العنوان فيلمان في تلفزيون الكويت: أحدهما يدعو للانحراف الخلقي والآخر يفلسف الانحراف!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 29-مايو-1973
مشاهدات 16
نشر في العدد 152
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 29-مايو-1973
في الأسبوع الماضي قدم تلفزيون الكويت فيلمين
جديرين بالملاحظة: الأول أمريكي: قدم يوم الأربعاء الماضي، والثاني عربي قدم يوم
الجمعة الماضي.
أما الفيلم الأمريكي فهو فيلم متفوق من حيث
الإمكانات والإخراج والأداء الفني فقد قام أبطاله بأدوارهم بطريقة طبيعية تشعرك
بالأحداث وكأنها تقع أمامك حقيقة بلا اصطناع ولا تكلف.. كل ذلك من أجل خدمة غرض
مذهبي رديء في حياة جديدة يحياها بعض شباب أمريكا وأوروبا وكان ذلك بعمق وعفوية عن
طريق تصرف الممثلين أو حديثهم العفوي العادي.
ونشهد بأن الفيلم كان بعيدًا جدًا عن أي تعمد
للإثارة أو استغلال للمرأة في أي عرض جسدي مقصود.
ولعل خطورة الفيلم تأتي من كون أفكاره تتسرب طبيعية
جدًا لتؤثر أكثر ما تؤثر على الشباب النافر من حياتنا التقليدية والذي يَنزِعُ إلى
أي حياة جديدة يحب أن يحياها.. كما أن هذه الخطورة تتضح من خلال تلك الثورة على
القيم المتوارثة والحياة الاجتماعية المستندة إلى الأديان السماوية عمومًا.. ثورة
دون صخب أو ضجة.. بل تتسلل بهدوء وتُؤَدَة لتحتل ذهن الشاب أو الفتاة دون أن تدري..
كل ذلك رأيناه في تصرف بطلة الفيلم التي تنتمي إلى
مجموعة من الشباب والشابات الذين يعيشون في جماعات مختلطين اختلاطًا يجعل شيوع
الملكية والجنس شيئًا مشروعًا.
ويبدأ الفيلم بوجود هذه الفتاة ومعها ابنها الذي
يبلغ الثامنة من عمره ولا يعرف له أبًا في مزرعة فلاح تقليدي متزوج، وهي وابنها
يقضون فترة إجازة قصيرة في سيارة معدة للتنقل والإقامة والنوم.. وحين يجد الفلاح
زوجته المريضة في حاجة إلى من يخدمها يعرض ذلك على الفتاة فتقبل ولكن تصرفها
الساذج اللامنضبط يجعل الزوجة تغار وتفقد حياتها متأثرة بالغيرة.. ثم يبدأ الصراع
بين حياة الفتاة اللامسؤولة وبين الفلاح التقليدي تنتصر فيه الفتاة في النهاية..
ولكن أين تكمن الخطورة في هذا الصراع؟
إن الفتاة تثير إعجاب الفلاح حين تتصرف بعفوية
وبدون شعور بالمسؤولية فهي تقدم خدمتها مسرورة.. وتداعب الفلاح وتُسَلِّيه غير
مكترثة بشيء وتعرض أفكارها ببساطة نحسبها سذاجة حين تخبره بأنها تعيش بين جماعة من
الشباب وأنها غير متزوجة وأنها لا تعرف لابنها أبًا.. فإذا أبدى الفلاح بعض
الامتعاض.. قالت له: ليس من الضروري أن تقتنع أو تفهم.. إن ذلك لا يهم.. بل المهم
أن تحيا حياتك أيًّا كان نوعها بحيث تشعر فيها بالسعادة والانطلاق من كل قيد..
وكان هذا دَيدَنَها في الحوار.. ليس مُهِمًّا أن
تفهم.. ليس مُهِمًّا أن توافق.. ليس مُهِمًّا أن تفكر.. ليس مُهِمًّا أن تثقل نفسك
بالهموم.. ليس مُهِمًّا نوع الحياة التي تعيشها.. المهم هو أن تحيا، وأن تحب
الحياة!
العواطف الإنسانية كانت تبدو سطحية في تصرفاتها..
فهي لا تغضب غضبًا عميقًا.. ولا تكره كرهًا متأصلًا.. ولا تحب حبًّا ملتزمًا..
وإنما كطفلة تعيش محاولة أن تعكس ذلك على من تشاركه العيش.
لم تكن تكترث كثيرًا لامتلاك النقود ولكنها كانت
تعشق الطبيعة وجمال الأزهار والحقول والأرض والهواء عشقًا رومانسيًا..
بعد موت زوجته التي كان يحبها.. كاد أن يفقد أمله
في الحياة وانصرف إلى معاقرة الخمر محاولًا النسيان.. ولكن الفتاة كانت دائمًا
تحاول أن تشده إلى الحياة محاولة بفلسفتها الخاصة أن تنقذه مما هو فيه.. وتنجح
الفتاة ويستجيب لها الرجل.. ويعتقد أنه أصبح يحبها وأنها تبادله هذا الحب.. ويذهب
في حبه إلى حد امتلاك جسدها..
ولكنه يفاجأ بأنها لم تكن تحبه وأنها تحب فتى آخر
من مجموعتها دخل السجن بسبب تزعمه لمظاهرات ضد الحرب والموت.. فيثور الفلاح على
تصرفاتها، وكيف تبيع جسدها لإنسان وتحب إنسانًا آخر.. فترد هي ببساطة: إنها ليست
سلعة.. وإنها لم تبع شيئًا.. وإن الحب شيء وممارسة الجنس شيء آخر.. وترحل الفتاة
ويعيش الفلاح.
هذه إذن أفكار جديدة مبثوثة خلال الفيلم.. وهي في
الوقت نفسه خطيرة بسبب عمق الأسلوب المعروضة فيه.. وسهولة الإقناع المتبع في
عرضها.
فهل اختار المسؤولون في التلفزيون هذا الفيلم
متعمدين لعرض مثل هذه الأفكار الجديدة على الشباب.. ولتقديم نموذج جديد لحياة
هادفة أو وجودية يحبون للشباب أن يحيوها في واقعنا الجديد؟
أم أنهم في سذاجة اختاروا الفيلم بسبب جودة إخراجه
وتمثيله ولم يحفلوا بعد ذلك في مراقبته إلا من حيث خلوه من المناظر الجنسية
المثيرة.
أم أنهم يعتقدون أن المواطن لا يهمه الأفكار التي
تعرض في الفيلم بقدر ما يهمه الأشكال والمناظر الموجودة فيه.
أيًّا كان السبب.. فإن عرض مثل هذه الأفلام.. لا
يمكن أن يكون لخير المواطن على الإطلاق.
أما الفيلم العربي الذي عرض يوم الجمعة الماضي..
فليس فيه جديد إلا أنه بلغ ذروة التفاهة.. إن في الإنتاج أو الإخراج أو التمثيل أو
القصة أو الحوار.
فالموضوع لا يمت إلى الواقع بصلة وأحداثه تقع
بطريقة مصطنعة متكلفة ومشاهده تمر بشكل منفر ممجوج.. والحوار تافه وسطي..
وليس فيه إلا شيء واحد.. الحب الصبياني.. والكره
الصبياني، واستدراج الفتى للفتاة لتقع في حبائله.. واصطناع الحيل لذلك.. إلى آخر
هذه الموضوعات المتكررة.
ولعل المشاهد يلاحظ الغرض من هذا الفيلم بعد مضي
وقت قصير جدًا منه.. فقد نشأ في بلادنا فئة من تجار الثقافة يبغون الإثراء من أقصر
الطرق.. فاختاروا طريق الإثارة الجنسية واستغلال هذه الغريزة في ابتزاز الأموال
الطائلة.. استغل هؤلاء التجار الكتاب ثم استغلوا الصحافة.. ثم استغلوا الإنتاج
السينمائي.. وقد صوغ لهم هذا الاستغلال مجتمعاتنا التي بدأت تتقبل العبث، ورقابتنا
التي أخذت تتجاوز عن الانحراف والانحلال.. وغض المسؤولون النظر عن أولئك التجار ظنًا
منهم أن ذلك وسيلة لإلهاء الناس عنهم.
ويأتي دور المسؤولين عن عرض مثل هذه الأفلام
المتخلفة في بلادنا.
إن أقل ما يقال لهم إنهم يستخفون بعقول المشاهدين
حين يبثون لهم مثل هذه الأفلام.. فأي شيء جاد أو مثمر أو حتى مسلٍ في مثل هذه
التصرفات الشاذة والقصص المفتعلة والنماذج الإنسانية السطحية..
وما الغرض من عرض الأجساد النسائية أو عرض الأزياء
التي احتشدت في هذا الفيلم بطريقة مبتذلة..
إن كان شباك التذاكر فقط هو الذي كان يفكر فيه الذي
أنتج هذا الفيلم فنحن في غنى عن عرضه في التلفزيون لأننا لا ننتظر شيئًا من شباك
التذاكر ولأننا يجب أن نحس بمسؤوليتنا في التوجيه والإرشاد.
إذن.. فهذان فيلمان يكمل أحدهما الآخر.. الأول
انحراف فكري خطير يقدم في أسلوب فني متقن وأخاذ، والثاني نماذج سلوكية هابطة..
تقدم في أسلوب صبياني مبتذل..
فهل التخريب الفكري والسلوكي هدف من أهداف وسائل
إعلامنا المسؤولة.. أم أن عرض أي شيء وبأي شكل لامسؤول هو الهدف؟
إن التلفزيون بهذه الطريقة يفسد أفكار الناس..
ويفسد أذواقهم.. وأخلاقهم..
فهل في التلفزيون من يعمل على تدمير مجتمعنا وهدم
أخلاقنا؟
وإذا كان هناك من يعمل على ذلك.. فلماذا يفسح له المجال لاستغلال جهاز شديد الأثر.. لكي ينفذ ما يريد؟