العنوان أيام في الجزائر (2 من 2)- قصة رحلتي إلى بلاد البرتقال
الكاتب د. محمد بن موسى الشريف
تاريخ النشر السبت 27-يناير-2007
مشاهدات 65
نشر في العدد 1736
نشر في الصفحة 44
السبت 27-يناير-2007
• في إحدى المحاضرات طالبت الناس بوجوب مساعدة حماس.. وعندما خرجت فوجئت بشخص يعلن تبرعه بنصف أرضه
• ألقيت درسًا في ميلة الولاية القديمة التي بنيت في عهد الرومان... فكان الاستقبال حافلاً وأحاطني الناس بالآلاف أينما ذهبت
هذه الزيارة الثالثة للجزائر، فقد كانت الزيارة الأولى سنة 1404هـ/ 1984م، والزيارة الثانية سنة 1426هـ/ 2005م، والزيارة الثالثة سنة 1427هـ/ 2006م، والمناسبة في السنتين الأخيرتين كانت إقامة أسبوع في ذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد أنكر عليّ بعض الناس ذهابي في هذه المناسبة فأقول: إن هذه المناسبة ليس فيها من صور المولد - الذي نعرفه في بعض البلاد المشرقية - شيء، وهي عبارة عن محاضرات متنوعة، وإنما يسمونها أسبوع المولد النبوي لأن السلطات الدينية تسمح بإقامة أنشطة في هذه المناسبة وربما لا تسمح في غيرها، وهذا أمر متكرر في كثير من بلاد الإسلام، حيث يستفيد الدعاة من مثل هذه المناسبات للدعوة إلى الله تعالى.
ومن قرأ مقالتي الأولى عن الجزائر اطلع على كثير من التفاصيل التي تكرر كثير منها في هذه الرحلة، فأستغني عن إعادة ذكرها، لكني أقول: إن هذا الشعب فريد من نوعه في إقباله على المحاضرات والمشايخ حيث يجتمعون بالآلاف في كل مكان أقصده للمحاضرة.
وقد ذهبت في هذه الرحلة إلى بلدة بوفريك - وتسمى بلاد البرتقال - في ولاية البليدة وتسمى ولاية الورود، وإلى ولاية «ميلة» وهي ولاية قديمة ضاربة في أعماق التاريخ إلى زمن الرومان وفيها بقايا آثار والطريق إليها من القسنطينة جميل أخضر، شديد التعرج، وكان الاستقبال حافلاً جدًّا، والناس يضربون مثلاً رائعًا للحب في الله والتعاطف والتآخي والاجتماع بالآلاف رجالاً ونساء وأطفالاً في كل مكان ذهبت إليه، وهذا عجيب منهم وقد عاشوا فتنة طويلة كما تعلمون ويعانون حتى الآن من آثارها، وإن كانوا في طور التعافي منها ومن ذيولها، ولله الحمد.
أمنية الواحد منهم أن يصافحني أو أن يلتقط له صورة معي أو أن يسلم من بعيد، وأستغفر الله من تقصيري وضعفي، وقد عرفت في الجزائر كيف يكون اجتماع آلاف الناس على الشيخ سبيلاً للشيطان على نفسه، إذ ربما يتعاظم الشيخ في نفسه ويفتن بكثرة من يحيط به ويجتمع عليه والمسألة دقيقة، والتوفيق من الله تعالى يوفق من يشاء ويحفظ من يشاء، وصدق من قال من السلف: «إن تقطع النعال خلف الرجال ذلة للتابع وفتنة للمتبوع»، فاللهم احفظني ولا تفتني، وقد كان لظهوري في قناتي «اقرأ» و«الفجر»، أثر كبير في اجتماع الناس حولي أينما ذهبت، فاللهم غفرًا وسترًا، وإذا استقبل الناس الشيخ استقبال الأمراء فخف حينئذ على الشيخ من الفتنة والتغير.
عمل عظيم
تكلمت في قاعة «ميلة» كلامًا كررته أكثر من مرة في زيارتي هذه، وقد ذكرت فيه كيف ننصر نبينا الأعظم النصرة المطلوبة، خاصة أن زيارتي هذه السنة تصادفت مع أحداث الدنمارك، وذكّرت الحاضرين بتضحيات أسلافهم حين أخرجوا الاستخراب الفرنسي من ديارهم وأنه ينبغي لهم أن يواصلوا مسيرة أسلافه في التضحية والبذل والعمل والجهد، وذكْرت لهم أن الجزائر مهيأة لعمل عظيم فمساحتها ضخمة، وعدد سكانها بضع وثلاثون مليونًا وهو عدد مناسب، وموقعها مهم، فهي بهذا مرشحة لعمل ضخم يبوئها المكانة اللائقة بها في الدول العربية والإسلامية.
والجميل في الجزائر أن أول من يستقبل الشيخ في مقر المحاضرة إنما هو مسؤول مجلس الولاية ونائبه ومسؤول البلدية، وربما استقبله الوالي نفسه، وهذا يدل على اهتمام من قبل المسؤولين وتعضيد لمن دعا الشيخ ولمن حضر محاضرته.
مفاجأة مفرحة
ومن الأمور التي طالبت الناس بها وجوب مساعدة حماس وعدم تركها نهية للصليبية العالمية واليهودية الحاقدة، وبينت لهم أنهم لو امتنعوا عن شرب العصير وأعطوا ثمنه لحماس فستستغني عن المساعدات الخارجية التي تذل أعناق الرجال، وبينت للناس وجوب مساعدة إخواننا العراقيين في محنتهم ليتحقق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر».
ومن العبر أنني خرجت من محاضرة «ميلة» فإذا برجل يأتيني - وهو من مسؤولي الولاية السابقين - يقول لي: إن عنده أرضًا سيجعل نصفها لفلسطين ونصفها لأمه حتى تحج بيت الله الحرام!! فما أحسن هذا الصنيع وما أسرع هذه الاستجابة الجليلة
ولا تسل عن الناس بين طالب دعاء ومعط رسالة فيها مطالب شريفة، وبين مقبل لا يستطيع التعبير عن عواطفه، وبين امرأة منعها الحياء أن تقترب، وبين متكالب يريد أن ينتفع بالمصافحة والمعانقة، فما أحسن ما أبدوه، وما ألطف ما عرضوه من مشاعر وعواطف، نفع الله بهم.
وقد كانت زيارتي قصيرة، خططت رحالي يوم الأحد ظهرًا واصلاً من إسطنبول وارتحلت بعون الله تعالى يوم الثلاثاء ليلاً، وكان برنامج الزيارة دسمًا بالخير إن شاء الله.
وقد تحدثت مع عدد من الصحفيين في موضوعات متعددة تدور حول الصحوة، وفتنة الجزائر، وأحداث العالم الإسلامي.
فطرة سليمة
لم تتح لي فرصة كافية كي أجلس إلى الدعاة وأتحدث معهم لكني وجدتهم لا ينقصهم الحماس، ولا الأخوة الصادقة، ولا العاطفة، ولا الفطرة السليمة جزاهم الله خيرًا، وإن كنت أتمنى أن يعنوا بإطلاق لحاهم إذ هذه سنة الحبيب الهادي صلى الله عليه وسلم وهم أولى الناس بالأخذ بها، إذ أكثرهم يحلقونها، ولعل لهم عذرًا في هذا، والله أعلم.
وإن أنس فلا أنسى أبدًا تضحيات عدد من الإخوة الدالة على الحب الصادق والبذل لله تعالى، فعندما ذهبت إلى «ميلة» من الجزائر ركبت الطائرة بعد الفجر، وكان المرافق معي هو رئيس المجلس الولائي لجمعية الإصلاح والإرشاد في بلدة شلف وهذا تواضع منهم جزاهم الله خيرًا، وعاد معي قرب العصر بعد فراغي من المحاضرة ولاحظت أنه متعب فسألته فإذا هو لم ينم بعد منذ الليلة الماضية؛ إذ بقي طوال الليل ساهرًا لرعاية حفل الجمعية في الجزائر فأكبرت هذه التضحية وذلك العطاء، وهذا الذي ذكرته مثال وإلا فكثير ممن استقبلوني وأحاطوني برعايتهم هم أمثلة جيدة للتضحية والبذل والعطاء، وفقهم الله ونفع بهم.
ولا أنس أن أشكر الأخ الكريم عيسى بن الأخضر الذي يشرف وإخوانه على كل صغيرة وكبيرة، وقد استقبلني هو وبعض إخوانه في المطار وودعني فيه، وهذا كرم وإتعاب نفس، فجزاه الله وإخوانه خيرًا.
وفي الختام أؤكد أن هذا الشعب الجاد لو وجد رعاية جيدة وتربية ملائمة فسيعطي الكثير، وستكون له المكانة اللائقة به بين الشعوب العربية والإسلامية، وذلك لحماسته واهتمامه بعمل شيء ما، والله الموفق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل