العنوان حول مقال الأستاذ/ حمد الجاسر.. فكرة الإخوان المسلمين وأشخاص معتنقيها
الكاتب الدكتور علي جريشة
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يوليو-1982
مشاهدات 64
نشر في العدد 579
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 13-يوليو-1982
تمهيد:
طالعت بجريدة الشرق الأوسط «العدد 1290-10/1982 الموافق 18 شعبان1402هـ» ردا على سؤال حول حركة الإخوان المسلمين في عهد عبد الناصر التي كانت البذرة المنتجة الأولى لنمو الجماعات الإسلامية ووصولها لأوج قوتها ونفوذها في عهد السادات ما كتبه الأستاذ/ حمد الجاسر في مقال تحليلي بدأه بالحديث حول حركة الأمام محمد عبده حيث امتدحها كثيرًا.. ثم عرج على حركة الإخوان المسلمين ففرق بين الفكرة والمعتنقين، فمدح الفكرة في شيء من التردد أو التحفظ؛ لكنه نحا بالملائمة على معتنقيها من «سياسيين حاولوا أن يجعلوا من الفكرة الإسلامية الصحيحة وسيلة لكي ينالوا مآربهم»، ومن «عامة» جهلوا حقيقة الإسلام.. إلى آخر ما جاء بالمقال.
وأعتقد أن من حق من ينسب إليهم حمل فكر الإخوان المسلمين أن يشرحوا هذا الفكر، وأن يدفعوا عنه ما قد تصيبه بغير حق من غبش أو تشويه أيًّا كانت درجته، كما أن من حق من عايشوا معتنقي الفكرة أن يتحدثوا عنهم... خاصة إذا كان الحديث فيه «حيدة القضاء» أو موضوعية أهل العلم.
وسوف أركز بإذن الله على النقاط التي لم تتضح من حديث الاستاذ/ حمد الجاسر مشيرًا إلى ما كان واضحًا.. وحسبه أنه اجتهد فأصاب في كثير من المواقع جزاه الله خيرًا.
أولًا: حول فكرة الإخوان المسلمين
انتصف لها الكاتب الكبير حين قال بعد شيء من التردد أو التحفظ: (ففكرة الإخوان المسلمين في حد ذاتها هي صادقة).. وأود أن أقول توضيحًا لذلك:
ليس في دعوة الإخوان جديد، وإن كان فيها تجديد... فدعوة الإخوان هي دعوة محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام ما زاد عليها وما نقصوا؛ لأنه تركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.
لكنهم حاولوا أن يجددوا لها شبابها، وأن يتمثلوا مبادئه أو أخلاقها.. واقعًا وسلوكًا بين الناس، قد يكونون في ذلك قد اقتربوا من درجة (المثال) وقد يكونون قد عجزوا عن بلوغ هذا المثال، لأسباب يمكن أن نعرض لها بمشيئة الله، لكن حسبهم في ذلك «النية الطيبة» و«القصد الحسن» مع المحاولة الصادقة المخلصة إن شاء الله.
ومن هنا فدعوة الإخوان «سلفية» من حيث استمساكهم بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم والعهد الأول من السلف الصالح.. لكنها في الوقت نفسه «تجديدية» بالمعني الذي أشرنا إليه في الفقرة السابقة.
ولسنا نقول ما قاله الشيخ محمد الحامد أحد شيوخ سوريا الفطاحل من أن الإمام حسن البنا مجدد القرون السبعة الأخيرة، ولكن حسبنا أن نقرر له أنه إذا صح أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب هو مجدد القرن الثاني عشر، فإن حسن البنا «بحق» مجدد القرن الرابع عشر.
تركيز:
وبعد هذا الإجمال نشير إلى أن حسن البنا في تربيته للقاعدة العريضة من الإخوان المسلمين على أساس من عقيدة الإسلام الصحيحة وشريعته الغراء- حاول أن يركز على معانٍ افتقدها الناس في ذلك الزمان، ولا يزال أكثرهم يفقدها حتى الآن.
ركز على العقيدة الصحيحة من حيث غرس «حب الله» و«الخوف من الله» و«الرجاء في الله» في قلوب الإخوان المسلمين من خلال قوله: «الله غايتنا» وأساسها من القرآن ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (الأنعام: 164).
ركز على القدوة الحسنة.. رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وسط خضم الضياع وراء زعامات زائفة زخرت بها أحزاب تافهة، قامت على تعبيد الناس للأشخاص، حتى لقد كان بعضهم يقول: «الاحتلال على يد فلان خير من الاستقلال على يد الآخر» ولقد لخص البنا رحمه الله هذا المبدأ في قوله: «الرسول زعيمنا» أو «الرسول قدوتنا» وأساسها من القرآن ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: 21).
ركز على المنهج الصحيح وسط مناهج ضائعة بين ديمقراطية الغرب واشتراكية الشرق، ووسط تيارات فكرية كثيرة متأثرة بالثقافات الواردة، وبسلبيات التبشير والاستشراق، فكانت دعوة البنا «والقرآن دستورنا» عودة إلى كتاب الله أساسه من القرآن: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (الجاثية: 18 -19) وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ (المائدة: 48 -49).
بيد أن لنا أن نشير إلى الاهتمام بالسنة من خلال القرآن ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: 7)، و«تركت فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة رسوله».. ولكن الهتاف بالقرآن دستورنا لفت إلى المنهج الإلهي الرباني المتمثل في مصدرية الكتاب والسنة باعتبار الكتاب هو المصدر الأول، وباعتبار استمداد حجية السنة من الكتاب نفسه.
ووسط الضياع الذي كان يعيشه الناس عامة والشباب خاصة.. حين ظنوا أن بلوغ الأهداف الوطنية أو ما جاوزها من خلال شق الحناجر أو الخروج إلى الشوارع.. أو... أو... فكان تصحيح السبيل لهذا الشباب بردهم إلى السبيل الذي سلكه محمد صلى الله عليه وسلم في دعوته ثم في دولته.
«الجهاد سبيلنا».. وتمثلت واقعًا.. حين رأي الناس منذ زمن سحيق شباب الجامعات يتقدم إلى المعارك على ثرى فلسطين عام 1948م، وعلى ضفاف القنال عام 1951م. ثم جهادًا للطواغيت التي بدت وبدأت تشكل حجر عثرة في طريق الدعوة مع ذلك أو بعد ذلك.
وأخيرًا وتكملة للمبدأ السابق كان شعار «والموت في سبيل الله أسمى أمانينا» تربية كريمة للشباب على حب الشهادة في سبيل الله باعتبار أن «حب الموت» هو السبيل إلى الحياة.. الحياة الحقة الكريمة... بعد أن افتقدت الأمة الإسلامية دهرًا طويلًا حب الموت وابتليت بحب الحياة.. أي حياة وتحقق فيها قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن، قال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت» (رواه أبو داود والبيهقي).
فجاء البنا؛ ليحقق ما قصد إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الحديث الشريف ومن غيره من الأحاديث والآيات: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ (التوبة: 38 - 39) إلخ..
ورأينا في واقع الحياة في معارك فلسطين، ثم في معارك القنال، ثم في مواقف الجهاد الأخرى من استطاعوا أن يجددوا نماذج السلف الصالح في حب الشهادة في سبيل الله... ولا يتسع المجال لضرب الأمثال.
هذه خلاصة أو عجالة عن أهم مبادئ الإخوان المسلمين التي يعتبرونها تجديدًا وتجسيدًا لمبادئ الإسلام أضف إليها.
تسمية:
ما حرص عليه البنا من خلال التسمية «الإخوان المسلمون» ومن خلال التربية منه وممن خلفه، من تركيز على معنى الأخوة وإحياء لها.. باعتبارها عبادة... «أين المتحابون في، أين المتزاورون في.. اليوم أظلهم بظلي يوم لا ظل إلا ظلي»، «سبعة يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله.. منهم اثنان تحابا في الله اجتمعا عليه وافترقا عليه..» وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن من عباد الله لأناسًا ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله، قالوا: يا رسول الله، تخبرنا من هم؟ قال: هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، فوالله أن وجوههم لنور، وأنهم لعلي نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس، وقرأ هذه الآية ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (يونس: 62)».
وقد كان تقديم الأخوة على الإسلام في التسمية- فيما نحسب- إلهامًا من الله سبحانه وتعالى جريًا على الأسلوب القرآني الذي قدم الدعوة إلى الله على العمل الصالح.. والعمل الصالح على النطق بكلمة الإسلام.. مع أن العكس هو الترتيب الطبيعي، وذلك إشعارًا بخطورة الدعوة إلى الله، وخطورة العمل الصالح ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت: 33).
وهو ما تكرر في أمور أخرى كالتنبيه إلى أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، باعتباره أهم صفات الجماعة التي جعل الله لها الخيرية على الناس، فقدم الأمر بالمعروف على الإيمان﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ (آل عمران: 110) ولقد أتيح لكتاب هذه السطور أن يشهد واقعًا من «أخوة» الإخوان المسلمين في أحلك الأوقات لا تقل في روعتها وبهائها عن الصور التي قدمها السلف الصالح، ولن يتسع المجال لضرب الأمثال وتحت يدي الكثير..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل