; في إريتريا الجَبهَة الشعبيَّة في الميزان | مجلة المجتمع

العنوان في إريتريا الجَبهَة الشعبيَّة في الميزان

الكاتب عبدالله عثمان عبدالله

تاريخ النشر الثلاثاء 01-ديسمبر-1987

مشاهدات 61

نشر في العدد 845

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 01-ديسمبر-1987

المنظمات الإريترية مطالبة بتيني المنهج الإسلامي لتحقق النصر.

كل الشعوب الإسلامية تعاني من مشاكل، وتشتكي من جور السلاطين، وظلم الحُكام، ولا مغيث إلا الله، ومن ضمن هذه المشاكل والويلات التي تعاني منها أمتنا الإسلامية، مشكلة إريتريا، فنحن الإريتريين ابتلينا في أموالنا وأنفسنا وأرضنا وديننا، وشر البلية أن تبتلى في الدين.

فمن محاولات الإبادة الجماعية ما يقوم به النظام الإثيوبي بقصفه العشوائي للقُرى والمدن، وتسميم الآبار، ورفع شعار الأرض المحروقة ضد المسلمين العُزل، والذي أدى في النهاية إلى تهجير أكثر من مليون إريتري إلى الدول المجاورة.

وقد صمد الشعب الإريتري أمام كل هذه التحديات خلال الثلاثين عامًا السابقة، وكان كل هَم الشعب استعادة الأرض، والدفاع عن دينه وعرضه، وثقافته التي تختلف تمامًا عن ثقافة أباطرة إثيوبيا وادعاءاتهم، ولكن صمود الشعب وكفاحه ضد إثيوبيا لم يكن بعيدًا عن أعين الصهيونية العالمية وأعوانها من الشيوعيين والصليبيين؛ فأمدوا إثيوبيا بالمال والخيرات لتصفية الشعوب، ولم يثن ذلك من صلابة الشعب الإريتري، فدخلت في الثورة الإريترية، وعملت على تفتيت منظماتها عن طريق تكوين المنظمات العلمانية التي رفعت شعار «تحرير الإنسان» قبل تحرير الأرض، أي تحريره في الدين والأخلاق والقيم، ونحن لا نفتعل الأحداث من الخيال، بل ننقلها من الوثائق؛ لنضع القارئ أمام الواقع فيما تمارسه الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا ضد الشعب الإريتري، وتنظيم الجبهة الشعبية تنظيم نصراني، ينتهج نظامًا علمانيًا في الظاهر، ويحارب اللغة العربية التي تعتبر اللغة الرسمية في إريتريا، واستنادًا إلى مبدأ محاربة الأديان قامت الجبهة الشعبية بتقسيم الشعب الإريتري إلى تسع قوميات عرقية، وجعلت قومية التجرينية أعلى هذه القوميات، فهي تشكل في نظرهم نصف المجتمع الإريتري، وتدين بالمسيحية، وتتحدث باللغة التجرينية، وأما القوميات الأخرى- وهي مسلمة- يتكلمون بلغات مختلفة، ويقع على عائق الجبهة الشعبية تطوير هذه اللغات، ووضع حروف لها وتدريسها، أما اللغة العربية فلا يتكلمها في نظرهم إلا 0,5% من مجموع السكان، وتعتبر دخيلة على المجتمع الإريتري.

هذه الإحصاءات والتقسيمات ما هي إلا افتراءات لتغيير الخارطة الإريترية عن طريق الأكاذيب، والتشكيك في بنية الشعب الإريتري، وما هي إلا محاولات عنصرية للتقليل من شأن المسلمين، ومحاربة اللغة العربية التي أقرها البرلمان الإريتري في عام ١٩٥٢ بمحض إرادته كلغة رسمية أولى لإريتريا، ومحاولات الجبهة الشعبية هذه لهي مثيلة بمحاولات إثيوبيا التي فرضت على الشعب الإريتري اللغة الأمهرية، والتي قاومها شعبنا بشدة. وإن إحياء لهجات غير مكتوبة أصلًا ليس الغرض منه خدمة الشعب الإريتري لتثبيت لغة النصارى التي تعتبر في نظرهم مكتوبة، ولها حروف، وجعلها اللغة الرسمية عند عجزهم في محاولات إحياء اللهجات الميتة. وتقسيم القبائل المسلمة إلى قوميات هو القضاء على الهوية الإريترية الموحدة، ونحن الأرتيين المسلمين لا ندعي جنسًا غير جنسنا، ولا لغة غير لغتنا بحجة أنها لغة الدين، فكثير من المسلمين غير عرب، لكن هذا ما يثبته التاريخ والواقع، أما محاولات التزييف وقلب الحقائق والاستشهاد باللهجات، ما هو إلا تنفيذ لسياسة الاستعمار المتمثل في التجهيل والتهجير.

وإليكم ما كتبه المناضل نافع حسن الكردي عندما قدم استقالته، والتي نشرتها مجلة «اليوم السابع» في 16/12/1985 احتجاجًا على ممارسة الجبهة الشعبية، بعد فشله في محاولات الإصلاح من الداخل، وهو من المناضلين الأوائل، وكان ممثل الجبهة الشعبية في أوروبا، وعضو مكتبها السياسي حتى تقديم استقالته.

يقول في مسألة «القوميات»: فإن ما سمي بمسألة القوميات يعتريه غموض كبير داخل الجبهة الشعبية، إن عبارة القوميات وكل ما يتصل بها يجب أن تستعمل بالكثير من الدقة، وقد أصبح ثابتًا لدى جميع الذين يسكنون القرن الإفريقي هم مزيج من عرقين رئيسيين إذا صح هذا التعبير، العرق السامي والعرق الحامي.

وفي حالة إريتريا وهي أكثر بلدان القرن الإفريقي وشاطئ البحر الأحمر تفاعلًا مع محيطها منذ فجر التاريخ، لا يمكن الحديث عن وجود قومية حامية أو سامية صافية، وبالتالي فإن استعمال العرق لتعريف القومية لا يستند إلى أساس علمي، لأن القومية هي في أوسع وأضيق معنى لها إنما تقوم على التاريخ المشترك، والثقافة المشتركة، والاقتصاد المشترك، والطموح إلى الحياة ضمن حدود جغرافية معينة.

و باختصار فإن شعبنا مكون من مجموعات بشرية هي «التقرينيين التقرى، الساهو، العفر، البلين، الباريا، الكوناما، البازا، الحدارب والرشايدة» و يدينون في غالبيتهم إما بالإسلام أو النصرانية، مع أقلية وثنية ضئيلة، ويتحدثون لغات ولهجات مختلفة، وفي اعتقادي أن هذه المجموعات لا يوجد بين أنماط حياتها وثقافتها وفنونها وعاداتها ونظرتها إلى الكون إلا تفاوت بسيط، يظهر أكثر ما يظهر في اللهجات؛ لذلك أرى أن التطبيق الميكانيكي لبعض النظريات حول مسألة القومية في الساحة الإريترية، يمكن أن يُشكل خطرًا كبيرًا على مستقبل الوحدة الوطنية لشعبنا، ويهدد بشكل مباشر مسيرة نضالنا التحرري.

ولذلك فإن معالجة هذه المسألة تتطلب منا جرأة فائقة في مجابهة الموضوع بأسلوب ديمقراطي؛ لأنها تمس جوهر المواقف في صفوف الشعب والصراع القائم بين الفصائل الإريترية، إن العامل الأول في القومية هو اللغة والثقافة، ووظيفة اللغة الأساسية هي تمكين المجتمع الذي يتحدثها في أداة للتخاطب والتفاهم، وإذا أخذنا المناطق الساحلية والسهلية التي يتحدث سكانها بلغة التقرى «وهي لغة سامية»، نجد إنها بحُكم احتكاكها واتصالها التاريخي بجنوب الجزيرة العربية، وما رافق هذا الاتصال من هجرات جماعية، ومن تجارة وتفاعل متعدد الأوجه، قد تأثرت بنية لغتها على مستوى القواعد والصيغ والمفردات والمشتقات الشائعة باللغة العربية، وعندما اعتنق سكان هذا الجزء من إريتريا الإسلام، أخذت هذه العلاقة اللغوية بين التقرى والعربية بُعدًا أخر.

لقد جاء الإسلام بلغة هي ثقافة في نفس الوقت، وبرز ذلك مباشرة في الحياة اليومية، إن هذه اللغة والثقافة وضعت أسسًا لحياة المجتمع المادية، كما قدمت للإنسان تصورًا شاملًا للكون، وقد حدد الإسلام وأداته اللغة العربية قواعد لسير المجتمع تمس الملكية، والإرث والتجارة والزواج والطلاق.. إلخ، وباختصار كافة حياة الإنسان الشخصية والروحية، ولذلك فإن اللغة العربية وثقافتها ليست مجرد أداة تعبير مثل اللغة الإنجليزية، ولكنها ارتبطت بمفهوم حضاري للإنسان في هذه المنطقة، غير أن هذا التأثير الحضاري رغم امتداده إلى المرتفعات الإريترية عبر نفس الهجرات المتتابعة في الجزيرة العربية، وعبر اللغة السامية الجنزية، وإن كانت له أرضية في مفردات ومشتقات وصيغ اللغة التقرينية، إلا إنه لم يحقق السيادة اللغوية النهائية بسبب العوامل الدينية.

وبالرغم من ذلك تجدر الإشارة هنا إلى أن الكنيسة القبطية المصرية التي دخلت عن طريقها الديانة النصرانية إلى إريتريا في وقت مبكر، قد استعملت في طقوسها الدينية اللغة العربية حتى قبل دخول الإسلام إلى مصر، ومن ثم فقد انتقل هذا التأثير الثقافي إلى الكنيسة القبطية الإريترية المذهب الأرثوذكسي اليعقوبي، لذلك نجد أن ما كتب باللغة الجنزية والتقرينية المشتقة منها لأغراض العبادة، قد تُرجم أصلًا من العربية مثل كلمات: قربان، صلوات، صوم، كاهن، إلخ... كما تلاحظ وجود نفس التأثير في معظم كُتب الوعظ الديني النصراني، وفي الأحكام القضائية الصادرة عن علماء الدين النصارى.

نخلص من خلال هذا العرض إلى النتيجة التالية وهي أن الشعب الإريتري في غالبيته الساحقة ينتمي إلى ثقافة جنوب الجزيرة العربية، وبالتحديد فإن التقرينية تنتمي بشقيها المادي والروحي إلى جناحين: تاريخيًا وبشريًا ولغويًا إلى الجزيرة العربية، وروحيًا وثقافيًا إلى الكنيسة القبطية المصرية العربية.. لذلك ليس من قبيل الصدفة أن يقر شعبنا بمحض إرادته التامة- وبالرغم من الضغوط الإثيوبية في عام ١٩٥٢- لغتيه الأساسيتين العربية والتقرينية كتعبير عن هويته الحضارية، ومن ثم فإن محاولة القفز على هذه الحقيقة التاريخية بحجة خلق وهم «حقوق القوميات» في تطوير لغاتها وثقافتها، هو مسلسل يشبه سياسة النعامة التي تدفن رأسها في الرمال معتقدة أنها تخفي نفسها عن الصياد، ومما يؤسف له أن هذا الوهم قد ترجم في الواقع العملي إلى مشروع يجعل التعليم الابتدائي في إريتريا بلغات القوميات، ثم بعدها باللغة الإنجليزية.

إن هذا المشروع إذا ما تمت الموافقة عليه في المؤتمر الثاني المُقبل للجبهة الشعبية؛ فإنه سوف يشكل انتكاسة خطيرة للوحدة الوطنية، وتهديدًا لكيان الشعب الإريتري.

وما تمارسه الجبهة الشعبية الآن يعجز عن وصفه أبرع الكُتاب؛ فقد أجهزت على المسلمين بممارساتها العدوانية في البقية الباقية من الشعب الإريتري في الداخل، والذين هاجروا من الجبهة الشعبية بأرواحهم وأعراضهم، لا يقل عددهم عن الذين هاجروا بسبب القهر الإثيوبي والمجاعة.. فمن ممارساتهم أخذ البنات والأطفال من أهليهم بالقوة، ومصادرة ما يملكونه من قوت وبهائم، وإذلال كل من يعترض بالضرب والحبس، وزرع البلبلة في نفوس المواطنين عن طريق التصفية الجسدية، وإفساد النشء بما يقدمونه من سموم تشويه الدين والدعاة.

وإليك- أخي القارئ- هذه الفقرات من كِتاب «التثقيف السياسي العام للجبهة الشعبية» الجزء الأول:

«إذا أمعنا النظر في تاريخ إريتريا السياسي؛ فإننا نجد أن الدين كان أداة طيعة في أيدي القوى الاستعمارية المتعاقبة على إريتريا- القديمة منها والحديثة- في يد الرجعيين والانتهازيين لتجزئة الشعب الإريتري، بهدف تحقيق مآربهم الشخصية من خلال إثارة النعرات الطائفية؛ لخلق روح التباعد والاقتتال بين أبناء الشعب الواحد، ومن ثم الإجهاز على الثورة، وإدراكا لهذا الخطر الداهم فإن الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا تتصدى لهذه المؤامرة، وتقف لها بالمرصاد للقضاء عليها كُليًا».

«إن إیمان شخص بدین معين هي مسألة شخصية، أما الوطن فهو مِلك للجميع، وبشكل متساوٍ، وانطلاقًا من هذه الحقيقة فإن الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا ترى تنظيم الشعب حسب طبقاته وفئاته الاجتماعية وتوعيته- بصرف النظر عن انتمائه الطائفي- هو الضمان الوحيد لتخليصه من براثن الاستعمار، وقطع الطريق أمام القوة الرجعية الانتهازية التي تستغل الدين كوسيلة للحفاظ على مصالحها الضيقة».

انظر كيف وصفوا الدين بالمؤامرة، ووسموا أهله بالخيانة والعمالة والرجعية! ثم أعلنوا عن عدائهم صراحة، وتوعدوا بالقضاء على الدين وأهله.

ومن خلال نوايا الجبهة الشعبية نستطيع أن نخلص إلى حقيقتين، الأولى: أن الجبهة الشعبية تريد شعبًا بلا فكر ولا دين؛ لتتصرف فيه كما تريد، وتحدد مصيره السياسي والاقتصادي والاجتماعي وانتماءه القومي، وحتى في الأحوال الشخصية كقضايا الزواج والطلاق، تريد أن تكون وفق برنامجها المطروح «الزواج التقدمي المخالف للكتاب والسُنة»، والثانية: القضاء التام على كل من يعارضها من رجال الفكر والرأي والحِكمة.

ونحن نقول بكل ثقة: كلتا الحقيقتين مرفوضتان لدى شعبنا، وهذه هي بداية النهاية للجبهة الشعبية، وأن شعبنا أقوى من أن تقضي عليه الجبهة الشعبية أو تُدنس فکره.

الرابط المختصر :