العنوان فقه سنة التدافع
الكاتب د. فتحي يكن
تاريخ النشر الثلاثاء 25-فبراير-1997
مشاهدات 66
نشر في العدد 1239
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 25-فبراير-1997
سنة التدافع من سنن الله تعالى لحماية الحق من غلبة الباطل، ولامتحان مواقع الناس في خنادق الصراع، فإما في خندق الإيمان، أو خندق الكفر، وإما مع أهل الحق أو مع أهل الباطل.
هكذا كان الصراع منذ فجر التاريخ، وحتى يرث الله الأرض ومن عليها، لحفظ الدين من الانهيار، وحفظ الدنيا من الفساد، وصدق الله تعالى؛ حيث يقول: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ (البقرة: ٢٥١).
وفي آية أخرى يقول جل جلاله: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41)﴾ (الحج: ٤٠ - ٤١).
طبيعة الصراع من خلال سنة التدافع
ليس شرطًا أن يكون الصراع والتدافع دائمًا من خلال معارك عسكرية، ومواجهات عضلية حسية، فقد يكون الصراع فكريًّا وعقائديًّا، وقد تكون الغلبة في مثل هذا الصراع بإقامة الحجة على الباطل: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ (الأنبياء: ۱۸).
وليس شرطًا كذلك، أن يكون التدافع من خلال معارك وصراعات جماعية، فقد يكون الصراع بين شخص وآخر، وقد يكون بين فرد ومجموعة، وقد يكون بين إنسان وحيد وقوة جاهلية أو سلطة طاغوتية.
لقد انتصر رسول الله ﷺ في مواجهة الإغواء والإغراء، يوم جاءه عمه أبو طالب يقدم بين يديه العروض السخية، وكانت المقولة الحاسمة من رسول الله ﷺ: «والله يا عم، لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه».
وفي هذه الدائرة بالذات يصنف موقف سحرة فرعون يوم تلقفت عصا موسى عصيهم وحبالهم، وحكى القرآن الكريم موقفهم وانتصارهم الإيماني: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ۗ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ (طه: ۷۰ - ۷۳)، ويوم خُيِّر الشهيد سيد قطب بين الإعدام أو موالاة الطغيان، من خلال تسلم منصب رفيع في الحكم، اختار استعلاء الإيمان، ومضى إلى ربه باطمئنان، وسجل انتصارًا في معركة مع النفس الأمارة بالسوء.
أبعاد وحكم في سنة التدافع
وفي دائرة الصراع الأبدي بين الحق والباطل، والواقع ضمن سنة التدافع، ما جرى في هذا العصر في فلسطين من خلال ولادة الانتفاضة وبروز جيل الحجارة، كما في الشيشان والبوسنة والهرسك.
الناظر إلى ما جرى نظرة سطحية، يقف عند المجازر التي ارتكبت بحق المسلمين، وهي مجازر تفوق التصور في همجيتها وبربريتها، إنما هنالك الوجه الآخر الذي تحقق من خلال هذا الصراع، إنه استعادة الهوية والانتماء الإسلامي لشعب البوسنة، الذي كان من الممكن أن يفقد شخصيته ويخسر دينه، من خلال التغريب والذوبان في المجتمع الغربي ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٢١٦).
وما جرى في الشيشان يشبه إلى حد ما جرى في يوغوسلافيا، فحرب الإبادة التي تعرض المسلمون الشيشان منذ أيام ستالين الذي نفاهم إلى سيبيريا، والتي شكلت فيمن تبقى منهم على قيد الحياة طاقة إيمانية من التحدي، جعلتهم اليوم ينتصرون على الجيش الروسي ويحافظون على هويتهم الإسلامية.
وضمن هذا الإطار تقع معظم الصراعات الجارية هنا وهناك للمحافظة على شخصية أهل الحق والهوية الإيمانية، كالصراع في كشمير والفلبين والهند وأريتريا والسودان، والجمهوريات الإسلامية في بلاد ما وراء النهرين وفي بلاد القوقاز، وفي جمهورية روسيا الاتحادية وغيرها، إنها المحافظة على الهوية من الذوبان، وعلى الوجود الإسلامي من الاندثار.
سنة التدافع من خلال المعارك
وقد تتجلى سنة التدافع من خلال معارك عسكرية كبرى لحفظ الدين، كالذي حصل في معركة بدر ضد الوثنية، وفي واقعة الأحزاب ضد اليهود والمشركين، وفي اليرموك ضد صليبية الرومان، وفي القادسية ضد مجوسية فارس، وفي حطين أمام العربدة الصليبية، وفي عين جالوت أمام غزو المغول الوثنيين الذين اجتاحوا العراق وسوريا وقتلوا في بغداد وحولها ما يقرب من مليون مسلم.
سنة التدافع... وسلاح النصر
وسنة التدافع تشير دائمًا وتؤكد باستمرار على أن الغلبة للإيمان وجنده، وهذا ما تؤكده عشرات الآيات القرآنية، ومنها: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الروم: ٤٧)، وقوله جل جلاله:﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: ۱۳۹)، وقوله جل جلاله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور: ٥٥).
إن شرط غلبة أهل الحق على الباطل أن يكونوا على الحق، وأن يكونوا حقًّا من أهل الفضل، فإن استوى الفريقان في معاصيهم وانحرافاتهم، فالغلبة تكون للقوة والعدد، وهذا ما يشير إليه الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه بدقة في وصيته إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قائد جيوش المسلمين إلى فارس؛ حيث قال: «أما بعد... فإني أوصيك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب، وأوصيك ومن معك بأن تكونوا أشد احتراسًا من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، فإن لم تغلبوهم بفضلكم غلبوكم بقوتهم، فلا تعملوا بمساخط الله وأنتم في سبيله».