العنوان ما يجري في بلاد المسلمين.. مصادفات أم مخططات؟
الكاتب عبدالسلام الهراس
تاريخ النشر الثلاثاء 01-سبتمبر-1998
مشاهدات 77
نشر في العدد 1315
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 01-سبتمبر-1998
- مقتل بوضياف.. هل كان مثل عشرات غيره من الوقائع.. مجرد أحداث عارضة؟
- إن من سنن الله أنه إذا ما توافرت شروط «میلاد الفكرة» وشروط نموها، وشروط انتصارها وانتشارها وظهورها؛ فلن تستطيع قوة في الأرض أن تغالب قضاء الله وقدره، أو تحول دون تحقق ذلك.
كان أخي وأستاذي مالك بن نبي كثيرًا ما يكرر على مسامعنا- في البيت وفي المحافل- أن من السذاجة والبلاهة اعتقاد أن أعداءنا يواجهوننا بعقليتنا البسيطة، وبأعمال وأحداث تطبعها العشوائية، وتخضع للمصادفات والتلقائية، بل إن وراء كل حادث أجهزة خفية وعلنية، مهمتها الجمع والتصنيف والتحليل والاستنتاج، ثم التخطيط لوضع زبدة ذلك كله رهن التنفيذ، فهناك ارتباطات شديدة بين الوثائق الأولية والمادة الجاهزة للدراسة، وبين إجراءات التنفيذ وأساليبه، وكان يشتط به الأمر أحيانًا إلى أن يظن الظن القوي أن مجرد تأخير رسالة عن الوصول لصاحبها في موعدها، ليس بريئًا من تلاعب الأيدي الخفية، التي لا تدخر وسعًا لتنال من المسلم نيلًا في نفسه أو وقته أو ماله.
وكان بعضنا لا يقره- في نفسه- على ذلك، لكن مع مرور الزمن رأينا وشاهدنا وقرأنا وسمعنا أمورًا وأحوالًا أكدت صحة ما كان يقوله أستاذنا مالك- رحمه الله- وقد تبين أن بعض «الثورات» و«الانقلابات» في بلادنا العربية والإسلامية لم يكن سوى سيناريوهات أعدت مسبقًا في دهاليز القوى الباغية، استمرارًا للمؤامرات التي حيكت ونفذت لتمزيق الخلافة العثمانية، وتمزيق المغرب الأقصى الذي كانت له السيادة قرونًا في الغرب الإسلامي وفي المتوسط إلى أواخر القرن الثاني عشر للهجرة.
وإذ تقرر أن أعمال العقلاء تصان عن العبث، وتخلو أساسًا من المصادفة، فإن ما وقع من تلك الانقلابات الناجحة أو الفاشلة المخفقة، والرافعة اللافتة الفلانية أو اللافتة العلانية، كانت وفق تخطيطات محكمة، لذلك كان إخفاق بعضها بين يدي الناجحة أو إثرها من صميم المسرحية أو السيناريو المعد إعدادًا مترابطًا، فما بدا أنه إخفاق كان هو عين النجاح.
وهذا يدفعنا إلى إثارة تساؤلات عن أحداث ووقائع ومواقف قد مرت بنا دون أن نعيرها ما يناسبها من تعليق أو تعقيب أو تحليل، يسهم في تكوين وعينا بواقعنا .
تساؤلات
لماذا أخفق الانقلاب الأول في اليمن، ونجحت الانقلابات اللاحقة؟
هل كان الانقلاب الأول نشازًا، وليس من مقتضيات السيناريو المعد في غرفة الأجهزة المسؤولة عن صناعة اللعبات في الشرق الأوسط، لذلك كان مآله الوأد؟ ما علاقة اغتيال السادات بالاجتياح اليهودي للبنان؟
وما السر في الانقلاب على بن بلة والمرض الغامض المميت لبومدين والانقلاب على الشاذلي بن جديد، واغتيال بوضياف؟ وهل لذلك علاقة بالتقارب بين المغرب والجزائر والاتفاق بين الطرفين على حل المشكلات المزمنة بينهما ولا سيما مشكلة الصحراء؟
ولماذا وقع التخلص من بعض رؤساء الدول الإسلامية والعربية بسهولة وبسرعة فائقة، وأسلوب حاسم، وإن كان متنوعًا، في حين استعصى بعض الرؤساء الآخرين على المحاولات المتكررة للجهات نفسها؟
ثم هل كانت ميتة سامي أباشي بسكتة قلبية طبيعية أم أن قلبه أسكت بالأمر؟ ولم يكتف المدبرون لذلك بموت الرجل، بل أشاعوا أخبارًا تشين سلوكه وتشوه سمعته؟
ولكن الأغرب من ذلك الموت المفاجئ للزعيم المسلم المعارض مسعود أبيولا الذي كان المنتخب الشرعي لرئاسة الجمهورية، والعجيب أن «موته» تم في حياة أباشى إعدادًا لصنع مصيره، وقد ظهر على المسرح مرشحان نصرانيان في بلد معظم سكانه مسلمون، وقد أُنجِح أوبا سانجو دون صاحبه وزير المالية السابق في عملية انتخابية مطبوخة، وقد رأينا أنه منذ نجاح الرئيس الجديد اختفى اهتمام الإعلام الغربي بمناظر نيجيريا السيئة، وأخبارها النكدة، كأن مشكلات نيجيريا قد حلت كلها.
وقبل ذلك هل كان سقوط طائرة عبد السلام عارف بسبب خلل فني أم كان أمرًا دبر بليل، وقد صمتت الألسنة إلى هذه السنة التي شهدت تصريح بعضهم بأن الطائرة أسقطت عمدًا وبمؤامرة.
كما مرت بعد ذلك ميتة الشيخ البرزاني- زعيم الأكراد العراقيين- في ظروف صامتة كاتمة، فهل كان موته المفاجئ ليلة عزمه السفر من أمريكا إلى إيران إثر نجاح الثورة الإيرانية بريئًا من أي تدبير؟ وهل هذه السكتة القلبية لم تخترم الملا البرزاني- رحمه الله– إلا في تلك الليلة؟
الملاحظ أن هذه السكتات وأمثالها ارتبطت دائمًا بسكتات إعلامية شاملة!!
إن هناك أحداثًا وحوادث وأحوالًا كبيرة وصغيرة تقع هنا وهناك في عالمنا، قلما تستثير اهتمام إعلامنا، أو تلفت أنظارنا- بله اهتمامنا العلمي- لتضيف إلى وعينا رصيدًا جديدًا ينفعنا في معرفة مكر الليل والنهار، وتزودنا بتجارب تنأى عن مزالق ما كنا لنقع فيها لو أفدنا منها!
إن ما ينشر من وثائق أو تقارير أو كتب لبعض العلماء والمسؤولين السابقين يطلعنا على غرائب وعجائب عما جرى ببلادنا، وعن بعض الشخصيات التي كانت معبودة الجماهير، وقد تبين بعد ردح من الزمن أن الأنظمة الطاغوتية التي حکمت بعض بلاد المسلمين- باسم شعارات براقة ولافتات خلابة، ووعود أخاذة- لم يكن معظم رجالها سوى مغامرين مستعدين أن يكونوا لعبة في يد غيرهم، اصطنعتهم من أجل قلب أنظمة فيها بعض الخير وبعض الإخلاص، وكان يمكن لها أن تكون أحسن وأفضل، والهدف الذي اتضح بعد ذلك هو إبقاء المسلمين في الهوان الشديد، والتخلف المهول، والزج بهم في فتن متلاحقة، وفقر مدقع، وهلع دائم، وجو خانق أصبح فيه نصف الناس جواسيس على النصف الآخر.
وإن السياسة الخاطئة والإدارة المنحرفة التي حلت محل تلك الأنظمة قد حققت للدول ذات النفوذ والمصالح ما لم تكون تتوقعه من تدهور للبلاد الإسلامية في جميع المجالات، كما يبدو ذلك في انهيار الاقتصاد، ورواج الرشوة، وانتشار البطالة، واستغلال النفوذ، وسيادة الانتهازية، وتعفن الضمائر، وارتفاع معدل الجرائم، واستنزاف الموارد، والإقبال على مغادرة الأوطان للعيش في ديار الغربة، والتجنس بجنسيتها، والتضحية بالأولاد للاندماج في تلك البلاد، وقطع صلتهم بأوطانهم.
إن أعداء الإسلام لا يرغبون في قيام نظام ديمقراطي أو نظام اقتصادي مستقل، فإن بدت أي محاولة؛ فإنه سرعان ما يقع الانقضاض عليها كما وقع ويقع في البلدان التي حاولت ذلك، ولو كلف البلاد إبادة آلاف.. لقد بلغ الذل والهوان إلى درجة أن بعض الانقلابين الجدد أعلنوا صراحة أنهم مدينون للدولة الفلانية التي كانت وراء إخفاق محاولة إجهاض انقلابنا، ولذلك فنحن نرد لها الجميل بتلبية مطلبها.
إن استقرار الأنظمة الطاغوتية العسكرية والبوليسية الشاذة الفاسدة المفسدة، المذلة للأعزاء، والمفقرة للأغنياء، والمفرقة للأحباء، والمقصية للألباء، والمقربة للمنافقين والبلداء، منوط برضا أسيادها الذين نصبوها وصنعوها.
فإذا ما تقرر هذا، وصار واضحًا فماذا على أهل الحق والإخلاص أن يعملوا؟
اعرف عدوك
إن أول ما يجب على المكلف معرفته- أولًا- عدوه الحقيقي وخصمه الصريح بأسمائه وأفعاله، ونعوته، وظواهره، وبواطنه، فمن جهل عدوه كان أحرى أن ينهزم أمامه، ومن عرف عدوه استطاع أن يغلبه، أو على الأقل أن يتقي شره.
إن الكثير منا ما زال يصارع «الخِرقة الحمراء» دون النفاذ إلى من وراها المتلاعب بها، لذلك كثيرًا ما يقعون صرعى في ساحة اللعبة من غير أن يمسوا المصارع بسوء!!
ثانيًا: معرفة أساليبه، ووسائله، وأحابيله، ودوافعه، ومصالحه الحيوية، ونقاط ضعفه، وعملائه، وأجهزته، ومعرفة نفسية شعبه، ومصادر قوته.
ثالثًا: دراسة ذلك كله لمواجهة المكر بالمكر، والكيد بالكيد، وهذا يقتضي إنشاء مؤسسات وإدارات خاصة لهذا النوع من الحرب، ابتداءً من فرق جمع الوثائق، إلى المستنبطين، إلى المنفذين؛ حتى لا تظل أمورنا في مهب الرياح، تتحكم فيها المبادرات الاعتباطية والتصرفات العشوائية، لا تملك من شروط العمل سوى الحماس والإخلاص وحب الاستشهاد.
ورحم الله أستاذنا مالكًا الذي يقول: «إن البطولة ليس من طبيعتها البناء والتشييد»، وكان أمير الجهاد محمد بن عبد الكريم الخطابي كثيرًا ما يردد: «لقد هزمنا الاستعمار في ميدان الجهاد والسلاح، ولكنه غلبنا بالسياسة والمكر والدسائس والخديعة»، لذلك فقد آن الأوان أن نتجاوز عقلية الاستشهاد إلى مرحلة الاستبصار والاستنباط والاستكشاف والإبداع في المجال الدعوي، ولعل بعض المنظمات الإسلامية شعرت بالحاجة إلى تغيير أساليبنا التقليدية، قال أحد زعمائها: «لقد حاولنا فرض أنفسنا على «النظام» فدخلنا فمه فبصقنا، ثم حاولنا مرة ثانية فوصلنا إلى معدته فتقيأنا، ولم يبق أمامنا سوى المحاولة الثالثة أن نصبح جزءًا من دمه حتى إذا حاول التخلص منا لا يستطيع؛ لأن في ذلك القضاء المحتوم عليه».
الحاجة إلى العمل الجماعي المؤسسي
المطلوب من القيادات استيعاب العصر ومقتضياته، وطبيعة الصراع وأركانه، وما يتعلق به، إن عصر «الرجل الأوحد» و«الجوهر الفرد» قد ولى، وإن كنا لا نغمط حق أولئك القادة الأبطال- رحمهم الله- ولعل الكثير منهم لو بعث ورأى هذا العصر المعقد المبني على المعرفة المتطورة، وعلى علوم وخبرات مختلفة، لما تردد في الاستجابة لما يقتضيه العصر من وجوب الإعداد المناسب للقوة، ولرباط الخيل إلى حد إرهاب العدو وترعيبه لردعه عن الاعتداء، وزجره عن التطاول، ولإشعار الأعداء الآخرين- الذين لا يعلمهم إلا الله- بالخطر الذي يتهددهم إن هم حاولوا إيذاء المسلمين ومناوأتهم، وتجاوز الخطوط الحمراء.. ثم إننا أمة الشورى، وأمة الإتقان والإحسان، وأمة الوسط، وأمة إسناد الأمور إلى أهلها، وأمة العلم والاجتهاد والتجديد والتجدد، أمة الجماعة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (الفاتحة: ٥-٦)، فنحن أحق من غيرنا بأن تكون لنا الغلبة في ميدان العلم والفكر والتخطيط.
إن من سنن الله أنه إذا ما توافرت شروط «میلاد الفكرة»، وشروط نموها، وشروط انتصارها وانتشارها وظهورها، فلن تستطيع قوة في الأرض أن تغالب قضاء الله وقدره، أو تحول دون تحقق ذلك، بل قد تبرز الحقائق تلك في ظل أعدائها المحاربين لها إن من سنن الله أنه إذا ما توافرت شروط میلاد الفكرة، وشروط نموها، وشروط انتصارها وانتشارها وظهورها فلن تستطيع قوة في الأرض أن تغالب قضاء الله وقدره أو تحول دون تحقق ذلك ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾(القصص:8)، وإن الله ينصر هذا الدين بالرجل الفاجر.
إن الله قد وعدنا وعدًا قاطعًا لا ريب فيه، أن الذين كفروا لن يسبقوا أمة محمد وليسوا بمعجزين لها: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا ۚ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ * وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (الأنفال: ٥٩-٦٠).
إن قيمة تفسير الآيتين لا تكمن في القدرة التحليلية والاستنباطات الممكنة المشروعة فهمًا، ولكن في القدرة على تمثل ذلك في النفس، وتطبيق ذلك في واقع الدعوة وسلوكها وإدارتها وعبر أجهزتها المختصة ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾(الزخرف:44)، ﴿هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾(ص:49)، ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (الإسراء: ٩)، ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾(محمد: ٢٤).
وهناك آيات أخرى كثيرة وأحاديث نبوية شريفة تدلنا على أن القرآن بالنسبة للمؤمن شفاء وحكمة، ورحمة وفتح، وسلاح فعال للجهاد به، وغير ذلك من المعاني العظيمة، ولذلك كان يجب علينا أن نحقق في حياتنا المطلوب منا من «القوة» التي تشمل كل ما يجعل الأمة الإسلامية الأمة الأعظم والأقوى، وإن كان حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه مسلم نص على أن القوة الرمي، وهذا لا يعني أن غير الرمي ليس من القوة، يقول محمد عبده رحمه الله: «ومن المعلوم بالبداهة أن إعداد المستطاع من القوة يختلف امتثال الأمر الرباني به باختلاف درجات الاستطاعة في كل زمان ومكان بحسبه»، وقال تعليقًا على الحديث الشريف: «إنه من قبيل «الحج عرفة» كما قال بعض المفسرين، بمعنى أن كلًا منهما أعظم الأركان في بابه، وذلك أن رمي العدو وعن بعد بما يرمي العدو من سهم أو قذيفة... على أن الآية أدل على العموم» «تفسير المنار ١٠/ ٥٣ – ٥٤»، والمفهوم من العموم هو كل ما يحقق قوة الأمة أو الدولة أو المجتمع، ومن القوة في الحرب الخدعة والحيل، وكل ما يوصل إلى هزيمة العدو في إطار ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾(التوبة:7)، ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾(النحل:126).
والمسألة مبسوطة في أبواب الفقه الخاصة بمعاملة العدو في الأحوال المختلفة، فالقوة إذن تعني في العصر الحاضر ما عند الغرب والشرق من مؤسسات القوة ومقومات الدولة القوية، ومن أجل تحقيق ذلك كله أو بعضه يلزم الإنفاق في سبيل الله، ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ (الأنفال:60).
إن بعض الدول الإسلامية تحاول أن تمتلك القوة المطلوبة، لكنها تنسى أساس ذلك كله، وهو ممارسة الإسلام كله وتطبيق شريعته، والتمكين للأيدي المتوضئة القوية بإيمانها وإخلاصها، ووفائها وغيرتها، وزهدها وإحسانها وإتقانها.. لكن من جهة أخرى فإن منظمات وهيئات الدعوة الإسلامية- التي هي الممثلة الحقيقية للإسلام- عليها أن تستثمر رجال العلم والخبرة في الميادين المختلفة، لإيجاد الصيغ الممكنة لتحقيق الخطوات الأولى لذلك الإعداد لاختراق الطريق المسدود بإحداث الثغرة الأولى أو النقب، للإفلات من القيود والأغلال التي تعوق الانطلاقة المرجوة.
وللأمة الإسلامية قيادات مخلصة داخل الحكم وخارجه، تستطيع لكثرتها وتنوعها وغنائها أن تضطلع بالمسؤولية في هذه الظروف الصعبة والدقيقة ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور: ٥٥).
فالإيمان وحده غير كاف، ولا بد من قرنه بالأعمال الصالحات، ومن أهم الأعمال الصالحات التي يجب على منظمات الدعوة ورجالاتها القيام بها مجاهدة العدو بوسائل العصر وعلومه وفنونه وخبراته، ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت:٦٩).
وقبل أن أختم كلامي أود أن أشير إلى خبرين اثنين:
أولهما: أن بإحدى الجامعات اليهودية قسمًا خاصًا بدراسة الأندلس، واستخلاص أسباب فتحها وأسباب سقوطها، وقد سمعت هذا الخبر من شخصية علمية كبيرة.
ثانيهما: أخبرني أحد كبار المختصين من المستشرقين بأن جامعة يهودية دعت كبار المختصين بالفقه المالكي مؤخرًا، ليقضوا عندها شهرين كاملين للقيام بدراسة هذا الفقه من وجوه مستفيضة.
وبعد، فإني أترك التعليق للقارئ الفطن الذي يعيش في آخر أيام القرن العشرين الميلادي.
عقدة الخوف من الآخر
بقلم: منير شفيق «كاتب فلسطيني»
لو أحصينا الصفات المرذولة التي وصفت أو توصف بها مجتمعاتنا الإسلامية- وعلى الخصوص مجتمعاتنا العربية الإسلامية- من قبل جهات كثيرة من النخب العربية، لما أمكننا الحصر أو التعداد، فهنالك من قال في التقاليد الشعبية، ونسب إليها كل ما نحن عليه من أوضاع سلبية مزرية.
وثمة من ركز على البنية الاجتماعية عندنا ابتداء من القبلية، ومرورًا بالعقلية البدوية، وانتهاء بـالسلطة الأبوية، ولم يقصر في رميها بالنعوت والصفات السيئة، ولم يتردد في تحميلها مسؤولية ما نحن عليه من أوضاع، وعلى هذين المثلين قس.
ولا يبعدك عن ملاحظة المشترك ما يطفو على السطح من ألوان وأطياف في الطرح أو في تناول الموضوع، أو من جهة التركيز على جانب أكثر من آخر.
ولا تعجب إذا قرأت مقالة يقرر فيها صاحبها أننا– ويقصد الأمة كلها– مصابون بعقدة الخوف من الآخر، هكذا بكل بساطة يتحول تخوف يبديه كاتب ما أو اتجاه فكري ما.. يتحول إلى الإعلان عن وجود عقدة خوف من الآخر عند الأمة كلها، ولا حاجة إلى إظهار الفرق بين مخاوف يبديها إنسان من ظاهرة تواجهه، ومعاملته باعتباره مصابًا بعقدة نفسية كامنة ومترسخة فيه، وبين من يرى أن العقدة مترسخة في الأمة كلها، ورثها الأبناء عن آباء وجدود، ودون أن يحدد الجد الذي حمل هذه الجرثومة النفسية، أهو الجد الرابع أم السابع أم غيرهما!
هذا ما حصل في معالجة أحد الكتاب للمخاوف التي يبديها البعض من اقتحام التليفزيون والإنترنت لبيوتنا، فهو يراها شبيهة أو استمرارًا للمخاوف التي أبداها البعض حين دخل الهاتف أو الراديو بيوتنا، فالقرار الأول الذي يصدره صاحبنا هو اعتبار هذه المخاوف تجسيدًا لعقدة الخوف من الآخر، ومن ثم لا يرى لها أساسًا يستحق التوقف عنده أو يستحق المعالجة، فالمسألة نابعة من عقدة كامنة، وهنا مكمن الداء والإشكال «الخوف من الآخر»، والذي أصبح عقدة، وعندما يصبح عقدة يفقد تماسه الموضوعي مع الواقع المحدد؛ فيأتي رد الفعل منطلقًا من عقدة الداخل إزاء الخارج، وبهذا يخفف إلى الحد الأدنى- أو يُلغى تمامًا- مصدر الخوف الآخر من الظاهرة الجديدة.
لو يراجع المرء كيف يقدم هذا الكاتب- أو العدد الكبير من الكتاب شديدي الحماسة للعولمة- ما يعنيه الإنترنت، أو الأطباق اللاقطة للبث التليفزيوني على نطاق عالمي بالنسبة إلى مجتمعاتنا، وما ستحدثه من تغيير في الأخلاق والقيم، سيجدهم يقرون بأن هذه التكنولوجيا ستجعل العالم يحمل ثقافة واحدة، وقيمًا واحدة، كتلك التي نراها في الغرب، وعلى التحديد في الولايات المتحدة، ولو يراجع المرء كيف يصورون عبث التدخل مع التكنولوجيا للإفادة من الإيجابيات ومقاومة السلبيات؛ «لأن ما تحمله العولمة بمثابة القدر الذي لا يقاوم ولا يرد».
لو يراجع المرء ذلك أو بعضه لا يملك إلا أن يقول لهم أنتم تصنعون الخوف من الوافد الجديد: الإنترنت، الأطباق الفضائية، الهواتف النقالة، التكنولوجيا عمومًا، بمبالغاتكم وتهويلكم بما ستفعله في الإنسان حتى تجعله عاجزًا عن أن يفعل شيئًا، ثم بما سيفعله الوافد الجديد في أخلاق الأمة وعقلها، وسلوكها، وقيمها، ودينها، ومصالحها، وأنتم الذين تصنعون الخوف باستهتاركم بقيم الأمة وذكائها، وما تحمله من مخزون إسلامي في أعماقها، فأنتم في الحقيقة تعتبرون أن الخفة التي استقبلتم بها رياح الغرب ستوازيها خفة مقابلة من جانب الأمة، ولكنكم نسيتم أن هذا لم يحدث في الماضي، ولن يحدث في المستقبل أبدًا.
لقد نسي هؤلاء أن هذه الآلات صماء، وإن كتبت، وإن نطقت، وإن صورت، وإن تحركت، ستظل صماء تخضع في نهاية المطاف في تأثيرها إلى نتائج الصراع بين إرادات البشر- إذا جاز التعبير- وستظل قابلة للاستخدام ضمن أكثر من خيار، والإتيان بأكثر من محصلة واحدة أو نتيجة واحدة.
المشكلة أن هؤلاء يعمدون إلى تهويل المخاوف؛ فيتجاوب مع ذلك بعض الإسلاميين، على الرغم من أن أغلبهم يتلقونها ضمن حدودها الموضوعية، وهنا يمسك هؤلاء بـ «القاصية من القطيع»، ويتوسعون في الحديث عن عقدة الخوف من الآخر، في محاولة للإيحاء بأن الإسلاميين يخافون من كل وافد من منتجات التكنولوجيا، ومن ثم يخافون من كل تقدم، بل إن خوفهم هذا لا شفاء له؛ لأنه نابع من عقدة هيهات أن تشفى إلا بالاستسلام للآخر، وحينها- في رأيهم- يُنتزع الخوف من قلبك، وتُحل عقدة في عقلك.
هذا نموذج للاستهتار بكوامن القوة في هذا الأمة، ونموذج للذي لا يتعلم من التجارب الماضية، وهي أن الغرب هو الذي دأب على منع التكنولوجيا عن المسلمين إلا بقدر استهلاكي يقدره هو، بينما جاهد المسلمون- وما يزالون- ليمتلكوا التكنولوجيا، ويزرعوها في أرضهم، ويجعلوها عاملة في سبيل الله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل