; في السياسة الشرعية (53).. فقه تنظيم الاستهلاك في الإسلام | مجلة المجتمع

العنوان في السياسة الشرعية (53).. فقه تنظيم الاستهلاك في الإسلام

الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي

تاريخ النشر الثلاثاء 24-مايو-1983

مشاهدات 29

نشر في العدد 622

نشر في الصفحة 13

الثلاثاء 24-مايو-1983

• قال عمر: أكلما اشتهيتم اشتريتم؟

• موقف الإسلام من «الاستهلاك» كعملية لازمة في المجتمع ينسجم تمامًا مع موقفه الاقتصادي العام الذي يتوخى تحقيق المصلحة العليا للجماعة الإسلامية، فللإسلام مفهومه الخاص «للسلعة» ويضع الأطر العامة لاستهلاكها والمبادئ الأخلاقية التي تحتضن تلك الأطر، ولذا كان الحديث في القرآن الكريم عن التبذير والمبذرين والإسراف والمسرفين والتقتير والمقترين، ولذا أكد القرآن على حرمة التبذير والإسراف وأكد أن المبذرين إخوان الشياطين وأن الله لا يحب المسرفين. هذه إشارات قرآنية نستطيع أن نعتبرها من معالم الموقف الإسلامي من «الاستهلاك» من حيث كونه عملية لازمة.

• يحدد الإسلام مفهومه «للسلعة» المتداولة بين الناس في السوق تحديدًا دقيقًا، السلعة نعمة من نعم الله على العباد والمواد الاستهلاكية هي: طيبات ورزق، وينبغي إذن من خلال التسمية أن ينظر المسلم إلى السلعة بهذا الإطار الأخلاقي الذي يؤكد على النقاوة والطهارة والأناقة، وأما ما هو غير صالح للاستهلاك البشري ويحقق ضررًا فهو من: الخبائث ولا يجوز تداوله في السوق، إذن السلعة الاستهلاكية- في نظر الإسلام- هي المادة النافعة الخيرة التي لا يؤدي استهلاكها إلى ضرر، وحتى هذه السلعة حدد الإسلام كيفيات استهلاكها والحدود التي ينبغي أن نقف عندها في استهلاك الطيبات، هذا التعريف للسلعة وهذا المفهوم لها لا شك يؤدي إلى عدة اعتبارات اقتصادية هامة، منها تحديث أطر ومبادئ ومعادلات الإنتاج، أي إنتاج السلع.

طبعًا مفهوم الإسلام للسلعة يتضارب مع مفهوم السوق الرأسمالي للسلعة، والأخير يؤكد أن أي شيء يمكن أن يباع وله منفعة وربح فهو إذن سلعة، لذلك نجد أن عملية الإنتاج في السوق الرأسمالي عملية غير منضبطة الهدف منها الربح بل والسريع منه، وذلك من خلال التسويق حتى للخبائث أي التي لا تحقق مصلحة لا فردية ولا عامة.

• على هذا الأساس نفهم موقف القرآن الكريم ورسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين في قضية الاستهلاك، ومن هذا المدخل نستوعب فقه الاستهلاك في الإسلام.

روى الطبراني والحاكم والبيهقي أن الرسول عليه الصلاة والسلام رأى رجلًا عظيم البطن فشار بإصبعه إلى البطن وقال: «لو كان ما في هذا في غير هذا المكان لكان خيرًا لك».

وكان عمر رضي الله عنه يقول: «والله ما نعجز عن لذات الدنيا أن نأمر بصغار المعزى فتسمط لنا، وأن نأمر بلباب البر- أي القمح- فيخبز لنا وبالزبيب فينبذ لنا فنأكل هذا ونشرب هذا، ولكنا نريد أن نستبقى طيباتنا لأنا سمعنا الله يقول في قوم فعلوا مثل ذلك: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ (الأحقاف: 20).[1]

وكان عمر وهو خليفة يمر بسوق اللحم فإذا رأى رجلًا قد اشترى بالأمس ويريد أن يشتري اليوم زجره ورده وكان يقول: «اتقوا هذه المجازر فإن لها ضراوة كضراوة الخمر».

ومن فقهه في الاستهلاك أنه رضي الله عنه لقي في السوق جابر بن عبدالله ومعه لحم اشتراه، فقال: ما هذا يا جابر؟ قال: لحم اشتهاه أهلي فاشتريته فقال: أكلما اشتهيتم اشتريتم؟ أكلما اشتهيتم اشتريتم؟ أما يريد أحدكم أن يطوي بطنه لجاره وابن عمه؟ وأين تذهب عنكم الآية: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا﴾ (الأحقاف: 20)؟

• نخلص إلى القول إن ثمة فقها لتنظيم الاستهلاك وترشيده، ولله در عمر فسؤاله لجابر بن عبدالله: أكلما اشتهيتم اشتريتم؟ وهو سؤال استنكاري يضع قاعدة لتنظيم الاستهلاك لو طبقناها في حياتنا اليوم لعالجنا جزءًا هامًّا من مشكلة الغلاء، والذي في الأساس ما نشأ إلا من خلال الشهوة البهيمية في الاستهلاك لدى الإنسان المعاصر.

الهوامش

 [1] انظر: سيرة عمر لابن الجوزي ص 119.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 19

592

الثلاثاء 21-يوليو-1970

لعقلك وقلبك - العدد 19

نشر في العدد 21

516

الثلاثاء 04-أغسطس-1970

مع العمال - العدد 21

نشر في العدد 28

496

الثلاثاء 22-سبتمبر-1970

لعقلك وقلبك - العدد 28