; حول مقال الأستاذ/ حمد الجاسر.. فكرة الإخوان المسلمين وأشخاص معتنقيها «الجزء الثاني» | مجلة المجتمع

العنوان حول مقال الأستاذ/ حمد الجاسر.. فكرة الإخوان المسلمين وأشخاص معتنقيها «الجزء الثاني»

الكاتب الدكتور علي جريشة

تاريخ النشر الثلاثاء 27-يوليو-1982

مشاهدات 85

نشر في العدد 580

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 27-يوليو-1982

ثانيًا- حول معتنقي أفكار الإخوان المسلمين.

حاول الأستاذ/ حمد الجاسر أن يصف أكثرهم بأنهم «ذوو مآرب وأغراض شخصية»، أو أنهم «عامة جهلوا حقيقة الإسلام». لكنه عاد في مكان آخر فنفى عن عدد كبير من معتنقي الفكرة هذه الأشياء التي شوهتها وقضت عليها، ولا أحسب إلا أن الكاتب الكبير ينتصف لهؤلاء بعد أن وقع في تحليل بعيد عن الحقيقة والرجوع إلى الحق فضيلة. 

وأود أن أقول: ومن خلال معايشة لصيقة على مدى ثماني سنوات سبقتها عشر سنوات من المعرفة وتلتها عشر سنوات أخرى من التعامل الذي تختبر به المعادن، أقول بعون الله:

١- إن القيادات التي اجتباها الله لقيادة هذه الحركة ابتداء بالمرشد الأول حسن البنا، ومرورًا بالمرشد الثاني حسن الهضيبي، وانتهاء إلى من تقدمه الصحافة ممثلًا للحركة الأستاذ عمر التلمساني.

إن هذه القيادات لا ينطبق عليها شيء مما أشار إليه الأستاذ/ الجاسم من تحقق المآرب أو الأغراض الشخصية... إلخ

بل إنه بعد أن قال التاريخ كلمته في حسن البنا، وبعد ما علم الناس عن حسن الهضيبي من شموخ في وجه الطغيان على مدى عشرين عامًا، نستطيع أن تقول إن الله قد اختار لكبرى الحركات الإسلامية في العصر الحديث قممًا شامخة بإذن الله، كل منها تناسب الفترة التي مرت بها.

أما عمر التلمساني، فلا أريد أن أتحدث عنه وهو على قيد الحياة، ولكن يكفي أن أقول: إنه على طريق سلفيه. وأنه بفضل الله يجمع بين شجاعة البنا ورسوخ الهضيبي وأن لينَهُ مع أعدائه أسلوب قرآني: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ (طه: 44). وهو طبع خلقي يتسامى فيه عن طين البشر إلى مستوى من الشفافية والبعد عن الحقد والضغينة خليق به كل داعية إلى الله. وأدبه الجم وخلقه الآسر في مواجهة سفاهة الرئيس السادات حين قال له: «لقد آذيتني ولو أن أحدًا من الناس فعل ذلك لشكوته إليك كرئيس للدولة، أما وأنت يا محمد يا أنور يا سادات هو الذي يفعل فإني أشكوك إلى الله».

هذا الأدب الجم كان قاتلًا لسفاهة الرئيس، وذابحًا لسوء أدبه باعتراف العدو قبل الصديق. وهكذا... وهكذا جنَى مَن وراءه في أكثر من موقف أن يكون سبب محنة يُشفى بها ولو ضعيفًا واحدًا. ولا يمكن أن يظن به ضعفًا وهو الذي صمد ربع حياته في السجون، كما لا يمكن أن يظن به مداهنة وهو الذي بلغ الثمانين ولا ينتظر من الدنيا شيئًا.

۲- ظهر من رجالات الصف الثاني أو الثالث من لم يكن أهلًا للقيادة، وهذا يحدث في كل جماعة حتى الجماعة الإسلامية الأولى. فالله يقول: ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ (آل عمران: 152). ويقول:﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ (الأنفال: 67). وقال: ﴿وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (التوبة: 81). لكن هل هذا يخدش الصورة الكريمة للجيل الأول في مجموعِه؟ وهل تؤخذ هذه المواقف القليلة وتُترك المواقف الكثيرة؟ أو يا ترى يُنظر لبعض التصرفات الفردية كإبلاغ حاطب بن أبي بلتعة كفار قريش بنبأ عزم الرسول -صلى الله عليه وسلم- على غزوهم، أو كذب بعض الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، أو فلول الذي ﴿عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ، فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ (التوبة: 76). 

ترى هل تؤخذ هذه التصرفات الفردية تعميمًا على كل صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد كانوا مُثلًا تتحرك، ونماذج تعيش وتتصرف؟ 

هذا ما نستطيع أن نسحبه كذلك على الإخوان المسلمين في مجموعهم وإن بدَا من بعضهم بعض المآخذ. 

٣- الإخوان المسلمون كما عبر عنهم المرشد الأول حسن البنا -رحمه الله- أشبه بمستشفى تفتح أبوابها لكل من يريد العلاج، فيدخلها المريض قبل السليم لأن المريض هو الأحوج للعلاج، فيقوم دعاة الإخوان ومربوهم بطب هؤلاء وعلاجهم بطب القرآن وعلاج الإيمان، وتأتي المحنة بعد ذلك لتصفي؛ فمن شفاه الله صمَد، ومن بقي في نفسه شيء من الجاهلية إما أن تصقله المحنة وإما أن يرسب فيها فتتخفف الدعوة منه وتمضي في طريقها.

وهي في النهاية دعوة الله -سبحانه وتعالى-: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (الحجر: 9). لذا؛ فإنها تنفث خبثها وإن طال به الاختباء أو الاختفاء.

وفي كل محنة أصابت الإخوان المسلمين تحقق ما يلي:

أ- تحقق نبذ الخبيث، فتخففت الدعوة ممن تحملهم ولا يحملونها، والأمثلة كثيرة ولا أريد الإحراج الشخصي.

ب- رسوخ الدعوة وعمقها في نفوس المؤمنين بها، ومن ثم تحقق التمحيص التي أشارت إليه الآيات: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (آل عمران: 141).

جـ- انتشار الدعوة أسرع وأقوى من الوقت السابق على المحنة، والواقع دليل.

د- انتقام الله من أعداء الدعوة، وأمامنا أمثلة كثيرة آخرها انتقام الله من السادات بعد شهر واحد من تطاوله على الدعوة والدعاة.

وهو مثل أشار إليه القرآن الكريم في قصة مؤمن ياسين، حين انتقم الله ليشهد واحد من قرية بأكملها: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ، إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ (يس: 28-29).

ثالثًا- الإخوان وعبد الناصر:

ما فعله الإخوان بعبد الناصر، هل كان حقيقة؟ هل أرادوا قتله؟

لقد كذب أول رئيس لجمهورية مصر فيما نشره «الشرق الأوسط» ونشرته «المجلة» هذا الادعاء، وفي حديث لحسن التهامي ذكر أن ما جرى في المنشية كان تمثيلية لها أهدافها ولها ترتيباتها. 

وفيما حققته في السجن ونشرته في كتاب «عندما يحكم الطغاة» ما يؤكد هذا المعنى. أما ما فعله عبد الناصر بالإخوان: فأقرأوه في:

صفحات من التاريخ: لصلاح شادي.
والبوابة السوداء: لأحمد رائف.
ونافذة على الجحيم: لمجهول. 
وأقسمت آن أروي

وفي مذكرات كمال الفرماوي، وجابر رزق. 

وأخيرًا فيما كتب كاتب هذه السطور في الزنزانة.

عندما يحكم الطغاة 

وأقرر وقد عايشت هذه الفترة وعايشت سجونها، أن ما كتب أقل من الحقيقة وأن الحقيقة أغرب من محاولة الخيالة تصويرها، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

وقد قال الأستاذ/ جاسر كلمة حق في هذه النقطة حين قال: إنني لم أتعمق في دراسة الموضوع «ما فعله عبد الناصر بالإخوان»، وإن كان -وهذه كلمة حق- في عمل عبد الناصر من الفظاظة والغلظة مع الإخوان المسلمين ما لا يمكن لأي مسلم أن يقربه، أو يرى عبد الناصر مصيبًا فيه.

وبعد.. فهذه نقطة نتركها لمن لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء سبحانه وتعالى، ثم نتركها من بعده للتاريخ، والتاريخ لا يرحم حتى يرحم من لم يرحم.

أما الحديث عن السادات فقد أنصف الكاتب الكبير إذ أدانه من خلال تفرقته بين الدين والسياسة مما لم ينزل الله به سلطانًا، ومما رددته من قبل اليهود تجريحًا للدين وبلوغًا لتحقيق أهدافها «قطع على ورق الشطرنج لوليام غال کار»

ثم ما ردده من قبله خائن الخلافة الإسلامية مصطفى كمال الشهير بكمال أتاتورك.

وبعد:

فما قصدت إلا محاولة إيضاح الصورة التي قدمها الأستاذ/ حمد الجاسر ومحاولة إكمالها؛ حتى تقترب الصورة من الحقيقة، أو يتطابقان والله -سبحانه وتعالى- أعلم بالحق.

﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (سبأ: 48-49).

﴿قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي ۖ وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (سبأ: 50).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

552

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 11

129

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية