العنوان فقير يثرب
الكاتب ميرال الطحاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 02-فبراير-1993
مشاهدات 96
نشر في العدد 1036
نشر في الصفحة 55
الثلاثاء 02-فبراير-1993
فقير يثرب
«قصة من السيرة»
بقلم: ميرال الطحاوي
المساء يُرْخِي
سدوله ببطء والشمس تبتلعها الصحراء الشاسعة، فتميل تاركة خلفها ظل البادية الطويل
ونخيل يثرب تغفو وتسلم أجفانها للنعاس والقطعان تؤوب إلى مرابطها والمسجد يكاد
يفرغ من آثار المسلمين إلا الذين آثروا المكوث حتى العشاء فقد ظلوا يتدارسون ما
حفظوه من آيات ويرددون آخر ما نزل به الوحي على رسول الله، ومضى أبو عقيل إلى
بيته، وتحت منديله صرة من التمر كانت حصيلة عناء يومه فتح باب داره فاستقبله
صبيانه بالعبث فيما حمل حتى توزع حمل النهار على الأفواه الجائعة، فأحس الرجل
بأنين ظهره الذي أتعبته الحمول وضج من الكراء كل صباح وحمل الماء من الآبار إلى
البيوت، فأسند ظهره إلى الجدار جوار زوجته التي انشغلت ولم تلتفت إلا على تأوهه،
فابتدرته سائلة عن سبب ذلك فلم يجب بل تمدد على البساط فاردًا ظهره بينما انشغلت
هي بتهدئة عيالها حتى يستريح زوجها بعض الوقت من ضجتهم وغفت عيناه ولم يفتحها إلا
حين أيقظته، قم يا أبا عقيل فقد أذن بلال للعشاء.. هيا يا رجل لتلحق الجماعة، لكن
دمعته التي انحدرت على خده صرفتها عما كانت فيه فألحت في السؤال «مالك يا رجل..
مالك» لكنه لم يجب ومضت فترة صمت طويلة قام بعدها ليتوضأ ثم أمرها بالجماعة فاصطفت
خلفه ليصليا معًا، وفي كل ركعة ظل يردد ﴿خُذْ مِنْ
أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ
إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ (التوبة: 103)...
ويقولها وتنساب
دموعه ويتحشرج صوته وازداد قلق زوجته عليه ودمعت عيناها شفقة فقد أدركت أخيرًا ما
ألم به لم يكن ظهرك هو الذي يوجعك يا أبا العيال بل كان قلبك قالتها وصمتت ومر
الليل طويلًا طويلًا كمن يقتات على جسد مثقل بالألم.. وأوشك الفجر على الإياب
فسألته زوجته بعض الراحة ليستعين بها على عمل غده لكن عيونهما لم تغمض تَغْمَض قط
وعلى صوت بلال مضى إلى المسجد يَتَكفَّأ من التعب ويتوارى في الصفوف حتى إذا انتهت
الصلاة وجذب عمرو رداء قديمًا وجلس إلى جوار رسول الله فتساقطت الصدقات والرسول
يدعو لكل متصدق بالبركة والنماء ويدعو لأهله ويتحدث الصحابة عن الغزوة المقبلة وعن
عددهم وعدتهم، فلم يتمالك أبو عقيل عبراته فانسحب إلى بيته وهناك ألقت إليه زوجته
باقتراحها المثير ندخر من أجرك كل يوم ثمرة أو ثمرتين حتى يبلغوا صواعًا فنتصدق به
وصمت الرجل وضحك بحرقة كما بكى، وقال لها باسمًا كم سنة سنجمع في الثمرات يا أم
الصغار وصمت فأكملت له حكايتها، إن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها وإنه عام قحط،
والله يعلم إنه ما في بيتنا شيء ادخرناه لغدنا، ووضع يده على فمها آمرًا إياها
بالصمت وهاجت عبرته من جديد وظل يردد الكل مد يده إلى الرداء. درهم، دينار، صواع،
تمر، الأيدي ظلت تتحسس الخواء وأنا أتسمع الدعوات تشق كبد السماء وينغلق قلبي
كالبذرة كالبذرة المتعطشة، كل شيء يهون إلا أن يحرم بيتي من دون بيوت المسلمين
كلها من هذا الفضل من صلاة رسول الله ودعواته.
... ومضى تاركًا
إياها في دمعها ليبدأ يومه الجديد يحمل على ظهره حتى يكل ويتعب ويرجع لها بصواع
تمر ليتقوت به الصغار ويدخل إلى المسجد فيسمع الدعوات تشق غيوم الفضاء وتتنزل على
المتطوعين سكنًا ورحمة ورضوانًا من الله.
ومضى يوم يومان
ثلاثة، والرجل حائر باك ضائق الصدر بقلة حيلته حتى أوشك أهل الصدقات أن ينتهوا ما
بقى في المدينة إلا رجلان أو قليلًا هو منهم.. وبلغ الجهد به كل مبلغ فقام كعادته
كل يوم يحمل على ظهره، ثم قال لصاحب الكراء لو حملت لك حمل يومين من شروق الشمس
حتى شروق يوم جديد ماذا أنت معطيّ؟ قال له الرجل أجر يومين، يوم وليلة بصواعين من
التمر، قال فأنا فاعل إن شاء الله فأعد لي أجري وظل أبو عقيل يحمل على ظهره تحت
شمس هاجرة محرقة وبرد ليل صحراوي قارس حتى أوفى عدته، وهمّ راجعًا إلى بيته تئن
عظامه من الألم، وتتسابق قدماه فرحة كأنهما يقفزان في السماء وليس على الأرض، ووصل
إلى زوجته وألقى شطرًا من ثمراته في حجرها، وهرول ليتوضأ ليلحق بالصلاة قبل بزوغ
الشمس، بينما أسرعت في صرها في منديل نظيف حمله معه وظل يركض حتى وصل رداء عمرو
وسط أنفاسه اللاهثة ألقى على الرداء ثمراته حتى دون أن يكمل سلامه، وتنهال عليه
الضحكات الساخرة ويتطلع حوله باحثًا عن سبب ويتلفت إلى جلبابه الممزق وإلى وجوههم،
حملق في كل شيء إلا في الرداء حين تناثرت بضع ثمرات وسط طوفان الذهب أربعة آلاف
أوقية من الذهب وحفنة تمر تبرق عليها عرق رجل فقير، ودون أن يستجمع قواه ليدرك
شيئًا مما يدور حوله، نظر في عيون رسول الله التي تشع بغضب حبيب هادئ يسبح في
أمواج الصفاء الطاهرة وجلس الرجل برهة ثم قال: ظللت أجر بجرير حتى أدركت صواعين من
تمر صواع أبقيته لأهلي وصواع أتصدق به، قالها ومضى محني الرأس واجما، صامتا يحس
بضحكاتهم توجعه، تجلده كيف كان له أن يعلم أن عبد الرحمن بن عوف قد سبقه وتصدق
بشطر ماله من أين كان يعلم أن المسجد كان يغص بشهقات الدهشة وأن الرداء كان يتأجج
بالذهب.
.. مدد ظهره على
حصير بيته باكيًا وغفى من التعب، ولم يفق إلا على صوت امرأته تنبهه إلى الصلاة،
تهتز جنبات المسجد لآية جديدة يقرأها رسول الله على القلوب الواجفة ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ
فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ۙ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾
(التوبة: 79). وتنساب دمعة رجل فقير من الذين أووا ونصروا.