; ملاحظات حول المؤتمر السادس للحركة- هل خلعت «فتح» ثوب النضال.. وارتدت عباءة السلطة؟! | مجلة المجتمع

العنوان ملاحظات حول المؤتمر السادس للحركة- هل خلعت «فتح» ثوب النضال.. وارتدت عباءة السلطة؟!

الكاتب رأفت مرة

تاريخ النشر السبت 15-أغسطس-2009

مشاهدات 96

نشر في العدد 1865

نشر في الصفحة 16

السبت 15-أغسطس-2009

دفن مرحلة «عرفات» بالكامل.. وإعادة تشكيل الحركة من باب المؤتمر التنظيمي.. ومنح «عباس» صلاحية التصرف كما يشاء!

إدخال ۱۱٥۰ عضوًا جديدًا إلى المؤتمر دون تسجيلهم في الكشوف وبغير موافقة اللجنة التحضيرية عليهم!

قادة «فتح» شنوا هجومًا شديدًا ومتواصلًا على «حماس».. حتى قيل: إن «حماس» كانت أبرز الحاضرين في المؤتمر!

المؤتمر السادس انعقد المؤتمر السادس لحركة «فتح» كما كان مقررًا في الرابع من أغسطس، الجاري في مدينة «بيت لحم» بالضفة الغربية في فلسطين المحتلة، وكان هذا الانعقاد موضع أخذ ورد طوال الفترة التي أعقبت اغتيال رئيس السلطة الفلسطينية السابق ياسر عرفات نهاية عام ٢٠٠٤م، وهو أحد أبرز مؤسسي الحركة.. فقد وعد رئيس السلطة الفلسطينية الحالي «المنتهية ولايته» محمود عباس أكثر من مرة بعقد هذا المؤتمر، غير أن أسبابًا تنظيمية وداخلية وسياسية كثيرة منعت انعقاده، بعد بروز خلافات حول المكان والزمان وعدد الأعضاء.

يؤكد أعضاء كثر في حركة «فتح» أن مكان انعقاد المؤتمر وزمانه لم يناقش في اللجنة المركزية للحركة، وأن هذا الأمر انفرد به محمود عباس الذي أصر مع شركائه على عقده داخل فلسطين المحتلة، تحت حماية سلطات الاحتلال الصهيوني، الأمر الذي يجعل الاحتلال يتحكم بكل الداخلين والخارجين، ويتحكم بأسماء أعضاء المؤتمر، خاصة أن عددًا من قيادات «فتح» وشخصياتها الأساسية رفضت اتفاق «أوسلو»، ورفضت الدخول إلى فلسطين المحتلة بإذن من الاحتلال، وبالتالي فإن الاحتلال لا يسمح لهؤلاء بالدخول، فيصبح أعضاء المؤتمر من لون واحد، ومن هؤلاء: القياديان في الحركة «فاروق القدومي»، و«محمد جهاد»، الذي يعد من أوائل قيادات حركة «فتح»، والذي أدلى بتصريح قال فيه: إنه لم يدع للمؤتمر، وهو المقيم بالعاصمة الأردنية «عمان»، ولم يبلغ بجدول أعماله.

ملاحظات جوهرية

يُسجل على مؤتمر «فتح» السادس الملاحظات الجوهرية التالية:

أولًا: تم الاتفاق داخل حركة «فتح» على أن عدد الأعضاء هم ١٥٥٠ عضوًا، منهم حوالي ٤٥٠ من غزة، و١٥٠ من سورية ولبنان، والباقي موزعون.. لكن فوجئ الجميع داخل الحركة وخارجها بارتفاع عدد أعضاء المؤتمر صبيحة انعقاده إلى حوالي ٢٢٥٠ عضوًا، وإذا عرفنا أن قيادات «فتح» في غزة منعوا من الحضور، أي (١٥٥٠ - ٤٥٠= ١١٠٠)، فإن محمود عباس وجماعته يكونون قد أدخلوا إلى المؤتمر ۱۱٥۰ عضوًا جديدًا (٢٢٥٠ - ١١٠٠) دون أن يعرف أحد بهم، ودون أن يسجلوا في كشوف أعضاء المؤتمر، ودون أن توافق عليهم اللجنة التحضيرية.

ثانيًا: إن المؤتمر ابتعد بالكامل عن التقاليد العلمية للمؤتمرات، فحركة «فتح» لم تقدم للمؤتمر- الذي ينعقد لأول مرة منذ عشرين عامًا -تقارير سياسية أو إدارية أو تنظيمية أو مالية عن الفترة الماضية، ولم تعرض تقارير عن المراحل المختلفة التي مرت بها الحركة، أو مر بها الشعب الفلسطيني وقضيته.. ولما ارتفعت الأصوات معارضة، تدخل أزلام عباس بالقول: إن كلمة الافتتاح التي ألقاها هي التقرير، لكن هذا لم يقنع المعارضين.

ثالثًا: حصلت في المؤتمر صراعات واشتباكات يدوية وبالكراسي، فقد تعرض اللواء «توفيق الطيراوي» قائد جهاز الأمن الوقائي في الضفة الغربية سابقًا للضرب على أيدي خصومه، حتى كاد يغمى عليه، كما حصل اشتباك بالكراسي بين أنصار «عباس زكي» ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، وبين أنصار اللواء «سلطان أبو العينين» القيادي في حركة «فتح» في لبنان.

رابعًا: تسلم جهاز أمن محمود عباس مهمة أمن المؤتمر بالكامل، وجرى فرض إجراءات قمعية على المتحدثين الذين يعارضون نهج عباس؛ حيث أخرج القيادي الفتحاوي «حسام خضر» من قاعة المؤتمر، لأنه طالب بتقديم تقارير مكتوبة!

خامسًا: شهد المؤتمر تكتلات كثيرة..

التكتل الأساسي كان لمحمود عباس، الذي حرص على إدخال القيادي في «فتح» «محمد غنيم» إلى فلسطين المحتلة لأول مرة، وهو قيادي مؤسس في حركة «فتح»، وشخصية تاريخية، لكنه ضعيف، ومقيم في تونس منذ عام ١٩٨٢م، وليس له أنصار على الأرض، لكن له رمزية معينة، ويقال: إن إغراءات مادية كثيرة قدمت له، كما تعرض للتهديد بالطرد من تونس إذا لم يعمل مع عباس.

وحرص عباس أيًضا على التحالف مع «سليم الزعنون» الذي يرأس المجلس الوطني الفلسطيني، والمجلس المركزي.. كما تحالف مع «أحمد قريع»، و«مصائب عريقات».

نتائج المؤتمر

ولعل أهم ما أفرزه المؤتمر هي النتائج التالية:

١ـ تكريس زعامة محمود عباس للحركة، وإعادة بنائها من جديد كحزب سلطة برأسه ويقوده عباس بدون منافسة قوية من أحد..

وفي هذا الإطار تم دفن مرحلة ياسر عرفات بالكامل، وأعيد تشكيل «فتح» من باب المؤتمر التنظيمي، ومنح عباس صلاحية التصرف كما يشاء.

٢ـ تم تحويل حركة فتح إلى حزب للسلطة، وأداة للحكم، وانتهى دورها كحركة تحرر وطني، وبعد المؤتمر أصبحت «فتح» ملتفة حول محمود عباس، وأضحت مصالح قادتها مرتبطة بالأموال التي يمنحها عباس لهم، والمناصب التي يوزعها عليهم.. وكل من يعرف حركة «فتح» يدرك أنها أصبحت اليوم معنية بالمنح المادية والمواقع والمناصب، وأن غالبية الصراعات هي حول هذه العناوين.

٣ـ حاولت قيادة «فتح» التشاطر سياسيًا في مسألة البرنامج السياسي، لكن الحركة لم تتبنَّ المقاومة كخيار استراتيجي للتحرير، ولم تتحدث عن المقاومة كشرط ضروري لإزالة الاحتلال، بل لجأت إلى استخدام عبارات مموهة مثل: أنها ملتزمة بالمقاومة ضمن القوانين الدولية، أو ضمن ما تتيحه الشرعية الدولية، أو أنها مع المقاومة كشكل من الأشكال الأخرى الكثيرة للمواجهة، وحتى هذا الكلام لم يقنع أعضاء المؤتمر الذين أخذوا بالضحك عند تلاوة هذه العبارات.

ولوحظ حرص «فتح» على عدم ذكر أي عبارة عن الكفاح المسلح أو المقاومة المسلحة، إذ نص البرنامج على ممارسة النضال الشعبي السلمي، قائلا: «.. وأنواع النضال التي ابتدعتها انتفاضة الحجارة، وانتفاضة الجدار، خصوصا في قرى بلعين، وتعلين، والمعصرة وغيرها.. وأشكال مختلفة للنضال بما فيها السياسي والدبلوماسي والمفاوضات».

وقال نبيل شعث القيادي في حركة «فتح»: «النضال في المرحلة الحالية هو نضال شعبي، لكن ذلك لا يلغي أشكال النضال الأخرى التي هي تاريخنا وحقنا بموجب القانون الدولي»، وأضاف: «إن البرنامج يؤكد الالتزام بالعملية السلمية».

٤ـ كرس هذا المؤتمر التزام «فتح» الاعتراف ب«إسرائيل»، وبالمفاوضات مع الاحتلال الصهيوني، وبالتسوية كخيار لحل الصراع، وبالالتزامات الأمنية الواردة في اتفاقيات التسوية، وفي خارطة الطريق، وهذا يعني افتتاح مرحلة جديدة من الحرب التي تشنها السلطة على المقاومة.

٥ـ لوحظ في الكلمات التي ألقاها محمود عباس، وعدد من أبرز قيادات «فتح» حقدهم الشديد، وهجومهم اللاذع على حركة «حماس» ونهجها؛ لدرجة أنهم هاجموا «حماس» ولم

يتعرضوا للاحتلال الصهيوني، حتى قيل: إن «حماس» كانت أبرز الحاضرين في المؤتمر!

فشل ومخاوف

صحيح أن حركة «فتح» نجحت في عقد مؤتمرها، وفي تكريس زعامة محمود عباس، وفي الإطاحة بعدد من قدامى المسؤولين، وفي وضع ما سمي ببرنامج سياسي جديد، إلا أن هذا المؤتمر يمثل فشلًا في عدد من الجوانب.. فقد فشل في حسم وإنهاء الخلافات الكثيرة داخل القيادات والمعسكرات، وفشل في الإجابة عن جدلية العلاقة بين «فتح» والاحتلال الصهيوني، وفشل في رسم العلاقة بين «فتح» وجماهير الشعب الفلسطيني التي ترفع شعار إزالة الاحتلال ودعم المقاومة، وفشل في تحديد العلاقة مع القوى الفلسطينية الأخرى، التي جزء منها شريك لحركة «فتح» في منظمة التحرير، وجزء منها مختلف مع «فتح»؛ مثل «حماس».

وفشلت «فتح» في الإجابة عن وضعها ومستقبلها إذا تعثرت عملية التسوية كما هو حاصل اليوم.. لكن أخطر ما يمكن أن يواجهه الفلسطينيون هو أن يحول عباس مؤتمر «فتح» نحو المزيد من الاقتتال الفلسطيني، والمناورة لصالح الاحتلال.

وبعد المؤتمر، هناك قلق فلسطيني من إقدام عباس على إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية في الضفة الغربية، وتعطيل الحوار الفلسطيني، والاستمرار في الاعتقالات، والذهاب بعيدًا في عملية التسوية، والاستقواء بالمؤتمر ونتائجه نحو المزيد من التنازل للاحتلال الصهيوني على حساب الشعب الفلسطيني.

«الهوامش»

(*) رئيس تحرير مجلة «فلسطين المسلمة».

الرابط المختصر :