; في أزمة الديون الخارجية: الاقتصاد في خدمة السياسة الأمريكية | مجلة المجتمع

العنوان في أزمة الديون الخارجية: الاقتصاد في خدمة السياسة الأمريكية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 03-ديسمبر-1985

مشاهدات 55

نشر في العدد 744

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 03-ديسمبر-1985

إذا كانت مقولة «المعونات الاقتصادية الأمريكية في خدمة النفوذ والسياسة الأمريكية» صحيحة منذ مشروع مارشال لإعمار أوروبا في أعقاب الحرب العالمية الثانية وحتى المساعدات التي ما تزال تلتزم بها تجاه الكيان الصهيوني أو الدول «الحليفة» كتركيا وباكستان ومصر والسودان وغيرها، فإنها صحيحة كذلك وبقدر أكبر وأكثر دهاء في سياسة الإقراض التي أدت منذ مطلع الثمانينات إلى الكشف عن خطورة أزمة الديون الخارجية لدى دول العالم الثالث!

▪ شواهد حية

ومع أن معظم الدول الرأسمالية أسهمت إلى جانب أميركا في تفاقم هذه الأزمة بحيث أصبحت الدول المقترضة وهي دول العالم الثالث الفقيرة مهددة بأن تظل فقيرة إلى الأبد بسبب عجزها عن سداد ديونها إلا أن الدور الأميركي يظل هو الأكبر من جهتين لجهة أن البنوك الأميركية هي البنوك الأكثر إقراضًا، وتقول الإحصائيات إن معظم هذه البنوك مهدد بالوقوع في أزمة مالية بسبب توسعه في إقراض الدول النامية خاصة دول أميركا اللاتينية بحيث وصلت نسبة إقراضاتها أكثر من الأموال المودعة لديها ومن جهة ثانية تتحكم أميركا في قروض وإصدارات حقوق السحب الخاصة في صندوق النقد والبنك الدوليين!

وكمثال على ذلك نشير إلى أن دور أميركا في تسهيل حصول يوغسلافيا على قرض تكمن وراء اعتبارات سياسية تأتي في مقدمتها رغبة الإدارة الأميركية في إبقاء هذا البلد خارجًا على القبضة السوفياتية، وقرار اعتبار رومانيا الدولة الأكثر رعاية ينطوي هو الآخر على تشجيع نيقولاي شاوشيسكو للحفاظ على دور المشاكس داخل دول الكوميكون وحلف فرصوفيا! فضلًا عن خدماته في تسويق المشاريع الأميركية الإسرائيلية على الزعماء العرب!

وتحسب أن الدعم الأميركي لانقلاب كنعان أيفرين في تركيا عن طريق المساعدات الأمريكية المباشرة أو غير المباشرة كتسهيل إقامة علاقات وثيقة مع الدول العربية خاصة دول النفط واضحة بما فيه الكفاية لكل من له متابعة للسياسة الأميركية، ولو أردنا أن نعدد الأمثلة لطال بنا المقام، لكننا نود أن نشير هنا بشكل خاص للدور الأميركي في أزمة الديون الخارجية.

▪ حجم المشكلة

في البداية لا بد من الإشارة إلى حجم المشكلة باختصار، تقول مصادر منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية إن حجم الديون الخارجية في الدول النامية غير المنتجة للنفط بلغ في نهاية عام ١٩٨٣: ٥٩٥,٢ مليار دولار من القروض الطويلة الأجل، وإذا أضفنا لها القروض قصيرة الأجل يصبح هذا الرقم ٧٢٥,٧ مليار دولار، وتبلغ نسبة الديون الخارجية للصادرات في المتوسط ١٥٥٪ ويصل هذا الرقم لبعض دول أميركا اللاتينية كالمكسيك ٢٥٠٪!

كما تشكل الديون الخارجية أكثر من ٥٠٪ من الناتج المحلي لكثير من الدول النامية وفي تقرير صدر مؤخرًا عن جامعة الدول العربية يتبين إنه يترتب على هذه الدول أن تدفع أكثر من ١٠٠ مليار دولار سنويًا كفائدة على الديون ولكي تتضح الصورة المأساة أكثر نضيف أن مجموع الديون الخارجية لمجموعة الدول النامية لم يزد عن ٧٥ مليار دولار عام ۱۹۷۱! والنصيب الأكبر من هذه الديون يترتب على دول أميركا اللاتينية: المكسيك، الأرجنتين، فنزويلا، كولومبيا، البرازيل، تشيلي، أكوادور، بوليفيا، أوروغواي، والدومينيكان، ويبلغ أكثر من ٣٥٠ مليار دولار.

ويهمنا هنا الإشارة بشكل خاص للمكسيك التي بلغت ديونها الخارجية حوالي ٩٠ مليار دولار وفنزويلا حوالي ٣٥ مليار دولار لأنهما بلدان منتجان للنفط أحدهما وهو فنزويلا من مؤسسي أوبيك.

▪ آثار سلبية

وإذا نسينا الاضطرابات وأحداث العنف التي حصلت في المكسيك بسبب سياسة التقشف التي أعلنتها كجزء من علاج الديون الخارجية، فإن قرار المكسيك الأخير تخفيض أسعار نقطها بمعدل ٠,٤ إلى ١,٢ دولار للبرميل يوضح حجم مشكلة الديون الخارجية وآثارها السلبية اقتصاديًا وسياسيًا ليس على المكسيك فحسب بل على مجموعة دول أوبيك، كما أن توجه فنزويلا لخفض أسعار نفطها لا يمكن فهمه إلا ضمن حجم ديونها الخارجية!

وكانت المكسيك قد لجأت إلى سياسة تقشف تقوم في جوهرها على زيادة الصادرات لأمريكا وخفض وارداتها منها، وهي سياسة أسهمت إلى حد ما في توفير بعض السيولة لسداد بعض أقساط الديون المترتبة عليها للبنوك الأميركية، لكن هذه السياسة أدت إلى نوع من البطالة في الولايات المتحدة وإلى حوادث عنف وشغب داخل المكسيك بسبب عدم تحمل الشعب المكسيكي لهذه الإجراءات.

وفي أجواء ركود الاقتصاد العالمي وخاصة الأميركي فإن حركة التجارة الدولية قد تقلصت لغير صالح الدول المقترض الأمر الذي ينذر بتفجر أزمة الديون العالمية وبات المراقبون يخشون أن يأتي يوم تنفجر فيه هذه الأزمة في كل اتجاه بحيث ينهار النظام الاقتصادي والنظام النقدي الدولي فضلًا عن حالة العنف الذي سيجتاح الدول المدينة وهي الدول الأكثر فقرًا في العالم!

وتحسبًا لمثل هذا الانفجار ظهرت في الآونة الأخيرة دعوات لعقد مؤتمرات دولية لدراسة هذه الظاهرة وتحليل أسبابها ونتائجها ووضع الحلول الدولية لها من هذه الدعوات الدعوة التي وجهتها الدولية الاشتراكية بقيادة فيلي برانت مستشار ألمانيا السابق وكارلوس بيريت رئيس فنزويلا السابق.

وكان دونالد ريغان وزير الخزانة الأميركية قد طالب بعقد مؤتمر مماثل في أثناء اجتماعات الصندوق والبنك الدوليين في سبتمبر ۱۹۸٤، وقد برزت مثل هذه الأفكار في أعقاب اجتماع دول أميركا اللاتينية لهذا الغرض في يونيو ١٩٨٤.

الوجه الملفت للنظر بالنسبة للدول الصناعية في هذه الأزمة هو أنها كشفت للمختصين أن ضرر تفاقمها لا ينعكس على الدول النامية فحسب بل ينعكس عليها، وهم يتخوفون من أن تنكفأ دول العالم الثالث على نفسها فتفرض قيودًا على صادرات المواد الأولية الأمر الذي يؤدي إلى البطالة في الدول الصناعية، كما أن عجز الدول المدينة من الوفاء بديونها يعرض مؤسسات الإقراض في الدول الصناعية لمتاعب وأزمات مالية، وأخيرًا فإن هذه الدول تحسن استخدام هذه القروض لفرض شروط اقتصادية وسياسية لصالحها على الدول النامية!

ولهذه الأسباب مجتمعة تأتي الولايات المتحدة في قمة الدول الصناعية التي تهتم بأزمة الديون العالمية، لكن ليس إشفاقًا على الدول المدينة، بل احتياطًا لاستمرار دورها الاحتكاري والإشرافي القسري على سياسات واقتصادات تلك الدول.

▪ فلسفة أميركية

وتقوم الفلسفة الأميركية على قاعدة أنه يجب عون الدول المدينة على الوفاء بديونها لأنه ليس من مصلحة الحكومة الأميركية ولا المصارف الأميركية توقف تلك الدول عن سداد ديونها.

وفي هذا الصدد جاء قرار الكونغرس بتاريخ ١٨/ ١١ /١٩٨٣ القاضي بزيادة حصة الولايات المتحدة في صندوق النقد الدولي، ومع أن مثل هذه السياسة تفضي إلى خلق عجز في ميزان المدفوعات الأميركي على النحو الحاصل حاليًا، إلا أن أميركا لا تعبأ بذلك لأنها تستطيع أن تخلق مصادر نقدية لسد هذا العجز كما تشاء فهناك الدولارات النفطية، وهناك الدولارات الأوروبية وهناك الين الياباني وهذه أسواق ليس لأي دولة في العالم رقابة عليها!

وميكانيكية تمكين الدول الأكثر دينًا من الوفاء بديونها تمكن الإدارة الأمريكية من الإبقاء على تلك الدول تدور في فلكها اقتصاديًا وسياسيًا، فإذا كنا قد أوضحنا مثل المكسيك الذي تعدت خدمته الاقتصاد الأميركي إلى حد تهديد وحدة أوبيك بسبب اضطرار حكومة المكسيك لخفض أسعار نفطها، فإن أمثلة أخرى ما تزال راسخة في الأذهان.

▪ مشكلة سياسية

في بلد عربي كالسودان رأينا كيف أن جورج بوش نائب الرئيس الأميركي شهر سلاح قروض البنك الدولي في وجه نميري، وكيف أدت شروط البنك الدولي إلى الانقلاب على نميري!

وفي مصر وتونس أدت شروط التقشف التي فرضها البنك الدولي إلى «ثورة خبز» أو «ثورة حرامية»!

مشكلة الديون الخارجية إذن أصبحت بالنسبة للدول النامية مشكلة «سياسية» كما أكد الرئيس الكولومبي في مؤتمر دول أميركا اللاتينية الذي أشرنا إليه.

على أن الملفت للنظر بالنسبة للدول العربية أن ديونها الخارجية وإن كانت أقل من ديون غيرها، إلا أنها مع وجود عدة دول منتجة للنفط من بينها، قد بلغت عام ۱۹۸۳ على حد معلومات جامعة الدول العربية أكثر من ١٠٠مليار دولار والسؤال الذي يطرح نفسه هنا على من يقع اللوم على الدول الصناعية أم الدول النامية؟

▪ دور القادة

مع أن أصل المشكلة هو ضعف الناتج القومي لدى الدول النامية وحاجتها بالتالي للتمويل من الدول الصناعية فإن اللوم يقع على تلك الدول ابتداءً لأنها لم تقدم لها المساعدات إلا بما يقل عن ١٪ من دخلها القومي، كما أن ارتفاع أسعار صادراتها وزيادة نسبة التضخم لديها وارتفاع أسعار فوائدها على القروض قد أدت مجتمعة إلى مضاعفة المشكلة وليس حلها، هذا إذا لم ننس الشروط الاقتصادية المجحفة بحق الدول النامية!

ومع ذلك فإننا نضع اللوم على قادة ومسؤولي الدول النامية في المقام الأول، لأنه كان من واجبهم إدارة الاقتصاد بكفاءة قصوى من جهة كما كان بإمكانهم تبني سياسة تنموية ذاتية ومستقلة لكنهم لم يفعلوا ذلك بل شاء معظمهم أن يرهن عرشه بمساعدات تأتيه من الخارج يصرفها على نفسه أو على إشاعة العادات الاستهلاكية لدى الشعوب!

وليس غرضنا هنا إنحاء اللائمة، بقدر ما هو بيان أساس المشكلة والتنبيه على ضرورة المسارعة لتفادي أسبابها ووضع الحلول الناجعة لها.

ونحسب أن المجتمع الدولي كله معني بذلك، لكن لمعرفتنا بحقيقة مواقف الدول الرأسمالية بقيادة الولايات المتحدة، نعتقد أن مجموعة الدول الإسلامية قادرة لو خلصت النيات على وضع حد لتفاقم هذه الأزمة، فالأمة الإسلامية لديها الموارد المادية والبشرية الكافية والمتكاملة، الأمر الذي يجعلها في غنى عن التمويل الغربي وشروطه التعجيزية والمذلة، فهل يسارع المسؤولون في دول العالم العربي والإسلامي إلى الاضطلاع بهذه المهمة والتفكير بعقلية الأمة الواحدة وليس بعقلية الإقليم والإقليم التابع في معظم الأحيان؟

وهل يأتي يوم تكون فيه الأمة الإسلامية أمة مستقلة اقتصاديًا عزيزة سياسيًا.. ذلك ما نرجوه ونأمله والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

الرابط المختصر :