضها ببعض، وفي علاقات الكتل الدولية بعضها ببعض ، كما ينشئ أخطاء بعيدة المدى في تكييف سياسة كل أمة وتوجيهها.
هذه الأخطاء ينشأ معظمها من سوء دراسة التاريخ البشري وسوء تقدير الدور الذي قام به الإسلام والذي يمثله العالم الإسلامي، هذا العالم الذي يمثل وحدة إنسانية تابعة لها كل خصائصها المستقلة، ويمثل قـوة إنسانية ثابتة لا يؤثر ضعفها العســكري الطارئ إلا تأثيرًا عارضًا في وزنها الحقيقي.
ولهذا التصحيح قيمة في حساب المصلحة الإنسانية العامة وكم لأخطاء التاريخ من أثر في إقامة الحواجز بين بعض الأمم وبعض العناصر وبعض الكتل، وكم لها من أثر في سوء تقدير الجماعات للجماعات، والأجناس للأجناس والأفراد للأفراد فضلًا عن ســــوء التقدير للأفراد والمبادئ والحضارات.. وكل هذا يؤدي البشرية في حاضرها ويؤذيها في مستقبلها. ومن واجب القادرين إزالته وازالة آثاره بالتصحيح الواجب والتعريف المستنير.
وبعد فإنه ينبغي أن يقال: إن دراسة من هذا الطراز وعلى هذا النسق لن يكون من برنامجها تناول الحوادث التاريخية بالتسلسل الحرفي والتفصيل الوافي، فوظيفتها الأساسية أشبه بوظيفة الخط البياني يشير ولا يحصى ویرشد ولا يستقصي. وبعبارة أخرى أن وظيفة دراسة من هذا النوع هي محـــاولة إیجاد عقلية تاريخية معينة وصورة تاريخية خاصة تفيد الذين يتناولون الحـــوادث التاريخية بالتفصيل والشخصيات التاريخية بالتحليل.
وما من شك أن استقرار هذا النهج في حقل الدراسات التاريخية سيعين علـى وضوح خصائص الشخصية الإسلامية والدور الإسلامي في حياة البشرية، الأمر الذي من شأنه أن تحلل الشخصيات الإسلامية بـــل الشخصيات الإنسانية في سياق صحيح.
إن قيمة هذا النوع من الدراسة أن يقيم النهج، ويشرع السنن، ويرسم الطريق، فإذا نجح في أداء مهمته كان ذلك توفيقًا أي توفيق «.».
« 1» تألفت جماعة مسلمة لإعادة كتابة التاريخ الإسلامي وفق هذا المنهج وقد قسمت الجماعة حقول البحث إلى المراحل التالية: »مقدمات التاريخ الإسلامي« »الإسلام على عهــــد الرسول» «المد الإسلامي» «الانحدار الإسلامي» «العالم الإســــلامي اليوم« والجماعة مؤلفة من الأساتذة: الشيخ صادق عرجون والدكتور محمد یوسف موســـى والدكتور عبد الحميد يونس والدكتور محمد النجار وسيد قطب ومحيي الدين الخطيب وأبو الحسن الندوي، وعلي الله التوفيق.
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل