; الظاهرة الارتحالية | مجلة المجتمع

العنوان الظاهرة الارتحالية

الكاتب د. حمدي شعيب

تاريخ النشر الثلاثاء 25-فبراير-1997

مشاهدات 62

نشر في العدد 1239

نشر في الصفحة 58

الثلاثاء 25-فبراير-1997

فقه الظواهر الدعوية.. في ضوء السنن الإلهية 

  • المسلم يدرك من أول يوم أن الله لا يهب نعمة الفقه في الدين إلا للإيجابيين المتحركين بين المسلمين. 

 ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ۖ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (الأنعام: 1).

هكذا كان مطلع تلك السورة العظيمة سورة الأنعام وهي تتنزل على جيل الخيرية الأول، في سنوات الرسالة الأولى، ربما الخامسة أو السادسة. وهي تربط بين قضية الخلق في أضخم مجالي الوجود، وهما السماوات والأرض، ثم في أضخم الظواهر الناشئة عن خلقهما، وهما ظاهرنا الظلمات والنور، وبين قضية الإيمان بالله وحده، وموقف الكافرين الذين يتخذون شركاء لله يعدلونهم به ويساوونه، وما يسببونه من نشاذ وشذوذ يتعارض مع تلك المنظومة الكونية المؤمنة السابحة، والعابدة لرب الوجود.

لقد كانت خطوة عظيمة في مجال الفكر البشري، ودعوة فريدة للتأمل في هذا الوجود الكبير والسنن الإلهية أو القوانين الثابتة والظواهر الكونية العامة التي تربط وتضبط وتنظم مجالاته؛ سواء في الآفاق وهي الكون المادي، أو في الأنفس وهي الأحياء جميعًا، بما فيها الإنسان وفقه تلك الظواهر، هو مدخل للفقه الاجتماعي الذي يعطي أفقًا رحيبًا، لفقه الدورات الحضارية، والتفسير الظواهر الدعوية التربوية.

الحيوية... سمة كونية:

ومن هذه الظواهر المميزة لهذا الوجود الكبير ظاهرة الحركة المستمرة، أو الحيوية المتجددة التي لا تأسن، أو الظاهرة الارتحالية التي تشمل الكون والحياة وكذلك الإنسان.

والله عز وجل يصور هذه الحركة الكونية المستمرة في أكبر جرم كوني تراه، وهو الشمس فهي في حركة دائبة سرمدية لا تهدأ، أو هي تجري فعلًا لمستقر ونهاية لا يعلمها إلا الله عز وجل ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (يس: 38). 

وهذه الحركة الدائبة ليست عشوائية بل تحكمها قوانين ثابتة، وهي سنن إلهية لا تتبدل ولا تتغير، إلا بإذنه تعالى - تحافظ على سيرها في توافق عجيب ينتظم فيه كل شيء بما فيه ظاهرتي الليل والنهار ﴿لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (يس 40).

وكذلك لو تأملت أصغر جرم كوني وهو الذرة، لوجدت أن العلماء قد أثبتوا أن الحركة المستمرة الدائبة لمكوناتها هي إحدى سماتها ومميزاتها الثابتة.

وهذه الظاهرة الحيوية، يستشعرها المرء في كل شيء في هذا الوجود الكبير، فعندما أراد الله عز وجل أن يضبط الحياة البشرية، حتى تتوافق مع هذا الكون الخاضع المسبح لربه، أنزل رسالاته على رسله عليهم السلام، وعندما عرض القرآن الكريم مضمون هذه الرسالات لم يعرضها في قوالب جامدة، بل على هيئة دورات حركية حيوية.

ولو تأملت سورة الأعراف، وكيفية عرضها لموضوع العقيدة لوجدت أنها قد عرضته في مجال التاريخ البشري، في مجال رحلة البشرية كلها مبتدئة بالجنة والملأ الأعلى، وعائدة إلى النقطة التي انطلقت منها، وفي هذا المدى المتطاول تعرض موكب الإيمان من لدن آدم عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم، تعرض الموكب الكريم يحمل هذه العقيدة ويمضي بها على مدار التاريخ، يواجه بها البشرية جيلًا بعد جيل. وقبيلًا بعد قبيل، وكيف استقبلت البشرية هذا الموكب وما معه من الهدى؟ كيف خاطبها الموكب وكيف جاوبته؟ وكيف كان عاقبة المكذبين وعاقبة المؤمنين في الدنيا والآخرة (1).

حيوية... المنهج الإسلامي:

وعندما تتأمل السمات المميزة للمنهج الحركي للرسالة الخاتمة، والتي بينتها سيرته الجهادية، فإنك تستشعر فيها مدى الحيوية المتدفقة والتي تكاد تنطق بالحياة المتحركة والمتجددة، وهي سمات:

 السمة الأولى: الواقعية الجدية في منهج هذا الدين، فهو حركة تواجه واقعًا بشريًّا، بوسائل مكافئة.

السمة الثانية: الواقعية الحركية، فهو حركة ذات مراحل، كل مرحلة لها وسائلها، وكل مرحلة تسلم إلى التي تليها.

 السمة الثالثة: أن هذه الحركة الدائبة والوسائل المتجددة، لا تخرجه عن قواعده وأهدافه المحددة.

 السمة الرابعة: الضبط التشريعي للعلاقات بين المجتمع المسلم وسائر المجتمعات الأخرى (2).

فقه تصنعه الحركة:

والمسلم يدرك من أول يوم لتلقيه هذا الدين الحي المتحرك والمتجدد الحيوية، أن الله عز وجل لا يهب نعمة الفقه فيه - أي الفهم العميق لآيات الله وسننه في الكون والحياة والمجتمع... إلا للإيجابيين المتحركين الذين يدركون أن فقه هذا الدين لا ينبثق إلا في أرض الحركة، ولا يؤخذ من فقيه قاعد؛ حيث تجب الحركة، ففي الآية: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: 122) ترجح أن المؤمنين لا ينفرون كافة، ولكن تنفر من كل فرقة منهم طائفة - على التناوب بين من ينفرون ومن يبقون لتتفقه هذه الطائفة في الدين بالنفير والخروج والجهاد والحركة بهذه العقيدة، وتنذر الباقين من قومها إذا رجعت إليهم بما رأته وفقهته من هذا الدين في أثناء الجهاد والحركة، ولعل هذا عكس ما يتبادر إلى الذهن من أن المتخلفين عن الغزو والجهاد والحركة هم الذين يتفرغون للتفقه في الدين، ولكن هذا وهم لا يتفق مع طبيعة هذا الدين، إن الحركة هي قوام هذا الدين، ومن ثم لا يفقهه الدين إلا الذين يتحركون به المجاهدون لتقريره في واقع الناس المندمجون في الحركة العلمية به (3) ولأن المسلم يعلم أنه جزء من هذا الوجود الكبير، فإن حياته تتميز بالظاهرة الارتحالية التي تميز هذا الوجود، وحتى لا يقع بينهما الاصطدام والتضاد، وحتى يحدث بينهما التوافق والتناغم كان عليه أن يلتزم بمنهج رب العالمين. ولكي يمن عليه الله عز وجل بفقه هذا المنهج الفريد كان عليه أن يدرك أن تلك المنة لا تأتي إلا بالحركة والإيجابية والجهاد في سبيله لنشر دعوته سبحانه.

حيوية... الحياة البشرية:

وهذه الظاهرة الحيوية، هي سنة ثابتة، وسعة بارزة للحياة البشرية؛ وذلك لأن الحركة قانون من قوانين هذا الكون، وهي كذلك قانون من قوانين الحياة البشرية - بوصفها قطاعًا من الحياة الكونية. ولكنها ليست حركة مطلقة من كل قيد وليست حركة بغير ضابط ولا نظام، فلكل نجم ولكل كوكب فلكه ومداره، وله كذلك محوره الذي يدور عليه في هذا المدار. وكذلك الحياة البشرية لابد لها من محور ثابت ولابد لها من ذلك تدور فيه؛ وإلا انتهت إلى الفوضى والدمار، كما لو انفلت نجم من مداره (4). 

فحياة الإنسان على هذه البسيطة، ما هي إلا رحلة لكائن متحرك ارتحالي، أو مسافر إلى استقرار ومصير ﴿لهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (الحديد: 5).

وهذا المصير، إما إلى جنة عرضها السماوات والأرض، أو إلى نار وقودها الناس والحجارة: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11) وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا (12)(الhنشقاق: 6-12).

المؤمن على سفر:

وحياة المؤمن على هذه البسيطة، تبرز فيها تلك الظاهرة واضحة جلية؛ لذا كانت وصايا الحبيب r، تركز على هذه المعاني وتبين أن حياته على هذه البسيطة ما هي إلا فترة سفر وارتحال للعبور إلى المستقر الخالد وهو جنة رب العالمين: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» (5).

ويوضح الله في وصية أخرى معنى السمة أو الظاهرة الارتحالية لحياة المسلم: «ما لي وللدنيا، وما للدنيا وما لي، والذي نفسي  بيده ما مثلي ومثل الدنيا، إلا كراكب سار في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار، ثم راح وتركها» (6)، أي (وما مثلي ومثلها إلا كمسافر، ركب مطيته وسار في يوم هجير شديد قيظه فلما اشتد به التعب نزل، فقال تحت شجرة فترة وجيزة لا تتجاوز الساعة ريثما ابتلع أنفاسه، وعاد إليه نشاطه، ثم راح وترك الشجرة مستأنفًا السير من جديد ليصل إلى نهاية رحلته) (7) والقدرة على مواصلة هذا السفر هي التي تفاضل بين الناس وقدراتهم الذاتية للنجاة ولتحمل الأعباء والتكاليف: «إنما الناس كابل المائة لا تكاد تجد بها راحلة»(8) والراحلة هي الناقة القوية السريعة السير، وتأمل نسبة من يتحمل، ويواصل ذلك المسير.

حيوية... منشودة:

وفي المجال الدعوي التربوي، كان على الدعاة أن يدركوا مغزى تلك الظاهرة في مجال دعوتهم وفكرتهم، وأن طريقهم ليس بدعًا بين تلك المجالات. 

فالمجال الدعوي التربوي إنما يقوم على الحركة التي تثمر الحيوية في المنهج، وفي نفوس حامليه، ويقوم على التطور الذي يثمر التجديد وعدم الرتابة، وذلك بضوابط توازن بين الثوابت والمتحولات أو المتغيرات. 

وأساس التربية هو الحركة والانطلاق والاختلاط في دنيا الناس؛ لأن خيرية الأمة إنما كانت لأن الله عز وجل قد أخرجها وابتعثها، بل وأوجدها للناس لكل الناس لتتحمل واجبات القوامة والشهادة، وذلك لتأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر، حاملة فكرتها الخالدة السامية، ألا وهي الإيمان بالله تبارك وتعالى ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ﴾ (آل عمران: 110). 

وبناء هذه الأمة لا يكون إلا من خلال الواقع والحركة بالمنهج خلال هذا الواقع. 

وشواهد القرآن الكريم كثيرة، وكلها تدلل على أن من يحمل فكرة عليه أن يقوم بها. ويتحرك بها، ويدرك تبعاتها. لذا فقد كانت الخطوة الأولى للحبيب r هي القيام بالأمر العظيم، وهو الدعوة، وتطليق الراحة والدعة، وذلك استجابة للأمر الإلهي ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ…﴾ (المزمل 1).

وعندما حكى القرآن الكريم عن ذلك الصحب المؤمن، وتجربتهم الدعوية التغييرية وضح أنهم قد تحركوا بفكرتهم إلى عالم الواقع فقاموا ﴿وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَٰهًا ۖ لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ (الكهف: 14).

وعندما بدأ العبد الصالح تجربته التعليمية التربوية مع موسى عليه السلام انطلق به ومعه وتحركا عمليًا: ﴿فَانطَلَقَا﴾ (الكهف: 71).

ركب المرتحلين:

والداعية عندما يعلم أنه جزء من كل فهو أحد أعضاء ذلك الركب العظيم، ركب المرتحلين الذي يشمل هذا الوجود الكبير؛ لذا كان عليه أن يفهم معنى ومدى أهمية التوافق والتناغم مع حركة الوجود المطيع والمسبح لربه، ويدرك خطر النشاز وأن يدرك قواعد تلك الظاهرة الارتحالية. وقوانين تلك السنة الإلهية التي تنشد الحركة والحيوية لكل الموجودات، فالمطلوب منه ليتوافق ولا يشذ شرطان:

أولًا: عليه أن يتوافق ويتناسق جسديًّا وماديًّا بالحركة والقيام والانطلاق والاختلاط والخروج للناس، لنشر فكرته.

ثانيًا: عليه أن يتوافق فكريًّا بأن يتطور ويستزيد ويتحرك، ولا يقف أسيرًا لمرحلة فكرية معينة.

 وذلك من خلال فقه جيد وواعٍ؛ ليوازن بين ثوابت لا يحيد عنها، ومتغيرات تعطيه حقه من المرونة والحركة والحيوية والإبداع. 

فلا يكون مثل البعض الذي يؤثر التصومع والتقوقع والتحوصل بل والتشرنق؛ سواء المادي الجسدي أو الفكري العقلي، ولا يستسلم لهواة قتل القدرات، ومثبطي ذوي العزمات، وراغبي تخطى الإبداعات، وعاشقي تقييد الكفاءات.

ولا ينضم لركب حاملي لواء تبديع الاجتهادات، وأنصار الحجر على العقليات، وهذا لا ينطبق فقط على الأفراد، بل على الدعوات والجماعات فالحياة حركة حيوية تتميز بالظاهرة الارتحالية. 

والوجود ما فيه إلا معبود يعبد ولا يتغير سبحانه، وعابد يعبد ومتغير وارتحالي.

الهوامش:

1- في ظلال القرآن سيد قطب 8/ 1244 بتصرف.

2- في ظلال القرآن سيد قطب 9/ 1432 بتصرف.

3- في ظلال القرآن سيد قطب 11/ ١٧٣٤ - ١٧٢٥ بتصرف.

4- خصائص التصور الإسلامي: سيد قطب ٤١.

5- البخاري 8/110.

6 - أخرجه الإمام أحمد في المسند 1/ 103.

7 - توجيهات نبوية على الطريق د. سيد نوح 1/25.

8 – البخاري 8/130. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1253

72

الثلاثاء 10-يونيو-1997

المجتمع التربوي (1253)