العنوان أيام في براغ
الكاتب د. محمد بن موسى الشريف
تاريخ النشر السبت 13-يناير-2007
مشاهدات 65
نشر في العدد 1734
نشر في الصفحة 42
السبت 13-يناير-2007
- سكان التشيك يبلغ عددهم ١٠ ملايين نسمة منهم ٢٠ ألف مسلم لهم 3 مساجد.
- انفراجة كبيرة للأديان بعد زوال الحكم الشيوعي.. فقد كان يحرم الاجتماع للصلاة وكانت الدعوة لأداء الشعائر أمراً يعاقب عليه القانون.
- أهل البلاد مهيؤون للدخول في الإسلام أفواجاً لكن ينقصهم الداعية المخلص والمعلومات والحقائق عن هذا الدين العظيم.
كنت في براغ عاصمة جمهورية التشيك لمدة أسبوعين في دورة بعثتني من أجلها الخطوط السعودية. وجمهورية التشيك كانت جزءا من جمهورية تشيكوسلوفاكيا ثم انفصلت بعد ذلك لتصبح جمهورية مستقلة ويبلغ عدد سكانها عشرة ملايين نسمة. فهي جمهورية صغيرة نسبيا، وتقع في وسط أوروبا، وكانت سابقا ترزح تحت السيطرة السوفييتية، وتعد من دول أوروبا الشرقية التي تخلصت كلها من ربقة الشيوعية قبل خمسة عشر عاماً تقريباً.
وهناك حقائق لابد من ذكرها:
- لقد تحولت هذه الجمهورية إلى النظام الغربي الديمقراطي الرأسمالي تحولاً كاملاً، والثقافة الأمريكية هناك لها الهيمنة المطلقة سواء في وسائل الإعلام أو في طرائق الحياة على المستوى الفردي والجماعي، وهذا أورثهم انقلاباً في المفاهيم واختلالاً في التوازن، إذ التحول المفاجئ من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين لا يمكن أن يثمر سوى هذا الخلط والاحتلال.
- لقد سمح في هذه الجمهورية لكل مظاهر الانحلال أن تبرز فالدعارة ووسائلها ومحلاتها قد رخص لها، ومحلات القمار الكثيرة مرخصة وعلنية.
- لليهود سلطان اقتصادي كبير في هذا البلد كعادتهم في كل بلد يستطيعون ممارسة نشاطهم فيه، وجر هذا التحكم الاقتصادي إلى نوع من الهيمنة السياسية. وللأسف الشديد فإن دبلوماسيي اليهود أنشط بكثير من دبلوماسيي العرب. وهذا الأمر ملحوظ في كل بلاد الدنيا التي لنا ولليهود فيها تمثيل.
- حصل للأديان عامة ومنها الإسلام، انفراجة كبيرة بعد زوالالسيطرة السوفييتية، فقد كان محرماً الاجتماع للصلاة وإعلانها والمجاهرة بأدائها، وكانت الدعوة لأداء الشعائر أمراً يعاقب عليه القانون، وكانت الحكومة تشجع الاتحاد وترعاه وتقوم عليه، فلما تخلص الناس هناك من الحكم الشيوعي وجدوا أنفسهم بغير دين وهذه المصيبة منتشرة انتشاراً كبيراً في الناس هناك، فهم قد ربوا أكثر من عشرين سنة على الإلحاد، ونشأ جيل أو جيلان من الشباب على هذا الإلحاد اللعين.
والكنائس هناك تفتقد المصلين رغم أنها عاودت نشاطها بقوة، إذ لا يمارس الشعائر من النصارى هناك إلا القليل، وليس للكنيسة من التأثير الروحي على جمهرة النصارى إلا القليل، وصار أهل الأديان يدعون إلى دينهم حتى البوذيين.. ومطلوب تنشيط الدعوة الإسلامية هناك.
أما المسلمون في هذه الجمهورية فيبلغ عددهم عشرين ألفاً تقريباً، منهم خمسمائة من أهل البلد الأصليين، والباقون من الدول الإسلامية المختلفة، ومعظمهم من الطبقة المتوسطة، وبعضهم عمال ولهم مسجدان في العاصمة براغ أحدهما للأتراك. ومسجد ثالث في مدينة تسمى برتو تبعد مانتي كيلو متر عن العاصمة
وأما مسجد الأتراك في العاصمة فلم تسنح لي فرصة لرؤيته والصلاة فيه، وأما المسجد الآخر فقد زرته مراراً، و ألقيت فيه عدداً من الدروس والمحاضرات، وخطبت فيه الجمعة، وكانت عن واجبنا تجاه إخواننا المسلمين في العراق وفلسطين وكشمير والشيشان وغيرها من البلدان الإسلامية المحتلة، ومما قيل لي بعد الخطبة إنها كانت مناسبة جداً لحال الناس حيث إنهم محبطون بسبب أحداث العراق، فجاءت الخطبة- ولله الحمد - رافعة لمعنويات كثير من الناس.
قصة لطيفة مؤثرة
ومن القصص اللطيفة لإسلام بعض التشيك أن أحدهم أسلم عن طريق المعالجة من الإدمان!! فقد كان مدمناً للمخدرات. مفسداً على زوجه عيشها، كثير الشجار معها، ولم يعرف كيف يتخلص من إدمانه هذا، فنصحه أحد المسنين بقراءة العهد القديم فقرأه فلم يستفد شيئاً، ثم قرأ العهد الجديد فلم يستفد أيضاً، ورأى القرآن العظيم في إحدى المكتبات فاشتراه فجذبه وأثر فيه، فذهب إلى المسجد في برنو إحدى مدن التشيك- وقال لأهل المسجد: إذا أسلمت فما لي؟ قالوا: النجاة من النار فأسلم وصار يقرأ القرآن، فصده عن المخدرات فابتعد عنها، وحسن حاله فتعجبت زوجه وسألته عن السبب فأخبرها أنه أسلم، فلم تعرف ما هو الإسلام لكنها قالت له: إن كان هذا عمل الإسلام فيك فأنا أسلمت أيضاً!! ثم أخبرها أنه ذاهب إلى مكة فتعجبت وسألته هل رجعت للمخدرات؟ فشرح لها معنى مكة، وأنه ذاهب للحج!
انظروا كيف يفعل الإسلام بالناس وكيف يهذب سلوكهم ويرتقي بأخلاقهم، وأن العائق الكبير بين الناس وبين الإسلام هو جهلهم به!
ومن القصص المؤثرة الدالة على عظمة هذا الدين وتشريعاته أن مدير السجن طلب أحد الإخوة العرب المسؤولين عن المسجد، فلما اجتمع به أخبره أن العرب المساجين طلبوا منه الاجتماع في زنزانة واحدة، وهو متخوف من هذا الطلب، فأخبره أنه ليس من داع للتخوف إذ الشهر رمضان وهم يحبون أن يصوموا سويا ويتناولوا طعامهم سوياً، وضمن للمدير هدوءهم، ثم تحدث مع المساجين طالباً منهم إظهار عظمة الشهر وسماحته.. وبعد انقضاء رمضان اجتمع مدير السجن بهذا الأخ وقال له ما هذا الشهر لقد انقلب هؤلاء العرب إلى ملائكة!! فانتهز هذا الأخ الفرصة وطلب من المدير تخصيص زنزانة للمساجين لأداء الصلاة، فقال: إن الدين الإسلامي غير معترف به في البلاد، وهذه مشكلة، لكن وعده خيراً، ثم أخبره بعد ذلك بالموافقة على طلبه، لكن مع تخصيص زنزانة أخرى للنصارى ليصلوا فيها.
وهناك قصص كثيرة ولكن جملة العبرة منها أن القوم مستعدون للدخول في هذا الدين لكن ينقصهم الداعية المخلص وتنقصهم المعلومات والحقائق عن هذا الدين العظيم، فإن وجدوا فأنا أجزم أن جماعات كثيرة منهم ستدخل هذا الدين وينشرح صدرها به.
صعوبات وعقبات
ولا شك أن المسلمين هناك يواجهون صعوبات ليست قليلة، وأولاها مشكلة عدم الاعتراف بالدين الإسلامي.
وهي مشكلة عويصة ليست بالسهلة لأن عدم الاعتراف يؤدي إلى جملة عوائق منها عدم السماح بإقامة مدارس خاصة بهم، وعدم الإذن لهم بإقامة مساجد وغير ذلك، وإنما كان ما أقاموه من مساجد عبارة عن مراكز تجمعية طلابية وليست مساجد، وذلك لأنهم لا يعترفون بها. ولذلك فمساجدهم ليس لها مآذن، ولا يستطيعون إعلان الأذان خارج المسجد. لكن هذه ليست مشكلة، إنما المشكلة الحقيقية هي عدم الإذن بإقامة مدارس نظامية. وقد استعاضوا عن ذلك بإقامة مدرسة مسائية تعلم القرآن والعربية، لكن هيهات أن تعوض مثل هذه عن المدرسة الصباحية النظامية، وذلك أن الطالب يمكث في مدرسة مختلطة ثماني ساعات أو أقل أو أكثر أي أنه يمضي سحابة يومه في جو موبوء خطير.. فهل تغني عنه ساعة في المساء شيئاً؟ هذا لو حضر إلى المدرسة المسائية: إذ إن كثيراً منهم لا يحضرون، وهذه المعضلة. أي عدم الإذن بإقامة المدارس- مشكلة كبيرة في حياة المسلمين هنالك، ولا أعلم كيف يأمن المسلمون على بناتهم في مدارس الحكومة المختلطة الفاسدة!
ومن المشكلات التي يعاني منها الشباب المسلم الانحلال الهائل الذي ترزح تحته البلاد. فالدعارة والخمور والمخدرات تفتك بالناس هناك، ولا شك أن لهذا كله آثاره على الشباب المسلم، لأن إيمان أكثرهم ليس قوياً بحيث يستطيع مجابهة شيء من تلك المشكلات، ويقف شامخاً إزاءها، ودوائر الوعظ المحيطة بهم محدودة وهو لا يتابعها أصلاً.
ومن المشكلات الكبيرة التي تعاني منها الجالية، ندرة طلبة العلم والمشايخ والدعاة فيهم، وهذه مشكلة على الجالية أن تحلها بإرسال بعض البعثات لطلب العلم في البلاد الإسلامية حتى تستطيع أن تواجه عاصفة الانحلال هناك.
ولا شك أن قلة عدد المسلمين تسبب مشكلات، فهم لا يتجاوزون عشرين ألفاً فقط بالنسبة لعدد سكان يبلغ عشرة ملايين مما يقف حائلاً أمام تنفيذ كثير من المشروعات. وفي الختام لا بد أن أذكر أن هناك بوادر صحوة عند المسلمين، وأن هناك أعمالاً جيدة يعملونها وإن لم تكن في مستوى الأمال المعقودة لكنها بدايات على أية حال.