العنوان قراءة في مشروع علي عزت بيجوفيتش الفكري.. التعليم والثقافة الجماهيرية وجناية وسائل الإعلام
الكاتب عبد الباقي خليفة
تاريخ النشر السبت 04-ديسمبر-2010
مشاهدات 62
نشر في العدد 1929
نشر في الصفحة 40
السبت 04-ديسمبر-2010
- في الدول التي تفكر نيابة عن الشعب وباسمه دون استشارته يهدف التعليم إلى أن يتشرب الأفراد نظام الدولة الأيديولوجي والسياسي ويخضعوا لإرادتها
- سيكولوجية الإعلام الجماهيري تجعل الإنسان يشعر بأن الآراء المفروضة عليه هي آراؤه الخاصة
تأتي الذكرى السابعة لرحيل المفكر علي عزت بيجوفيتش (۱۹۲۵) - (۲۰۰۳م)، والرجل حاضر بقوة في المشاهد كلها ؛ ثقافيًا، واجتماعيًا وسياسيًا، وكان - يرحمه الله - يؤكد أن التعليم وليس السياسة هو ما كان يشده ويسيطر على تفكيره، وأنه كان ينوي التفرغ لهذا العامل الإستراتيجي في رقي الأمم، والطواف على البلاد الإسلامية لترسيخ هذه الحقيقة لكن الظروف السياسية، وأوضاع بلاده بعد انهيار يوغسلافيا فرضت عليه نسقًا آخر لحياته وهو الاهتمام بالسياسة من موقع التدافع الاثني والثقافي في أبعاده المحلية والإقليمية والعالمية.
ينتقد علي عزت بيجوفيتش التعليم العلماني، الذي يجعل من الإنسان مجرد آلة ضمن أدوات الإنتاج، وليس إنسانا له مشاعر ومآرب روحية أخرى فيقول: «من الممكن جدا أن تتخيل شابًا قد مر بجميع مراحل التعليم من المدرسة الابتدائية حتى الكلية دون أن يكون قد ذكر له ضرورة أن يكون إنسانًا خيرًا وأمينًا».
ويضيف: «يتعلم أولاً أن يكتب ويحسب ثم يدرس الطبيعة والكيمياء، وعلم الأعراق البشرية، والجغرافيا، النظريات السياسية وعلم الاجتماع وعلومًا أخرى كثيرة، إنه يجمع عددًا هائلاً من الحقائق، وعلى أحسن الفروض يتعلم كيف يفكر، ولكنه لم يكتنز ثقافيًا وروحيًا، ويؤكد لم نعد نسمع إلا قليلاً عن برامج التاريخ، والفنون والآداب والأخلاق والقانون».
في هذين النوعين من التعليم ينعكس التضاد بين الثقافة والحضارة بكل ما يترتب عليه من نتائج، ويقول: «سنجد أن - المجتمع غير الصناعي يغلب عليه الاتجاه نحو التعليم الكلاسيكي، بينما المجتمع و الصناعي، وبخاصة المجتمع الاشتراكي ينحو باتجاه التعليم التقني». وكعادته عند ضبط أفكاره يقرّ بأن القضية ليست أبيض وأسود كما يقال بطبيعة الحال هذا مجرد مبدأ عام قد يعاني من الانحراف في الممارسة هنا وهناك، ولكن يظل الاتجاه العام قائمًا متحققًا من خلال التصحيحات التي لا مفر منها».
ارتهان التعليم للسياسة
يشرح علي عزت كيف أن التعليم يظل مرتهنا للسياسة، وينطوي على خطورة تحريفه من خلال أدلجته، وجعله آلة وحسب، إن السياق المنطقي للتعليم التقني هو التخصص، فقبل كل شيء نستطيع نرى الذكاء والعلم والصناعة تشكل خطاً واحدا، وأنها مرتبطة بعضها بعضًا كسبب ونتيجة، فالعلم نتيجة الذكاء، والصناعة هي مجرد تطبيق العلم»، وهي جميعًا شروط وأشكال لتأثير الإنسان على الطبيعة، وعلى العالم الخارجي».
إن التأمل في التوسع الذي طرأ على التعليم يسبب الدوار كما يقول يرحمه الله، ويذكر أرقاماً تجاوزها الزمن، ولكن تصاعدها يدل على الأهمية، رغم حالة البطالة التي أفرزها التعليم التقني، ففي إسبانيا اليوم (۲۰۱۰م) هناك أكثر من ٤ ملايين عاطل عن العمل، وهناك أكثر من ٤٠ مليون عاطل في دول الاتحاد الأوروبي، إن العالم الغربي حقق تقدمًا صناعيًا هائلاً ولكنه ليس أعظم دول العالم ثقافة».
ويتحدث علي عزت عن الدول الشيوعية السابقة، والتي أخذت مكانها في عصرنا الدول الدكتاتورية التي تفكر نيابة عن الشعب وباسمه دون استشارته في شيء من أموره في الدول الشيوعية ينطوي التعليم على أن يتشرب الأفراد نظام الدولة الأيديولوجي والسياسي، ويخضعون المصالحها، وفي الدول الرأسمالية يتلاءم التعليم عمومًا مع المتطلبات الاقتصادية ويخدم النظام الصناعي وفي كلتا الحالتين فالتعليم هو تعليم وظيفي وفي خدمة النظام. وكما لو أنه - يشرح واقعنا في البلاد الإسلامية، هذا الاتجاه سائد على الرغم من التصريحات الوردية عن التحسينات التي تحققت في جوانب متعددة للشخصية الإنسانية.
ويضرب علي عزت أمثلة عن أدلجة التعليم: ففي المؤتمر الأول للتعليم السوفييتي سنة ۱۹۱٨م وضع لينين» المبدأ الأول للتعليم على هذا النحو إن عملنا في التعليم يستهدف تحطيم الطبقة البرجوازية، ونحن نعلن أنه ليس هناك مدرسة خارج السياسة، فهذا كذب ونفاق إن صياغة التعليم في قالب أيديولوجي ظل هو المبدأ في النظام التعليمي للاتحاد السوفييتي»..
ارتهان التعليم الحاجيات النظام الصناعي
بنى علي عزت مشروعه الثقافي على إظهار عيوب الحضارة الغربية العرجاء وتناقضاتها بين الروح والمادة، وبين التقني والكلاسيكي، وبين الأيديولوجيا والحاجيات وليخلص بأن الإسلام وحده جمع بين الدنيا والآخرة، وبين متطلبات الجسد وأشواق الروح، ولكننا سنقف هنا عند حديث علي عزت عن معضلات التعليم في عصره، مستشهدا بآراء شهود الحضارة الغربية أنفسهم جون ك. جالبرايث، وهو منظر اقتصادي شهير وأحد أفضل الخبراء في النظام الصناعي فيقول: لا شك أن المدرسة الثانوية الحديثة قد تكيفت تماما لتتلاءم مع احتياجات النظام الصناعي... فالذي يتمتع بالقدر الأكبر من الاعتبار هو العلوم البحتة والتطبيقية والرياضيات وليس هذا إلا انعكاسا لمتطلبات البنية التقنية، بينما الاعتبار الأقل والتدعيم الأقل يختص بالفنون والعلوم الإنسانية انعكاسًا لقلة أهميتها .. ويقول: إن المدارس التقنية والتجارية ذات قيمة عالية لما لها من خاصية نفعية.. ولقد شجع النظام الصناعي على التوسع الهائل في التعليم، ولا يسعنا إلا الترحيب بهذا .
ولكن ما لم نستطع التنبؤ بنزعات هذا النظام بوضوح ومقاومتها بشدة، فإن هذه النزعات ستضع بالتأكيد عائقًا على التعليم من شأنه أن يخدم أكثر ما يخدم احتياجات هذا النظام وأهدافه وأقل ما يفعله هو أن يعرض هذه الأهداف للمناقشة.
الثقافة الجماهيرية والثقافة الشعبية
ينتقد علي عزت بشدة ما يسمونه بالثقافة الجماهيرية التي هي في الحقيقة إملاءات من السلطات الغاشمة على الشعب المغلوب على أمره، ويتساءل: هل هي ثقافة حقًا أم مجرد ملمح من ملامح الحضارة؟ ويوضح بأن موضوع أي ثقافة هو الإنسان أما موضوع الثقافة الجماهيرية وهدفها فهو الجمهور.
يملك الإنسان روحًا، أما الجمهور فلا شيء لديه سوى حاجاته، ومن ثم فكل ثقافة هي تنمية للإنسان بينما الثقافة الجماهيرية مجرد إشباع للرغبات.
وعندما يتحدث علي عزت عن الثقافة الفردية فلا يعني الإنسان الفرد. ولكن الإنسان في البنية الثقافية لكل ثقافة، كقول أمة على قلب رجل واحد وعندما يتحدث عن الثقافة الجماهيرية، فإنه يعني ما تزعمه الطعم الحاكمة كما سلف تعريفها فيقول: «تنحو الثقافة تجاه الفردية أما الثقافة الجماهيرية فتصب في الاتجاه المعاكس نحو التماثل عند هذه النقطة تنحرف الثقافة الجماهيرية عن الأخلاق وعن الثقافة، فالإنتاج بالجملة للسلع، والنسخ المكرر للأدب المزخرف . الرخيص، يؤديان إلى سلب الشخصية»...
ويبين علي عزت ما يعنيه بالثقافة - الجماهيرية، والتي تختلف عن الثقافة - الأصيلة الثقافة المتجذرة في الوعي الأممي او حتى الثقافة الشعبية، إن الثقافة الجماهيرية تختلف عن الثقافة الأصيلة في أنها تحد من الحرية الإنسانية من خلال هذا الاتجاه نحو التماثل، ذلك لأن الحرية هي مقاومة التماثل نقلاً عن (ماكس - هوركيثمر)، وهناك خطأ شائع يخلط بين الثقافة الجماهيرية والثقافة الشعبية، وهذا الخلط يسيء إلى الأخيرة، حيث تختلف الثقافة الشعبية عن الثقافة الجماهيرية في أنها ثقافة حية وأصيلة ومباشرة. الثقافة الشعبية قائمة على الإجماع والمشاركة، بينما المبدأ السائد في الثقافة الجماهيرية هو التلاعب.
فهل هناك من يعتقد حقًا أنه يستطيع التأثير في برنامج تلفزيوني إلا إذا كان ينتمي إلى الفئة القليلة التي تصنع هذه البرامج؟ إن ما يسمى بوسائل الإعلام الجماهيرية كالصحافة والراديو والتلفزيون هي في الحقيقة وسائل للتلاعب بالجماهير.
وأشار إلى دراسة تؤكد أن بلدًا أوروبيًا يشاهد الناس العاديين فيه التلفزيون بين ١٦ و ١٨ ساعة يوميًا، أصبح التلفزيون يحتل مكان الأدب بشكل مطرد فهو قرينه في الحقل الثقافي ووجد أن واحدًا من ثلاثة فرنسيين لم يقرأ في حياته كتابًا، وأن الفرنسيين يقضون معظم وقتهم أمام التلفزيون.
وسائل الإعلام «الجماهيرية»
وسائل الإعلام الجماهيرية للثقافة عندما تحتكرها الحكومة تستخدمها وسائل لتضليل الجماهير، فلم يعد هناك حاجة للقوة الغاشمة لحمل الشعب على عمل شيء ضد إرادته حيث يمكن الوصول إلى ذلك اليوم بطريقة مشروعة، وذلك بشل إرادة الشعب عن طريق تغذيته بمعلومات مغلوطة جاهزة ومكررة، ومنع الناس من التفكير أو الوصول بأنفسهم إلى أحكامهم الخاصة عن الناس أو الأحداث.
لقد أثبت علم نفس الجماهير، كما أكدت الخبرة، أنه من الممكن التأثير على الناس من خلال التكرار الملح لإقناعهم بخرافات لا علاقة لها بالواقع، وتنظر سيكولوجية وسائل الإعلام الجماهيرية إلى التلفزيون على الأخص باعتباره وسيلة، ليس لإخضاع الجانب الواعي في الإنسان فحسب، بل الجوانب الغريزية والعاطفية، بحيث تخلق فيه الشعور بأن الآراء المفروضة عليه هي آراؤه الخاصة .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل