; فقه الزكاة.. زكاة كسب العمل والمهن | مجلة المجتمع

العنوان فقه الزكاة.. زكاة كسب العمل والمهن

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 04-يوليو-1978

مشاهدات 90

نشر في العدد 402

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 04-يوليو-1978

يرى بعض العلماء المعاصرين أن كسب العمل والمهن يؤخذ منه زكاة إن مضى عليه حول وبلغ نصابًا. 

والنتيجة من هذا الرأي: أن تؤخذ الزكاة من الرواتب ونحوها عن شهر واحد من اثني عشر شهرًا؛ لأن الذي يخضع للزكاة هو النصاب الثابت في أول الحول وآخره.

تحقيق القول في المال المستفاد:

من المهم أن نحقق حكم المال المستفاد ونصل فيه إلى رأي مقنع لما يترتب عليه من آثار خطيرة.

فأما ما كان فيه المال المستفاد نماء لمال مزكى من قبل، كربح مال التجارة ونتاج الماشية السائمة، فهذا يضم إلى أصله، ويعتبر حوله بحوله، وذلك لتمام الصلة بين النماء والأصل.

وعلى هذا فالذي يملك نصابًا من السائمة أو من أموال التجارة، يزكي آخر الحول الأصل وفوائده جميعًا، وهذا لا كلام لنا فيه.

ويقابل ذلك المال المستفاد إذا كان ثمنًا لمال مزكى لم يحل عليه الحول؛ كما إذا باع محصول أرضه وقد زكاه بإخراج عشره أو نصف عشره، فما استفاده من الثمن لا يزكيه في الحال منعًا للثني في الصدقة، وهو ما يسمى في الضرائب الازدواج؛ وإنما الكلام في المال المستفاد الذي لا يكون نماء لمال عنده، بل استفيد بسبب مستقل كأجر على عمل، أو غلة رأس مال أو هبة، أو نحو ذلك، سواء أكان من جنس مال عنده أم من غير جنسه.

هل يشترط في هذا المال مرور حول كامل عليه في ملك صاحبه منذ استفاده، أو يضم إلى ما عنده من جنسه إن كان عنده مال من جنسه، فيعتبر حوله حوله؟ أو تجب فيه الزكاة حين استفاده إذا تحققت شروط الزكاة المعتبرة من بلوغ النصاب، والسلامة من الدين، والفضل عن الحوائج الأصلية؟

ترجيح القول بتزكية المال المستفاد عند قبضه:

بعد المقارنة بين الأقوال، وموازنة أدلة بعضها ببعض، وبعد استقراء النصوص الواردة في أحكام الزكاة في شتى أنواع المال، وبعد النظر في حكمة تشريع الزكاة، ومقصود الشارع من وراء فرضيتها، والاستهداء بما تقتضيه مصلحة الإسلام والمسلمين في عصرنا هذا، فالذي نختاره: أن المال المستفاد -كراتب الموظف وأجر العامل، ودخل الطبيب والمهندس وغيرهم من ذوي المهن الحرة، وكإيراد رأس المال المستغل في غير التجارة كالسيارات والسفن والطائرات والمطابع والفنادق ودور اللهو ونحوها- لا يشترط لوجوب الزكاة فيه مرور حول، بل يزكيه حين يقبضه.

نصاب كسب العمل والمهن الحرة

إن نصاب النقود هو المعتبر هنا بها الآثار، كما أن الناس يقبضون رواتبهم وإيراداتهم بالنقود، فالأولى 85 جرامًا من الذهب، وهذا القدر يساوي العشرين مثقالًا التي جاءت على ما ترجح، وقد حددناه بما قيمته أن يكون المعتبر هو نصاب النقود.

بقي هنا بحث:

فإن ذوي المهن الحرة يأتيهم إيرادهم غير منتظم، فقد يكون كل يوم كدخل الطبيب، وقد يكون على فترات كدخل المقاول والخياط وهكذا، وبعض العمال يقبضون أجورهم كل أسبوع أو أسبوعين أو شهري.

وهنا نجد أمامنا اتجاهين أو احتمالين:

الأول: أن يعتبر النصاب في كل مبلغ يقبض من الدخل أو المال المستفاد، فما بلغ منه نصابًا كالرواتب العالية، والمكافآت الكبيرة للموظفين والعاملين، والدمغات الكبيرة لذوي المهن الحرة، ففيه الزكاة، وما لم يبلغ نصابًا منها فلا زكاة فيه.

الثاني: هو ضم الدخل أو المال المستفاد على فترات في مدة متقاربة.

ولعل مما يعيننا على تكوين رأي محدد هنا، أن نذكر ما روي عن بعض الفقهاء القائلين بتزكية المال المستفاد وطريقة تزكيته.

كيف يزكى المال المستفاد؟

الذي نرجحه أن ما بلغ من المال المستفاد نصابًا أخذ فيه بما قال الزهري والأوزاعي؛ إما بإخراج الزكاة عقب القبض، وهذا متعين فيمن ليس له مال آخر ذو حول، وإما بتأخيره إلى الحول ليزكى مع بقية ماله، ما لم يخش إنفاقه، وإلا فعليه المبادرة، ولو أنه أنفقه بالفعل كانت زكاته في ذمته وإن كان دون النصاب أخذ فيه بقول مكحول فما وافى الشهر الذي يزكى فيه ماله زكاه معه، وما احتاج إليه في نفقته ونفقة عياله فليس عليه زكاة ما أنفق، فإذا لم يكن له مال آخر يزكيه في وقت معلوم، وكان المستفاد دون النصاب، فلا شيء فيه حتى يتم مع مال آخر له نصاب فيزكيه حينئذ، ويبدأ حوله من هذا الحين.

ومقتضى هذا الترجيح التخفيف عن أصحاب الرواتب الصغيرة التي لا تبلغ نصابًا، وكذلك الدفعات القليلة التي تدفع لذوي المهن الحرة ولا تبلغ الدفعة منها نصابًا.

الزكاة في صافي الإيراد والراتب:

فيؤخذ صافي الإيراد أو الراتب ليطرح منه الدين إن ثبت عليه، ويعفى الحد الأدنى لعيشه ومعيشة من يعوله، فهذا من حاجاته الأصلية.

فما بقي بعد هذا كله من راتب السنة وإيرادها تؤخذ منه الزكاة إذا بلغ نصاب النقود، فما كان من الأجور والرواتب لا يبلغ في السنة نصابًا نقديًّا بعد طرح ما ذكرناه.. كرواتب بعض العمال وصغار الموظفين، فلا تؤخذ منه زكاة.

مقدار الواجب في كسب العمل ونحوه:

إن الدخل الناتج عن رأس المال وحده، أو رأس المال والعمل معًا، كإيراد المصانع والعمائر والمطابع.. إلخ، فيه العشر من الصافي بعد النفقات والديون والحاجة الأصلية.. قياسًا على دخل الأرض الزراعية، التي تسقى بغير كلفة.

وأما الدخل الناتج عن العمل وحده كإيراد الموظفين وذوي المهن الحرة الناتج من أعمالهم، فالواجب فيه ربع العشر فقط، عملًا بعموم النصوص التي أوجبت في النقود ربع العشر، سواء كانت مستفادة أم حال عليها الحول.

زكاة الأسهم والسندات:

عرف عصرنا لونًا من رأس المال استحدثه التطور الصناعي والتجاري في العالم، وذلك ما عرف باسم الأسهم والسندات، وهما من الأوراق المالية التي تقوم عليها المعاملات التجارية في أسواق خاصة بها، وهي التي تسمى بورصات الأوراق المالية.

الفرق بين الأسهم والسندات:

والأسهم حقوق ملكية جزئية لرأس مال كبير للشركات المساهمة أو التوصية بالأسهم، وكل سهم جزء من أجزاء متساوية لرأس المال.

والسند تعهد مكتوب من البنك، أو الشركة، أو الحكومة، لحامله بسداد مبلغ مقدار من قرض في تاريخ معين في نظير فائدة مقدرة.

وبين السهم والسند فروق:

فالسهم يمثل جزءًا من رأس مال الشركة أو البنك، والسند يمثل جزءًا من قرض على الشركة أو البنك أو الحكومة..

والسهم ينتج جزءًا من ربح الشركة أو البنك، يزيد أو ينقص تبعًا لنجاح الشركة أو البنك وزيادة ربحها أو نقصه، ويتحمل قسطه من الخسارة.

أما السند فينتج فائدة محدودة عن القرض الذي يمثله لا تزيد ولا تنقص، وحامل السند يعتبر مقرضًا أو دائنًا للشركة أو البنك أو الحكومة، أما حامل السهم فيعتبر مالكًا لجزء من الشركة أو البنك بقيمة السهم.

وللسند وقت محدد لسداده؛ أما السهم فلا يسدد إلا عند تصفية الشركة، وهذه هي أهم الفروق.

ومنه يتبين أن إصدار الأسهم وملكيتها وبيعها وشراءها والتعامل بها حلال لا حرج فيه ما لم يكن عمل الشركة التي تكونت من مجموع الأسهم مشتملًا على محظور كصناعة الخمر وبيعها والتجارة فيها مثلًا، أو كانت تتعامل بالفوائد الربوية إقراضًا واستقراضًا أو نحو ذلك.

أما السندات فشأنها غير الأسهم لاشتمالها على الفوائد الربوية المحرمة.

كيف تزكى أسهم الشركات المختلفة؟

نجد هنا اتجاهين:

الأول: ينظر إلى هذه الأسهم والسندات تبعًا لنوع الشركة التي أصدرتها: أهي صناعية أم تجارية أم مزيج منهما؟

فلا يعطى لسهم حكمًا إلا بعد معرفة الشركة التي يمثل جزءًا من رأس مالها، وبناء عليه يحكم بتزكيته أو بعدمها.

الثاني: يرى أن الأسهم والسندات أموال قد اتخذت للاتجار، فإن صاحبها يتجر فيها بالبيع والشراء، ويكسب منها كما يكسب كل تاجر من سلعته، وقيمتها الحقيقية التي تقدر في الأسواق تختلف في البيع والشراء عن قيمتها الاسمية، فهي بهذا الاعتبار من عروض التجارة، فكان من الحق أن تكون وعاء للزكاة ككل أموال التجارة، ويلاحظ فيها ما يلاحظ في عروض التجارة.

ومعنى هذا: أن يؤخذ منها في آخر كل حول 2.5% من قيمة الأسهم حسب تقديرها في الأسواق مضافًا إليها الربح، بشرط أن يبلغ الأصل والربح نصابًا، أو يكملا مع مال عنده نصابًا، كما أنه يجب أن يعفى مقدار الحاجات الأصلية، وبتعبير آخر: الحد الأدنى للمعيشة.

يتبع العدد القادم

الرابط المختصر :