الثلاثاء 29-مارس-1977
منذ أن أشرق نور الإسلام على الدنيا، والتاريخ غير التاريخ، فقد تحولت وجهته، وتغير خط سيره.. وغمرت الدنيا بفيض من النور بدد ظلمات الجاهلية، وأركس الشرك، ونكس راياته..
والبحرين منذ أن دخلها العلاء بن الحضرمي فاتحًا باسم الإسلام، فقد نزعت ثوبها القديم وألقت به في البحر.. معلنة انتمائها الكامل للإسلام.. ملقية بنفسها بين أحضانه.. ومن ذلك اليوم وهي تسير في ركابه.. بيد أن غفوات الناس شاغلة.. وضلال القرون المميت يسحب على أركان المعمورة ظلاله.. فيصيب ما يصيب، ويغفو قوم في وقت إفاقة آخرين!
وقد عرفت البحرين العالم الحديث معرفة أسرعت بها نحو تقليد آخر مبتكرات المدنية الحديثة.. حتى ظن الظانون أنها إحدى دولة.. وسارع كثير من أبنائها إلى اعتناق أفکار ومبادئ الغرب دون تبصر أو رؤية.. حتى زلت الأقدام بكثيرين منهم.. وتحدت المرأة المسلمة إسلامها.. وأعلنت العصيان مع موجة الفكر الدخيل.. ووجدت من يحرضها على ذلك فانساقت خلفه غير ملتفتة إلى دعوات الإصلاح... ونصائح الغيورين.. فأعلنت التحدي، ونزعت الحجاب، وأعلنت أنها بنت الحضارة وبنت العصر الحديث.
هذه المسارعة إلى تقبل أفكار الغرب وأتباعه دون معرفة حقيقية به وببواعثه أو مساوئه.. جعل المجتمع يغير صورته المألوفة.. ويعلنها بما يشبه الجاهلية الخرقاء والزعم الوحيد.. أن الحضارة لا تعترف بكل قديم.. وأن الخير في اتباع كل جديد!
ولكن الغفلة وإن رانت على العقول والقلوب فترة.. إلا أن الفطر السليمة لا تبقى تحت هذا الران.. إذ تستعيد صحوتها.. وترفع نفسها إلى المستوى المطلوب منها وهي تعيش في عالم ضاعت فيه معالم الفضيلة.. وشاعت فيه أخلاق الرذائل.. وانتشرت آفات شريرة تدعو كل موحد إلى صفوف الشقاق وترك سبل التوحيد.. إلى حيث انهيار كل بناء.. في الدين والخلق والسلوك!
إنَّ الفطرة السليمة في البحرين بدأت تستعيد وعيها.. وتتجه نحو الوجهة الصحيحة وإن كان الموجهون قليلين والناس في حاجة إلي تبصير، وإلي معونة من كل ... متفقه في أمور دينه ودنياه.
محاضرة للدكتور القرضاوي:
نقصت منه أركان. وما هذه الأفعال إلا محاولات لقص أجنحته وأطرافه ليبقى منزعًا للأهواء!»
وتعرض في محاضرته للناحية الأخلاقية والقيم الإسلامية، وكيف يحاول أعداء الإسلام إحداث اختلال في التوازن بين هذه القيم. ودلل على ذلك من واقع المجتمع.. ففيه الرجل المصلي.. الذي لا يعترف بالزكاة كركن مهم كالصلاة وغيرها من الأركان الإسلامية التي بدونها يخرج الإنسان عن الملة.
ونعى على المجتمع الإسلامي الحاضر أخذه قشور الحضارة الغربية، وقال بأننا لم نأخذ بأسباب الحضارة الحقيقية، ولم نأخذ التكنولوجيا المفيدة... فالحضارة الحقيقية هي التصنيع لا الاستيراد!
وأما ما بهر به الناس عندنا من اتخاذ الحضارة الغربية المنهج العلمي في نهجها فهذا دليل على عدم وعي المسلمين.. فهذا المنهج هو منهج الإسلام اتخذته أوربا من المسلمين واستفادت منه.. وكان هذا المنهج سمة حضارة الإسلام العريقة!.
وضرب مثلًا على التزام شعب بشخصيته عندما أخذ تكنولوجيا الغرب واستفاد منها عمليًا وسمى هذا البلد وقال إنه اليابان...!
الإسلام اليوم!
وعن الكفاية والعدل والضمان الاجتماعي والعدالة وواقع العالم الإسلامي اليوم كان حديثه المركز.. فقد عرض لصورة العالم الإسلامي الراهنة وقال.. إن بعده عن الإسلام قد سبب له أوجاعًا كثيرة، وإن جراحاته لن تبرأ إلا إذا كان الإسلام هو بلسمه الشافي، وما أثير من قضايا في القرن العشرين حول أهمية بعض أركان الإسلام.. كالزكاة مثلًا كان حديثه فيضًا.. واستطاع أن يبرز أثر الزكاة في المجتمع فيما لو التزم المسلمون هذا الركن.. وقاموا بأدائه كما يتطلبه الإسلام.. ولانتهت الصور المحزنة التي تلف المسلمين بسبب تعطيلهم هذا الركن المهم.
وتطرق إلى المرأة.. وما عانت.. من دعوات لتحريرها وما يراد من هذه الدعوات كما أنه سجل رأي الإسلام في المرأة.. وما أعطاها من الحقوق وحملها من الواجبات وقد كان صريحًا وهو يناقش قضية المرأة.. وقال بأن «قاسم أمين» عندما نادى بفكرته.. كان ينادي بإزاحة الحجاب عن الوجه.. ولم يكن ينادي بأن تخرج المرأة إلى الشارع سافرة حاسرة، كما هي صورة اليوم. ومع هذا لاقي «قاسم امين» معارضة شديدة لدعوته.
وتحدث أيضًا عن عالم البناء والهدم.. فالمربون الذين يحرصون على تنشئة أجيال مؤمنة.. تقوم مؤسسات أخرى بهدم ما تبني بعض المؤسسات التي تهتم بتربية الأجيال!
وجاء في خاتمة محاضرته ليشيع جو التفاؤل والأمل.. فقد مل الناس ترديد الزفرات والتحسر.. وجاء دور العمل والبناء.. وذكر الحضور بأن للتاريخ دورات حضارية.. تتكرر.. فمنذ القديم كان العالم العربي مهد الحضارات ثم انتقل إلى أوروبا ثم عاد أيام الحضارة الإسلامية الزاهية.. ثم عاد إلى أوروبا بعد أن أناخ بكلكله على المسلمين.. والدور الآن لنا لا علينا.. ثم شكر الحاضرين، وتمنى لهم مستقبلًا حميدًا في ظل العقيدة العالمية السمحة.. دين الله الخالد.
دعوة!
کشفت محاضرة الدكتور القرضاوي من خلال جمهورها عن المعدن الأصيل للإخوة في البحرين. كما دلت على صدق النية. بدليل هذه الجموع التي احتشدت لحضور المحاضرة أو كلمة التوجيه والنصح. وتعلقهم بالضيف الزائر يمطرونه بأسئلتهم، وهو يلتمس لهم الإجابة مشفوعة بالنصيحة.
بعد كل هذا أتوجه إلى وزارة التربية والتعليم في البحرين ووزارة الإعلام بأن تقوم كل وزارة بواجبها نحو الله- عز وجل- ودعوته وأن تستقدم من العلماء العاملين المخلصين من يقدم الزاد الروحي والثقافة الإسلامية الصرفة من كل شائبة إلى أبناء البحرين الأعزاء، وأملنا كبير أن تبادر وزارة التربية باستقدام هؤلاء العلماء. فقد نجحت في دعوتها للشيخ القرضاوي ونتمنى لها النجاح مع غيره.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل