العنوان فنانات مصر التائبات.. ومسيرة العودة إلى الله
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر الأحد 01-مارس-1992
مشاهدات 53
نشر في العدد 991
نشر في الصفحة 15
الأحد 01-مارس-1992
ملف «الفنانات التائبات»
إعداد: شعبان عبد الرحمن وبدر محمد
بدر
• شمس
البارودي بدأت المسيرة منذ 9 سنوات وتبعتها شادية، وهناء،
وهالة، ونسرين، وأخيرًا نورا.
• شمس
عادت من الحج بالحجاب، وشادية أعلنت التوبة والاعتزال أمام قبر النبي - صلى الله
عليه وسلم
-.
• هالة
الصافي: سترني رسول الله في المنام، فخلعت بِدل الرقص إلى الأبد.
• نسرين:
حاسبني أبي في المنام، فخشيت حساب الله الأكبر، واتجهت إليه.
• هناء
ثروت: خرجت من عند الشيخ الشعراوي، وأنا مصممة على الحجاب والاعتزال.
• ذهبت
كاميليا العربي بالحجاب إلى التلفزيون، فمنعوا ظهورها على الشاشة.
ربما يكون هذا الملف الذي يحويه هذا العدد عن «الفنانات التائبات» مثار تساؤل
واستغراب لدى قراء المجتمع؛ إذ ربما يعتقد البعض أن تناول مثل هذه الموضوعات قد
يكون قاصرًا على صحف الإثارة أو الذين يتناولون هذه الموضوعات من هذا الجانب، لكن
المجتمع لا تنظر إلى هذا الأمر من هذه الزاوية، ولا تعرضه من هذا الجانب، لا سيما
وأنها كانت أول صحيفة تنشر حوارًا مع الفنانة شمس البارودي حينما أعلنت توبتها،
فكانت الهزة الأولى في الوسط الفني. لذلك فنحن نعرض هذا الملف هنا كقضية حياتية
تفرض نفسها على واقع الناس، وعلى تفكيرهم، ونعرضه كحقيقة يجب أن يدركها الجميع،
هي: أن طريق الله هو الطريق الحق، وأن كل من يتنكّب هذا الطريق يعيش حياة
منتكسة غير مستقرة، وأن الصحوة الإسلامية التي يعيشها العالم الإسلامي اليوم إنما
هي صحوة ربانية يوجهها الله - سبحانه وتعالى - ويمسك بزمامها، ويأخذ بناصيتها، وأن
هذه الجحافل العائدة إلى طريق الله تلتمس رضاه، وترجو جنته، وتخشى عذابه، لن تفلح
قوى الأرض كلها في الوقوف أمامها؛ لأن الذي يسيرها هو مسيّر الكون سبحانه: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ
رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (هود:56).
وإلى ملف العدد.
التحرير
أشعة الهداية ما زالت تواصل امتدادها ساطعة في سراديب عالم الفن، فلم
نكد ننتهي من قصة توبة واحد من أهل هذا العالم إلا ونفاجأ بتائب جديد يعلن براءته
من هذا العالم، وتوبته إلى الله عما اقترف من ذنوب. لم يكن ما يحدث هو بمثابة «فلتات» بقدر ما أصبح
ظاهرة تلفت الأنظار بشدة.
فمنذ عدة أسابيع قليلة أعلنت نورا اعتزالها وارتداءها الحجاب،
وقالت: إنها في طريقها للزواج من أخ مسلم، فهي مطلقة منذ سنوات من الفنان حاتم ذو
الفقار، لتتفرغ إلى بيتها وعبادة ربها. وفي الطريق إلى الاعتزال تقف الفنانة عفاف
شعيب في المقدمة، بينما تفكر آثار الحكيم وشهيرة جديًّا في هذا
الأمر.
هذه الظاهرة الطيبة بدأت منذ 9 سنوات عندما
فوجئ الوسط الفني والجماهير المتعلقة به - للمرة الأولى - بشيء بدا غريبًا عليهم،
وهو نبأ اعتزال شمس البارودي، وهي ما زالت في ريعان شبابها، فالعادة جرت
على أن الفنان يعتزل إما لمرض أو بسبب الموت، ولكن شمس اعتزلت بسبب آخر زاد من
المفاجأة بين أفراد هذا الوسط وهو الدافع الإسلامي والقناعة بأن ما تقوم به حرام
في حرام يغضب الله ولا يرضي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ظنون الناس، وحجاب شمس
ذهبت شمس إلى حج بيت الله الحرام للمرة الأولى في حياتها، وعادت وهي
ترتدي الحجاب معلنة لزوجها الفنان حسن يوسف وأهلها ومعارفها اعتزالها الفن
وتفرغها لبيتها ورعاية أولادها؛ ابتعادًا عن هذا الوسط المليء بما يغضب الله. ظن
الناس وأولهم زوجها -كما قال لي- أن ما فعلته الحاجة شمس ربما يكون من آثار الحجة
الروحانية، التي سرعان ما تزول بعد انخراطها مرة أخرى في الحياة، ولكن هذه الظنون
تبددت وتأكد للجميع صدق توجهها ورسوخ قرارها، فردد البعض أن توبة شمس «فلتة» من الصعب أن
تتكرر، ولكن الله خيب ظنونهم، فعلى مدى السنوات التسع الماضية تحوّل مثال الحاجة
شمس إلى ظاهرة، فأعلنت الفنانة شادية اعتزالها وارتداءها الحجاب، وتبعتها هناء
ثروت ومعها زوجها محمد العربي، ثم هالة الصافي، وسبقها زوجها حمدي
عبد الصادق، ثم هالة فؤاد، فنسرين وزوجها محسن محي الدين،
حتى الفنانة الصغيرة رانيا عاطف طالبة الثانوية العامة اختصرت الطريق،
واعتذرت عن المشاركة في بروفات الجزء الثالث من المسلسل الشهير «ليالي الحلمية» وارتدت الحجاب،
وتفرغت لدراستها؛ لتسلك طريق الله بالعلم.
امتدت الظاهرة من الوسط الفني إلى مبنى الإذاعة والتلفزيون، حيث فاجأت
بعض مذيعات التلفزيون قياداتهن بالحجاب يعلو رؤوسهن والجلباب يغطي أجسادهن،
فقُوبلن بالرفض، بل والإجبار على الاستقالة، وهكذا فضلت كاميليا العربي، وسحر
جبريل، ومها سمير، طاعة الله والجلوس في البيت على الشاشة والشهرة.
الظاهرة مليئة بالقصص والأسرار، والعبر والعظات والمفارقات، فلكل
واحدة من هؤلاء قصة مع التوبة إلى الله، كما أن لكل منهن آراء وسلوكيات ونظرات في
الحياة تجعلك لا تملك إلا أن تقول: سبحان مغير الأحوال.
تربية الأولاد أفضل رسالة
فشمس البارودي تقول عن نفسها: أنا لست سوى مسلمة تسعى بقلبها وعقلها
لما خُلقت له، أسعى لرضى ربي، وأفوز بجنته، والطمع في رحمته، فإن لم أستعن بالله
في كل سكناتي وحركاتي، فلن يصلح لي أي عمل مهما أوتيت من خير الدنيا.
«والمعروف عنها رفضها الشديد للحديث للصحافة، كما أنها ترفض الحديث
مع الرجال بالتليفون، وقد حاولت أكثر من مرة الحديث إليها هاتفيًّا فنجحت بصعوبة
في اقتناص مدة دقائق منها قالت لي خلالها: لم أعد أعرف
أفضل من رسالة تربية أولادي على تقوى الله، ورعاية بيتي وزوجي كزوجة وأم مسلمة،
وما يتبقى من وقتي، فهو للقاء بعض الأخوات في الله نتدارس العلم ونتفهم معالم
ديننا».
وعن تجربتها مع الحجاب والتوبة والاعتزال قالت: إنها سوف تسجلها
بقلمها يومًا ما عندما يشاء الله.
حجاب شمس له فضل
أما زوجها الفنان حسن يوسف، فهو على العكس لم يمانع في الحديث،
فقد التقيت به أكثر من مرة، فأكد أنه فرح جدًّا بقرار زوجته؛ لأنه كان يحب أن
يراها كذلك ولكن دون إجبار منه، وقال: كنت أظن أن قرارها ربما يكون وقتيًّا وسرعان
ما تعود إلى ما كانت عليه، ولكن مع مرور الأيام وجدت أنها تزداد استمساكًا وقراءة
ومدارسة للإسلام، وكنا إذا خرجنا معًا أحاول مداعبتها بأن تكشف جزءًا من رأسها أو
بعضًا من شعرها، فكانت ترفض هذا النوع من الدعابة بجدية، وهنا تأكد من ثبات ورسوخ
ما قررته.
ويشير حسن يوسف في لقائي معه: إن حجاب زوجتي، وبقاءها في المنزل قد
أضاف مزيدًا من الاستقرار والنظام والألفة داخله، كما دفعني ذلك إلى التدقيق أكثر
في اختيار أعمالي الفنية، فلا أقبل إلا الدور البنّاء الذي أقول من خلاله ما يرضي
الله ورسوله، وقد حوّلت مكتب الإنتاج السينمائي الذي أمتلكه بوسط القاهرة إلى مكتب
لتوزيع الأعمال الإعلامية الإسلامية، المقروءة والمسموعة والمرئية.
ويؤكد أنه فكر بالفعل في اعتزال الفن، ولكن عددًا ممن يثق فيهم أشاروا
عليه بالبقاء كعنصر من عناصر الخير في هذا الوسط عسى أن يهدي الله به.
هؤلاء يضايقون شمس
والمعروف أن شمس البارودي كانت قد قوبلت فور توجهها الجديد بموجة من
الانتقادات والمضايقات ممن تسميهم هي بنفسها: «الذين يصعب عليهم رؤية المسلمات
ينتهجن طريق الحق؛ لأن هذا لا يوافق أهواءهم، ولا يحقق أغراضهم. إنهم يريدون إرهاب
الأخريات القادمات على الطريق، وأنا لا أبغي إلا السعي في مرضاة ربي، فمن رضي عني
من البشر فهنيئًا لي، ومن لم يرض فهذا نصر لي، هدفي محدد وطريقي ثابت وهو إرضاء
ربي».
وكان أبرز المضايقات هو قيام عدد من دور العرض بعرض أفلامها وخاصة
فيلم «حمام الملاطيلي»، وحاولت بعض هذه الدور جذب الجماهير إليها بعمل
إعلانات خادعة توحي للمشاهدين وكأن شمس البارودي قد عادت مرة أخرى للتمثيل، وقد
دفع هذا السلوك السيدة شمس إلى نشر إعلان مدفوع الأجر في الصحف تعلن فيه أنها
اعتزلت الفن، وأنها تبرأ إلى الله من أي عمل يُعرض لها، وتناشد دور العرض
والمسؤولين في الإعلام عدم عرض هذه الأفلام.
شادية أمام قبر الرسول - صلى الله عليه وسلم -
ولم تمض سنوات قليلة على اعتزال شمس حتى فاجأت شادية الجميع
بالاعتزال بعد أن ارتدت هي الأخرى الحجاب، وذلك بعد عودتها من رحلة حج أيضًا.
تقول عنها صديقتها الشاعرة علية الجعار صاحبة العديد من
الأشعار والأعمال الفنية الإسلامية:
إن شادية من أعماقها إنسانة متدينة ووالدتها سيدة تركية متدينة. كنت
قد كتبت لها أغنية دينية بعنوان «خذ بيدي»، وهي آخر أغنية قامت بأدائها قبل
الاعتزال، وتعاهدت معها أمام قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحج أن
تكون هذه الأغنية آخر أغنية لها بدون حجاب، ولكنها عادت من الحج، واعتزلت الغناء
نهائيًّا.
وقد تبرعت شادية مؤخرًا بأرض فيلتها بالقاهرة؛ ليقام عليها بيت من
بيوت الله، وعادة ما تقضي الكثير من وقتها في جلسات العلم بين مجموعات من السيدات.
هناء ثروت: رفضت هذه الرسالة
الجليلة
أما هناء ثروت فقد كان لها مع الحجاب قصة مختلفة، تقول عن
رأيها في المسألة بكاملها: إن النشأة والبيئة والأسرة لها دور كبير في حياة
الإنسان المستقبلية وتحديد مساره في الحياة، والله - سبحانه وتعالى - حينما اختص
المرأة بالبقاء في البيت وتربية النشء، فإنما اختصها بأكبر ثروة على الأرض، وبأهم
وظيفة في الحياة، ولكن النساء رفضن هذا الشرف وهذه الرسالة وكنت واحدة منهن!.
كنت أقول وأنا أمارس الفن: كيف سيستفيد مني المجتمع؟، حتى هداني الله
إلى اليقين بأن أولادي محتاجون إليّ من الألف إلى الياء.
وحادث ارتداء السيدة هناء الحجاب واعتزالها الفن وقع منذ 5 سنوات
عندما اختلفت مجموعة من الفنانين حول قضية الفن، هل هو حلال أم حرام؟
وذهبت هذه المجموعة إلى فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي للبت
في هذه القضية، وبعد اللقاء خرجت هناء آخذة عهدًا على نفسها أمام الله بارتداء
الزي الإسلامي واعتزال الفن بعد أن تأكدت أن هذا الزي هو أمر من عند الله وليس سنة
كما كانت تعتقد.
ولم تلبث السيدة هناء ثروت أن تعلن اعتزالها حتى تبعها زوجها محمد
العربي بأيام، وصار محمد يعمل بالتجارة، بينما مكثت هناء باختيارها في البيت
ترعى أولادها وتلقي الدروس الدينية على السيدات في بعض المساجد.
قصص مؤثرة وقناعة راسخة
نوع آخر من الفنانات التائبات، كانت الرؤيا في المنام هي الدافع
لتوبتهن. وهذا النوع يتركز في الحاجة هالة الصافي، التي كانت راقصة مشهورة،
والحاجة نسرين التي كانت تقوم بالتمثيل، لكن الرؤيا مختلفة بين الاثنتين، فهالة
رأت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بينما نسرين رأت والدها - رحمه الله
-. ولنتركهما ترويان تفاصيل هذه الرؤى.
حدث في صالة الرقص
تقول الحاجة هالة خلال لقائي بها في بيتها بالقاهرة: مررت بأطوار
غريبة ومرهقة قبل توبتي، كنت أشعر بالتعب والإرهاق والنعاس قبل النزول إلى صالة
الرقص رغم نومي طوال النهار؛ استعدادًا للعمل بالليل، وكانت دموعي تنهمر بدون سبب
فتفسد المكياج، وأنزل إلى الصالة وكأن وزني ثقيل، وأصبحت عصبية جدًّا لا أطيق
الكلام مع أحد، وشعرت فجأة باحتقاري لنفسي وللمهنة، وفي إحدى الليالي تشاجرت مع
أعضاء الفرقة الموسيقية وعدت إلى بيتي، وبمجرد دخولي وجدت أمي أمامي، وهي
بالمناسبة كانت دائمة الدعاء لي بأن يتوب الله علي من هذا العمل، وكنت أرد عليها
دائمًا بأنني لا أفعل شيئًا مشينًا، فقد كنت لا أعلم، وكنت لا أعلم كذلك أن كل
المرأة عورة، والحمد لله الذي هداني وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
المهم، قلت لأمي في تلك الليلة وأنا أبكي: إنني متعبة، فأشارت علي
بصلاة ركعتين.
عندما جلست في هذه الساحة الكبيرة
فنهضت وتوضأت وصليت، وبعدها نمت مباشرة، فرأيت في المنام نفسي خارجة
بقميص نومي، وتوجهت إلى ساحة كبيرة يجلس فيها جمع كبير؛ استعدادًا للصلاة، وفي
الصف الأول جلس رجل جلسة ميزته عن الناس وكأنه إمامهم.
أشار إليّ أن أتقدم إليه، فتقدمت، حتى اقتربت منه، فشدني، وأجلسني
وراءه بخطوات، حتى حان موعد الصلاة، فنهض الناس جميعًا إلا أنا، أمرنا الرجل
بالنهوض والصلاة، فسألته كيف أصلي، وأنا هكذا شبه عارية؟!، وأجهشت بالبكاء حسرة
على نفسي، فأعطاني «بشكيرًا»
كان
معه. وبعد الانتهاء أردت أن أرد إليه البشكير مرة أخرى، فرفض قائلًا: استري به
نفسك. غمرتني الفرحة، وأخذت أسأل من حولي عن هذا الرجل، فردت علي إحدى السيدات
قائلة: إنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم- استيقظت من نومي، وأنا أردد اسمه صلى
الله عليه وسلم، كان زوجي مستيقظًا، فأخبرته على الفور بأن يلغي كل أعمالي، وذكرت
له ما حدث ففرح، وأخبرني بأن هذه هي اللحظة التي كان ينتظرها، بعدها ذهبت إلى
الأراضي المقدسة لأداء فريضة الحج للمرة الأولى في حياتي، ومن يومها وأنا بفضل
الله في معية الله.
من عازف طبلة إلى مالك مدرسة
إسلامية
كان يحضر هذا الحوار مع الحاجة هالة زوجها حمدي عبد الصادق،
الذي أخبرني هو وزوجته أنه سبق زوجته بالتوبة إلى الله، واعتزال الفن بأربع سنوات.
قال حمدي: كنت أعمل عازفًا «للطبلة» في إحدى الفرق الموسيقية، وكنت أتطلع إلى شهرة واسعة في عالم الفن
كغيري من كل الشباب الهائم، ولكن كنت بين الحين والآخر أفاجأ بحالات من الضيق
والألم النفسي. كنت أعالجه باللجوء إلى إحدى الزوايا الصغيرة على مقربة من ميدان
الجيزة تعودت عليها؛ حيث كنت أصلي وأبكي ما أشاء حتى أشعر أنني اغتسلت تمامًا،
فأخرج وأمارس حياتي الفنية العادية، حتى كان شهر شعبان منذ 5 سنوات فصمت
الأيام الثلاثة الأولى منه، بعدما سمعت عن فضل كبير لصيام هذه الأيام، وتغيبت
خلالها عن العمل، ولكن بانتهاء الأيام الثلاثة ترددت في العودة مرة أخرى لمعصية
الله، وتوجهت إلى إمام المسجد القريب من سكننا بالعجوزة، وقصصت له ترددي في العودة
والدافع وراء ذلك، فرد عليّ بقول الله - سبحانه وتعالى -: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ
مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (الطلاق:1-2)، ارتحت راحة
كبيرة لهذه الإجابة، واعتزلت الفن نهائيًّا، وبدأت أسلك طريقًا آخر، التحقت بمعهد
الدراسات الإسلامية لدراسة الإسلام، وحصلت على الماجستير، وأقمت مدرسة إسلامية
بالاشتراك مع زوجتي؛ لأعلم فيها الأطفال مبادئ وأخلاق الإسلام وعظمته إضافة إلى
العلوم الأخرى، وذلك لكي أزودهم بما حُرمت أنا منه في طفولتي؛ حيث ينشأون صالحين،
ولا يضحك عليهم الشيطان، ويهوي بهم إلى سبيل الغواية.
نسرين وزوجها محسن محيي الدين
ومنذ سنتين تقريبًا فاجأت السيدة نسرين الناس بارتداء الحجاب،
وإعلان اعتزال الفن، وكذلك أعلن معها محسن محيي الدين، وإن كان ذلك بمثابة
مفاجأة للناس، فإن نسرين ترفض بشدة أن يكون هذا وليد التسرع أو حدث بين يوم وليلة،
ولكن للأمر جذورًا متأصلة في نفسها كما تقول: فأنا من بيت متدين، وتربيتي دينية،
أبي - رحمه الله - من خريجي الأزهر، وتوفي وهو يؤدي رحلة العمرة، ودفن بالأراضي
المقدسة، وأمي حجت إلى بيت الله 18 مرة، وأدت العمرة أكثر من 25 مرة. وتواصل
بحسرة: أنا الوحيدة في أسرتي التي ابتعدت عن الخط الديني ولم يشجعني أحد أو يأخذ
بيدي، ولكن أبي - رحمه الله - هو الذي ساقه لي الله ليشجعني ويأخذ بيدي، رأيته في
المنام يحاسبني عن ابتعادي عن طريق الله، وبعد هذه الرؤية استيقظت مباشرة، وبحثت
في دولابي عن فستان طويل وطرحة كنت أحتفظ بها في دولابي منذ وقت طويل، وأخبرت زوجي
محسن محيي الدين أنني سوف أعتزل الفن، وأرتدي الحجاب، فتلقى مني ذلك الخبر
بفرح كبير، ورد قائلًا: ولماذا تفوزين أنت وحدك بالتوبة؟، وقرر هو الآخر الاعتزال.
تضيف نسرين: إن اعتزالي ورجوعي إلى الله لم يُرحني فقط من عناء العمل،
ولكنه أثر أيضًا تأثيرًا طيبًا على معاملاتي مع الآخرين، فقد كنت عصبية جدًّا،
أغضب لأتفه الأسباب، ولكنني الآن أتمتع باستقرار نفسي عالٍ جدًّا، وبهدوء أعصاب لم
أشهده من قبل.
الظاهرة تنتقل إلى التلفزيون
وتمضي القافلة، فتلحق بها هالة فؤاد التي تُصمّم على رفض
الحديث مكتفية بالقول: إنها عبدة لله، ترعى بيتها وزوجها، ثم رانيا عاطف،
التي تفرغت لدراستها بعد أن اختصرت الطريق وارتدت الحجاب. وهكذا وما زالت أشعة
الهداية تواصل انتشارها في سراديب عالم الفن مقتحمة على الشيطان حصونه، التي يفر
منها هاربًا بينما تواصل التائبات والتائبون أنشودة العودة إلى الله ودعاء التوبة
الخاشع الباكي. وبينما يحدث ذلك يفاجأ الناس بأن الظاهرة قد انتقلت إلى الشاشة
الصغيرة، فقد فوجئ العاملون بالتلفزيون بالسيدة كاميليا العربي - شقيقة محمد العربي - تدخل إلى المبنى مرتدية الحجاب على غير عادتها، فمُنعت من الظهور على
الشاشة بهذا الوضع، وما زالت ممنوعة حتى الآن رغم استمرار ارتباطها بالعمل. وعندما
سُئل عبد السلام النادي - رئيس التلفزيون
- عن السبب اكتفى بالرد قائلًا: إن ذلك شيء غير مرغوب فيه. وعندما سُئل: وكيف يتم
السماح لكريمان حمزة بالظهور على الشاشة، وهي محجبة؟ فرد: أنا لا أُسأل عن
قرارات غيري.
وبسبب هذه المشاكل والعراقيل التي يضعها التلفزيون لمن ترتدي الحجاب،
فإن المذيعة سحر جبريل مذيعة القناة الثالثة، ومها سمير مذيعة
القناة الثانية قدمتا استقالتيهما بمجرد ارتدائهما الحجاب، وتفرغت كل منهما لبيتها.
ويبقى سؤال مطروح، وهو إذا كانت هؤلاء الفنانات قد أعلن التوبة،
والبقاء في البيت لرعاية الزوج والأولاد، وهذه أجلّ رسالة، ولكن ألا يقع عليهن دور
كبير في إصلاح المجتمعات؟، فقد كان لهن دور واستجابة كبيرة في قطاعات عريضة عندما
كن يمارسن الإضلال، وليس هناك شك في أنهن قادرات من خلال شهرتهن وتعلق الناس بهن
أن يشرحن سيرتهن مع التوبة التي عتّمت عليها أجهزة الإعلام وهن بذلك قادرات أن
يقطعن بفضل الله الطريق - طريق الاتجاه إلى الفن الذي يفكر كثير من الشباب
والفتيات من التوجه إليه كطريق للشهرة والمال -.
وإن كان حال العديد منهن قد أجاب على هذا السؤال من خلال الدروس
الدينية التي تلقيها بعضهن في المساجد مثل هالة الصافي وكاميليا العربي
وهناء ثروت، وكذلك محاولة بعضهن الذهاب إلى الجامعة للالتقاء بطلابها وتم
منعهن، إلا أن المنتظر منهن ما زال أكبر من ذلك!.
«المجتمع» أول صحيفة عربية حاورت الفنانة
التائبة شمس البارودي
«المجتمع»
كانت
أول صحيفة عربية تنشر حوارًا مع السيدة شمس البارودي، أجراه مراسلها في
القاهرة، وهي أول من أعلنت توبتها واعتزالها الفن في الثمانينات، فقد نشرت «المجتمع» الحوار في
عددها الصادر يوم 26 يناير 1988، ثم تبعتها الصحف العربية تبني على نفس الحوار أو تقتطف منه، وقد
نُشر هذا الحوار في كتيب قدمت له الداعية زينب الغزالي قالت فيه: «إلى كل من تريد أن تسلك طريق الهداية، طريق
الحق، أقدم حديث السيدة الفاضلة شمس البارودي، وقد أعجبني ردها على سؤال؛ حيث
قالت: «لو عدت إلى الوراء لما تمنيت أبدًا أن أكون من الوسط الفني، كنت أتمنى أن
أكون مسلمة ملتزمة؛ لأن ذلك هو الحق»، بهذه الكلمات
السهلة البسيطة عبرت شمس البارودي عن فكرها الذي اعتمدت به الطريق إلى الله،
والطريق إلى الله لا يغلق في وجه طارق».
اعتزلت السيدة شمس البارودي التمثيل في عام 1982، وهي في ريعان شبابها، فكانت مفاجأة للوسط الفني، وحاول الكثيرون
إقناعها بالعودة، وتقديم عروض مالية لا يقاومها إلا من ملأ الإيمان قلبه، وحاربوها
من طريق آخر، طريق الأفلام التي شاركت فيها في فترة بعدها عن طريق الله، فنشرت
إعلانًا في الصحف تستنكر فيه هذه الوسيلة الخسيسة، مفوضة أمرها إلى الله، ولم تنجح
كل هذه الحملات في زعزعة إيمانها أو في التغلب على إرادتها، وبدأت في تعلم أمور
دينها، حتى استكملت بعض المفاهيم، وبدأت تدعو في الوسط الفني وفي غيره، وبدأت
مسيرة التائبات على يديها، فتبعتها الفنانة شادية، ثم هناء ثروت وزوجها
محمد العربي، ثم نسرين، ثم هالة الصافي الراقصة، ثم هالة
فؤاد، والمذيعة كاميليا العربي، وأخيرًا وليس آخرًا، الفنانة نورا
والفنانة عفاف شعيب، والفنانة هدى رمزي.
وهكذا بدأت القافلة، وسوف تستمر بإذن الله، وهذه بعض كلمات السيدة شمس
البارودي في حوارها الذي نُشر قبل أربعة أعوام في المجتمع: الحياة التي يراها
البعض مبهرة وفيها كل متع الحياة وما إلى ذلك يراها المسلم حياة ضلال، الحياة
المظلمة قبل انتقالي إلى طريق النور، إنها كانت فترة غيبوبة بالنسبة لي.
أول الفنانين التائبين: الفنان
حسين صدقي وقصته مع سيد قطب!
رحلة التوبة بين أهل الفن لم تبدأ في الثمانينات، بل بدأت قبل ذلك
بأكثر من 20 عامًا، كان رائدها الفنان الممثل حسين صدقي،
كان وقتها فتى السينما الأول، وملك الشاشة الكبيرة، له الجول والصول في هذا
المجال، وفي ذروة هذا المجد، أدرك الفنان أن هذا المجد زائف وإلى زوال، خاصة وقد
صادق كثيرًا من العلماء وأصحاب الفكر، على رأسهم بعض شيوخ الأزهر مثل الشيخ محمود
شلتوت والشيخ عبد الحليم محمود - رحمهم الله جميعًا -. وكان حسين صدقي كذلك صديقًا لأسرة الشهيد سيد
قطب، وبدأ جانب الإيمان يتغلب، فاختار الأفلام الهادفة، الخالية من المناظر
الخليعة، والمشتملة على الفكرة الجيدة التي تتناول جانبًا أخلاقيًّا، وقام بحرق
الأفلام التي أنتجها حتى يبرئ ذمته أمام الله، وكان آخر أفلامه «خالد بن الوليد»،
واشترك في تمثيلية تلفزيونية اختتم بها حياته في هذا الميدان تحت عنوان: «سهم الله».
تقول السيدة سميرة المغربي زوجة المرحوم حسين صدقي «للمجتمع»: تأثر حسين صدقي بصلته بشيوخ الإسلام ومفكريه،
وعندما ذهبنا لزيارة شهيد الإسلام سيد قطب في مستشفى قصر العيني، وعلم أن
زوجي يفكر في الاعتزال والتوبة عن هذا الميدان، غضب - رحمه الله -، وقال أمامي: «ومن ينشر الدعوة الإسلامية يا حاجة عن طريق
السينما؟!» - وكنت أصر على
اعتزال زوجي - «يا
حاجة إننا نريد أن ننتج أفلامًا سينمائية تعالج القضايا الإسلامية، فهي أحسن وسيلة
لنشر الدعوة، إننا نريد أن يستمر الأستاذ حسين صدقي، وأن يختار القصص الهادفة التي
تقدم للناس الإسلام في صورة جميلة»، وطلب منه الاستمرار، ولكن سرعان ما حُكم على
الشهيد بالإعدام، وكانت الأجواء في مصر غير مشجعة بعد سجن الإخوان، فاعتزل زوجي،
ثم توفي عام 1976 بعد أن بنى مسجدًا في ضاحية المعادي ما زال
معروفًا باسمه.
زينب الغزالي والفنانات التائبات
عاشت «المجتمع»
لحظات
التأثر الشديد وانسياب الدموع الغزيرة أثناء لقاء في منزل الداعية زينب الغزالي،
حضرته من الفنانات التائبات عفاف شعيب ونورا مع السيدة إفراج
الحصري «ياسمين الخيام». ارتدت فيه عفاف
شعيب حجابًا أسود اللون، وغطت وجهها بنظارة كبيرة سوداء اللون، بينما ارتدت نورا
حجابًا أبيض. استمر اللقاء لأكثر من ساعتين في بيت الداعية، بعد أن استمعت
الفنانات التائبات لدرس الأربعاء الذي تقيمه زينب الغزالي في منزلها، ثم كان هذا
اللقاء الخاص الذي انسابت فيه الدموع وصفت فيه النفوس، ووجلت فيه القلوب، قصت
عليهن الداعية قصتها مع الدعوة إلى الله وجهادها في سبيله سبحانه، وشرحت لهن كيف
تأسست جماعة السيدات المسلمات، وكيف امتدت وانتشرت حتى حاربها الأعداء من كل جانب،
وأصدر الطاغية عبد الناصر قراره العسكري بإغلاق الجمعية ومصادرة أموالها.
وفي الأسبوع الماضي ألقت الداعية المجاهدة دروسًا في مسجد النساء
الملحق بمسجد الشيخ محمود الحصري في حي العجوزة، حضره عدد من الفنانات
التائبات من بينهن نورا وكاميليا العربي.
هل اعتزال الفن هو الحل الأمثل؟
سألت «المجتمع»
المذيعة
الوحيدة التي ترتدي الحجاب في التلفزيون المصري، السيدة كريمان حمزة هذا
السؤال: هل توبة الفنانات واعتزالهن الفن وتركهن الساحة أمام الخلاعة والمجون هو
الحل الأمثل؟.
فقالت:
طالما تمنيت على الله أن يكون في العالم الإسلامي إعلام إسلامي، بمعنى
أن تكون هناك مسرحيات بناءة، تبين الفضيلة وتنور الطريق، وتكشف التواء الرذيلة
ومآسيها، وأن تكون هناك أفلام على مستوى جيد من الناحية الفنية والإخراجية
والإبداعية، تشد الشباب المسلم والشابات المسلمات إلى الدين، وترسخ في أنفسهن قيمة
الشجاعة.
طالما تمنينا أن تكون هناك أغان ترفيهية، تروّح عن القلوب، وتسمو
بالنفوس، وتجدد الطاقات في إطار من المصالحة مع الله، بحيث يخرج الإنسان من
الاستماع إلى الأغنية وهو في حالة من الرضى والبشر والرغبة في مزيد من الإنتاج.
وكون أن عددًا من الفنانات أراد الله لهن التوبة الخالصة النصوح، فهذا أمر يسعد
القلوب المؤمنة، ولكني كنت أتمنى أن تظل كل واحدة منهن في مكانها تحارب وتكافح،
وبلا شك تتعب وتجاهد ولها أجرها، وذلك من أجل تقديم إعلام إسلامي صحيح.
لكن القضية التي ينبغي أن تشغل نفوس المسلمين حاليًا هي البحث عن
وسيلة قانونية لمنع أو لحرق الأعمال الفنية التي قامت بها بعض الفنانات في
جاهليتها؛ لأنه ليس من حق أي مخلوق تذكير أو التندر على من تاب وأناب وعرف طريق
الله، هذا يعتبر من باب إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، ومحاربة الاتجاه إلى
العفاف، ونحن كمؤمنات عندما نرى هذه الأعمال نتألم ألمًا شديدًا، ونرفع الأمر إلى
الله أولًا ثم إلى أصحاب المروءة والنخوة من المسؤولين.
ومن هنا فأنا أجد العذر لهن في هذا الاعتزال، الذي هو نوع من الهروب
من مواجهة موقف يصعب على البعض السير فيه في ظل هذه الظروف، ولا بد من خلق اتجاه
جديد للفن في المجتمع الإسلامي يتلاءم وروح الإسلام الصحيح.