العنوان في اجتماع وزراء نفط مجلس التعاون.. وضح الشكل ويبقى المضمون
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 09-فبراير-1982
مشاهدات 66
نشر في العدد 560
نشر في الصفحة 8
الثلاثاء 09-فبراير-1982
لئن كان قيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية الذي يضم كلًا من السعودية والكويت والإمارات وقطر والبحرين وعمان قد وضع الإطار للتنسيق والتعاون بين هذه الدول في مختلف المجالات، فإن انعقاد مؤتمر وزراء نفط هذه الدول في الرياض في بداية الأسبوع الماضي لأول مرة في أعقاب اجتماعات وزراء الدفاع والمالية، يكون قد رسخ شكل التنسيق في السياسات النفطية الخليجية خاصة وأنه كما جاء على ألسنة الوزراء المشاركين كان «ناجحًا جدًا ومثمرًا للغاية».
وقراءة سريعة في نتائج المؤتمر المعلنة، يتبين أن شكل التنسيق بين دول المجلس في السياسات النفطية قد تحدد في:
اجتماع وزراء النفط الذي تقرر أن يتحول إلى لجنة متخصصة دائمة تجتمع مرتين كل عام.
لجنة دائمة من الشركات الوطنية النفطية بهدف تنسيق الأسعار ودراسة الأسواق وتبادل المعلومات، وترفع تقارير دورية إلى اللجنة الوزارية الدائمة.
على أن الشكل بمعنى تحديد قنوات التنسيق والتعاون وإن كان أمرًا لا مفر منه بالنسبة لهذه الدول التي تشكل مجموعة جغرافية واقتصادية وسياسية متماثلة، إلا أن ما هو أهم من ذلك هو مضمون هذا التنسيق والتعاون والتحدي الذي تواجهه هذه الدول، هو كما قال أمين عام مجلس التعاون السيد عبد الله بشارة كيفية الخروج من الاعتماد على مصدر واحد للدخل، باعتبار النفط مادة ناضبة، وأنه «لا يمكن البقاء أسرى لهذه الحقيقة» ولتحقيق هذا الهدف تم كما يبدو تشكيل اللجنتين المذكورتين.
شبح الأمن
وإذا كان توحيد السياسات النفطية بهدف الخروج من تحدي الاعتماد على سلعة ناضبة واحدة كمصدر للدخل هو الهدف الأساسي لعملية التنسيق والتعاون، فإن المدقق فيما أعلن من نتائج مؤتمر وزراء النفط يلاحظ أن معظم القرارات التي تم التوصل إليها صدرت وكأن شبح الأمن يطارد هذه الدول ولا يكاد ينفك عنها.
قالت وكالة أنباء الإمارات إن الوزراء «أكدوا على أهمية تبني سياسة إنتاجية بترولية هدفها توفير استراتيجية الأمن البترولي في دول المجلس، وتضامنها التام مع بعضها في حالة تعرض إنتاج إحدى الدول لظروف طارئة، تؤدي إلى انقطاع إنتاجها».
وذكرت الوكالة أن الوزراء اقترحوا أن يأخذ التضامن عدة أشكال، من أهمها «إقراض الدولة المتضررة بقيمة كميات من البترول، تنتج وتباع لحسابها، في ظل ترتيبات متفق عليها في حينه، واتخاذ إجراءات بترولية مناسبة تجاه أية دولة معتدية على إحدى دول المجلس، والعمل على بناء مخزون احتياطي من المنتجات المكررة في كل دولة من دول المجلس، وترشيد الاستهلاك المحلي للمنتجات المكررة، وتطوير مصادر الطاقة البديلة في الدول الأعضاء..
كما نادى الوزراء بضرورة اتخاذ دول المجلس موقفا موحداً في «أوابك» تجاه القضايا الجوهرية مثل المشاريع المشتركة، ودخول أعضاء جدد وتعديل الميثاق.
وفي كلمة السيد عبد الله بشارة أكد على مبدأ سيادة الدول على مواردها الطبيعية، أمر لا يقبل النقاش، وأضاف أن مجلس التعاون بالجهد الجماعي وبالتنسيق والتكامل، قادر على وضع سياسة نفطية يكون التحكم والتملك فيها لدول مجلس التعاون وحده.
وهذا الذي ذكره أمين عام المجلس صحيح للغاية، وهو بدهية لا تقبل المناقشة. لكن ما الذي يجعل السيد بشارة يشير إلى هذه البدهية ويركز عليها؟
لقد حاول هو أن يوضح ذلك حيث أشار إلى الأطماع الدولية في نفط الخليج وهذا حق، لكن الذي يلحظه المراقب أن التركيز على هذه البدهية في غمرة تطورات سياسية خليجية وإقليمية وعالمية يوحي بأن شبح الأمن هو الذي كان وراء هذه التلميحات كما كان وراء كل توصيات المؤتمر.
تساؤلات
وبالرغم من أهمية الأمن النفطي ومرافقه وضرورة الاحتياط للظروف الطارئة إلا أن أسئلة لا تزال تطرح في الأوساط الشعبية الخليجية، ترجو أن تجد لها جوابا لدى القادة والمسؤولين، وأول هذه الأسئلة هو من الذي يهدد أمن المنطقة عمومًا وأمن النفط بشكل خاص؟ هل هو الاتحاد السوفياتي مثلًا ولماذا؟ أم الولايات المتحدة ولماذا؟ أم إيران كما أوحى بذلك مسؤولون خليجيون وصحافة خليجية؟ وكيف ولماذا؟ أم القوى المعارضة الشعبية كما تحاول أجهزة الإعلام الغربية ليل نهار أن تلقي في روع الأنظمة الحاكمة؟ والإجابة الحاسمة الدقيقة عن كل هذه التساؤلات ضرورية وعاجلة، لأنها ستضع الأمور في نصابها أولا، ولأنها ستضع حدًا للهلع والخوف ثانيًا، مما ينير الطريق أكثر ويجعل قرارات اتخاذ تدابير أمنية وعسكرية على قدر الحاجة والضرورة فحسب. أما عندما تعيش المنطقة في أجواء القلق والخوف من المجهول، فقد تستغل من قبل القوى الرأسمالية الغربية فتستعيد ثمن فاتورتها النفطية أثماناً مضاعفة للسلاح والمشورة والتكنولوجيا العسكرية، وهذا ما بدأ ينطبع لدى العامة بعد أن دفعت السعودية (٨٥) ألف مليون دولار ثمنا لطائرات الأواكس.
أین سياسات الإنتاج والتسعير؟
وبالإضافة إلى التساؤلات السابقة يبقى التساؤل الأساسي وهو طالما أن التعاون الخليجي- كما قال وزراء النفط- يهدف إلى توحيد سياسات النفط في الإنتاج والتسويق والأسعار، فما هي السياسات التي تبناها المؤتمر في هذا المجال؟
نعم قد يكون المؤتمر قد توصل إلى قرارات لم تعلن في الجلسات المغلقة، لكن لم ترد على أية حال أية إشارة إلى تقنين الإنتاج والأسعار.
بالرغم من أن المؤتمر قد أجمع على لسان أمين عام المجلس على أن التحدي الكبير الذي تواجهه هذه الدول هو كون النفط السلعة الناضبة المصدر الأساسي للدخل، مما يحتم التوصل إلى سياسة من شأنها إيجاد البديل لهذا المصدر الأساسي كما تعمل على استغلاله بأكفأ طريقة ممكنة.
● عبد الله بشارة: ضمان إمدادات النفط.
● أحمد زكي يماني: إنعاش الاقتصاد العالمي.
في اجتماع وزراء النفط مجلس التعاون وضح الشكل ويبقى المضمون
شبح الأمن ينعكس على قرارات المؤتمر ليتخذ تدابير استراتيجية الأمن البترولي.
أين تقنين الإنتاج والأسعار من قرارات المؤتمر؟
والمتتبع للشؤون النفطية يدرك أن النفط سيظل لسنين طويلة المصدر الأساسي للطاقة، ونظرًا لرخص أسعاره مقارنة بالمصادر الأخرى ولوفرة إنتاجه فقد ترتب على ذلك إسراف في الاستهلاك، وإحجام عن تطوير مصادر بديلة خاصة من قبل الدول التي تملك الخبرة التكنولوجية كالولايات المتحدة وأوروبا الغربية.
لذلك وكما تؤمن جميع الأوساط الشعبية الخليجية فإن أول مطلب سليم على صعيد توحيد السياسة النفطية هو تقنين الإنتاج، ضمن معادلة احتياجات التنمية الشاملة لدول المنطقة، وهذا بدوره يوجب خفض الإنتاج بشكل عام، ولكن مؤتمر وزراء النفط فيما أعلن -لم يتطرق لهذه المسألة من قريب ولا من بعيد.
مخاوف
بل إن ثمة مخاوف من أن نظرية زيادة الإنتاج لخفض الأسعار بحجة إنعاش الاقتصاد العالمي بشكل عام والاقتصاد الأمريكي بشكل خاص، هي التي ستسيطر على اجتماعات وزراء النفط، خاصة وأن السعودية أكبر منتج للنفط بين دول المجلس لا تزال تتبنى هذه السياسة، كما جاء في مقابلات صحفية لوزير البترول السعودي أحمد زكي يماني مع مجلتي المستقبل والحوادث.
ومما يزيد هذه المخاوف تصريحات للسيد أمين عام المجلس نشرتها صحيفة الرياض السعودية جاء فيها «أن دول المجلس تشعر بأنها مسؤولة عن ضمان استمرار تدفق النفط إلى الأسواق العالمية، وإن أي خطوات تتخذ ستأخذ في اعتبارها هذا الأمر».
وكرر مخاوف رسمية خليجية من فشل دول الخليج في ضمان تدفق النفط سينجم عنه مخاطر لا يمكن حسابها، ولا يستبعد منها احتمال مواجهة عسكرية مباشرة!
ولا نريد أن نقلل من مثل هذه المخاطر، لكن إذا كانت الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي أعلن مسؤولون فيها عن احتمال التدخل العسكري المباشر في منطقة الخليج، لضمان إمدادات النفط وإذا كانت دول مجلس التعاون ستضمن هذه الإمدادات وتحميها، فإن الاحتمال الأقرب للمنطق هو أن إشاعة أجواء القلق والاضطراب لا يستفيد منها إلا مثيروها، ومن هنا تترسخ القناعة الشعبية بضرورة الحفاظ على النفط في الأرض لأطول فترة ممكنة، واستثمار عوائده في مجالات التنمية المحلية الشاملة.
مشاركة شعبية
والحقيقة أن الوصول إلى معادلة نفطية سليمة ودقيقة أمر يحتاج إلى عناء ومثابرة وتصويب، إذ أن ما يعترض ذلك من عقبات بسبب الظروف السياسية والاقتصادية العالمية، وتعقيداتها، قد لا يجعل القرار بشأنها سليمًا ولا صائبًا. لكن الذي نملك أن نقوله وأن نوجهه إلى دول المجلس، هو أن القيادات السياسية التي تظن أنها حريصة على مصلحة الوطن العليا، إذا ما أرادت أن تتوخى الدقة والصواب في تقدير هذه المصلحة فما عليها إلا أن تستشير شعوبها وتستمع لآرائها، ولكي يتحقق ذلك فلا بد من مكاشفة الشعوب بكل ما يدور حولها من ملابسات سياسية واقتصادية وعسكرية، وإطلاق وصيانة الحريات العامة، وتأصيل عملية المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار. فإذا ما أخذت القيادات السياسية بذلك وعملت على تهيئة المجتمع إعلاميا وتربويًا وقانونيًا لتطبيق الشريعة الإسلامية السمحاء مع تربية الأجيال على حب العمل والبحث العلمي والجهاد، فإن دول المجلس آنذاك وبالتعاون مع جميع البلدان الإسلامية ستكون مالكة للنفط بحق وقادرة على حمايته... فهل هم فاعلون؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل