; في «البحر الميت».. «مات» حق العودة!! | مجلة المجتمع

العنوان في «البحر الميت».. «مات» حق العودة!!

الكاتب عاطف الجولاني

تاريخ النشر السبت 25-أكتوبر-2003

مشاهدات 63

نشر في العدد 1574

نشر في الصفحة 22

السبت 25-أكتوبر-2003

  • متسناع: للمرة الأولى في التاريخ يعترف الفلسطينيون علانية بصورة رسمية بدولة «إسرائيل» كدولة للشعب اليهودي ويتنازلون عن حق العودة.

  • تنازلات خطيرة للسُلطة لكنها لم ترض تل أبيب ولا واشنطن.

هل يستحق «اتفاق سويسرا» الذي وقّع مؤخرًا بالأحرف الأولى في منطقة «البحر الميت» بالأردن كل الجلبة التي أحيط بها؟ وهل يساوي ثمن الورق الذي كتب عليه؟ وإذا كانت «أوسلو» سقطت، و«خريطة الطريق» التي لم يجفّ حبرها بعد قد فشلت وذهبت أدراج الرياح، فلماذا تتشبث السُلطة الفلسطينية بوهم المفاوضات مع بقايا اليسار الإسرائيلي الذي لم يعد يملك حولًا ولا قوة، ولماذا تقدّم التنازلات المجّانية في أخطر القضايا المصيرية في مفاوضات تدرك أنها عديمة الجدوى ولا طائل من ورائها؟!.

محاولة بائسة للعودة إلى دائرة الضوء: كان واضحًا للجميع أن اليسار الإسرائيلي المحطم والذي يمر بحالة انهيار، يبحث عن لعب أي دور سياسي يعيده إلى دائرة الضوء والفعل السياسي بعد فترة طويلة من الانطواء في الظل إثر تزايد التوجهات اليمينية للشارع الإسرائيلي والهزائم المذلة التي مني بها حزب العمل وحركة ميرتس في الانتخابات الأخيرة.

والمفاوضات التي دارت رحاها على مدار أكثر من عام في لندن وجنيف والكيان الصهيوني وأخيرا في الأردن، وقادت إلى التوصل لما عُرف بـــ «اتفاق سويسرا» أو «اتفاق جنيف»، شكلت فرصة لليسار المهزوم لاستعادة بعض البريق الإعلامي والحضور في واجهة الأحداث السياسية.

السُلطة الفلسطينية هي الأخرى التي تهاوت مكانتها في الشارع الفلسطيني وظهرت أمامه بلا برنامج سياسي بعد سقوط أوسلو وخريطة الطريق، كانت بحاجة للتعلق بأي تحرك سياسي يتيح لها بعض هوامش الحضور والمناورة السياسية، ويقطع الطريق على انفراد برنامج المقاومة في الساحة بعد أن بانت تنحاز له الغالبية الساحقة من قطاعات الشعب الفلسطيني.

هذا الهدف كان حاضرًا كذلك في اهتمامات الاتحاد الأوروبي وأطراف عربية لعبت دورًا في رعاية المفاوضات وقدمت التسهيلات التي تكفل نجاحها في الوصول إلى تفاهمات إزاء القضايا المطروحة للنقاش. فالجانبان كانا يعتقدان أن الفراغ السياسي الناجم عن سقوط أوسلو والذي حاولت خريطة الطريق أن تملأه قبل إجهاضها، سيتيح المجال أمام تنامي ما تعتبرانه توجهات راديكالية متطرفة تسعى لفرض رؤيتها السياسية على المنطقة.

  • يهودا ليطاني: حلم العودة مغروس عميقًا في قلوب ملايين اللاجئين الفلسطينيين ولا يمكن محوه أو طمسه بممحاة اتفاق كهذا.

تنازلات مجانية:

ورغم فرصه الضئيلة وشبه المعدومة بالنجاح، فإن خطورة «تفاق سويسرا» تنبع من التنازلات غير المسبوقة التي قدمها مفاوضو السُلطة للصهاينة خاصة في قضية حق عودة اللاجئين الفلسطينيين في الشتات، وأهم تفاصيل الاتفاق التي توافرت حتى الآن من المصادر الإسرائيلية التي انفردت حتى الآن بنشرها، تتلخص في النقاط التالية.

الانسحاب وحدود الدولة:

تقام الدولة الفلسطينية في مناطق ١٩٦٧ وتضمن حدودها قوة حماية دولية متعددة الجنسيات ترابط في مناطق مختلفة على طول نقاط الاتصال بين الدولة و«إسرائيل» وكذلك في معابر الحدود الفلسطينية ويكون من حق «إسرائيل» نصب محطتي إنذار مبكر في الضفة الغربية. كما تكون السيادة الجوية فوق الدولة الفلسطينية الموعودة للجانب الإسرائيلي، ويمكن لسلاح الجو الإسرائيلي أن يستخدم المجال الجوي الفلسطيني لأغراض التدريب.

ومن أجل قيام الدولة الفلسطينية تنسحب «إسرائيل» من كامل قطاع غزة ومن نحو 97,5% من أراضي الضفة الغربية «بدون القدس» على أن يتم مبادلة الـ 2,5% المقتطعة والتي تضم غوش عصيون ومنطقة اللطرون والمستوطنات والأحياء في «غلاف القدس» بما فيها مستوطنات جيلو ومعاليه أدوميم، بمناطق مساوية في النقب الغربي المصنف حاليًا ضمن الأراضي المحتلة عام ١٩٤٨، وفي منطقة غور الأردن يتم ضمان ترتيبات دفاعية لـ «إسرائيل» على حدود الأردن.

الأمن:

تكون الدولة الفلسطينية مجردة من السلاح، وتفرض قيود على نوع وحجم السلاح الذي يسمح به للقوات الفلسطينية، ويحظر إنتاج السلاح في نطاق الدولة، ولا يجوز لأي شخص أو منظمة حيازة أو حمل السلاح باستثناء القوات الفلسطينية المكلفة بحفظ الأمن. وهو ما يعني نزع سلاح حركات المقاومة التي تعتبرها «إسرائيل» حركات إرهابية. كما يقوم الجانبان الفلسطيني والإسرائيلي بسَن قوانين تمنع التحريض والإرهاب والعنف من أي نوع كان.

القدس: تكون القدس عاصمة «دولة إسرائيل»، ويتم تقسيم ما يسمى بالبلدة القديمة منها بحيث تكون الأحياء العربية تحت سيادة فلسطينية، والأحياء اليهودية تتبع لـ «إسرائيل».

أما «الحرم القدسي» فيكون ضمن منطقة السيادة الفلسطينية ويكون مفتوحًا للجميع بمن فيهم اليهود، والمسؤولية الأمنية فيه تحال إلى لجنة رقابة دولية يتفق عليها الطرفان ويخضع حائط البراق الذي يسميه اليهود «حائط المبكى» وكذلك ساحة هذا الحائط للسيادة الإسرائيلية والسيادة على بوابات البلدة القديمة يتم توزيعها على النحو التالي: بوابات العمود والساهرة والأسباط تكون ضمن المسؤولية الفلسطينية، في حين يكون باب النبي داود «u» وباب المغاربة تحت السيادة الإسرائيلية ويعبر منهما الإسرائيليون إلى البلدة القديمة أما باب الخليل الذي يؤدي إلى حائط البراق فيحظى بمكانة خاصة، بحيث تكون السيادة عليه فلسطينية ولكن الإشراف عليه يكون دوليًا.

اللاجئون:

يوسع اللاجئين أن يختاروا واحدًا من بين خمسة حلول دائمة: التوطين في الدول التي تستضيفهم كالأردن ولبنان، أو الهجرة إلى الدولة الفلسطينية، أو التوطن في الأرض التي ستنقل إلى الفلسطينيين في النقب، أو الهجرة إلى دولة ثالثة توافق على استيعاب لاجئين، أو الهجرة إلى الأراضي الإسرائيلية ضمن صيغة ما يسمى بـ «لمّ الشمل» ويكون ذلك خاضعًا لموافقة «إسرائيل» التي ستكون هي الوحيدة التي تقرر ما يتعلق بشأن استيعاب عدد من اللاجئين في أراضيها قد يصل في أحسن الأحوال إلى نحو ٣٠ ألف لاجئ ويؤدي هذا الاتفاق إلى نهاية تامة لمشكلة اللاجئين، ولا يحق للفلسطينيين أن يطرحوا أي مطلب إضافي عما وَرَد في الاتفاق، ولم يتطرق الاتفاق إلى ذكر تعبير «حق العودة» من قريب أو بعيد.

تطبيق الاتفاق:

تستكمل المرحلة الأولى خلال 9 شهور، والمرحلة الثانية خلال ۲۱ شهرًا، والثالثة خلال ۳۰ شهرًا من يوم توقيع الاتفاق، ومع نهايته تسحب «إسرائيل» كل قواتها العسكرية والأمنية بما فيها المعدات العسكرية من كل أراضي الضفة الغربية المندرجة في الاتفاق.

وقد أبدى المفاوضون الإسرائيليون دهشتهم من حجم التنازلات التي قدمها وفد السُلطة الفلسطينية -برئاسة الوزير في السُلطة ياسر عبد ربه- في قضية حق العودة التي شكلت عبر السنوات الماضية الملف التفاوضي الأعقد. وبالتالي كان يتم ترحيله بصورة مستمرة إلى فترات لاحقة كيلا يفجّر المفاوضات.

  • الاتفاق بين السُلطة وحزب العمل الصهيوني يتحدث عن دولة منزوعة السلاح مجالها الجوي ضمن السيادة الإسرائيلية ويقسّم السيادة في القدس بين الجانبين.

رئيس الوفد الصهيوني في المفاوضات هو رئيس حزب العمل السابق ومنافس شارون في الانتخابات الماضية عمران متسناع، وقد استعرض التنازلات التي حصل عليها الإسرائيليون من الوفد الفلسطيني الذي بدأ مغرقًا في التفريط بحقوق الشعب الفلسطيني، وقال متسناع إنه «للمرة الأولى في التاريخ يعترف الفلسطينيون علانية وبصورة رسمية بدولة إسرائيل كدولة للشعب اليهودي إلى الأبد، هم تنازلوا عن حق العودة لدولة «إسرائيل» وتم ضمان وجود أغلبية يهودية راسخة، وحائط المبكى والحي اليهودي وقلعة داود ستبقى بأيدينا، والطوق الخانق الذي فرض حول القدس أزيل، وستكون كل المستوطنات المحيطة بها: جفعات زئيف ومعاليه أدوميم وجمعون القديمة والجديدة وغوش عصيون والنبي يعقوب ويسغت زئيف والتلة الفرنسية وراموت وجيلو وأرمون هنتسيف، كلها ستكون جزءًا من المدينة الموسعة إلى الأبد، ولن يضطر أحد من هذه التجمعات إلى الرحيل عن بيته». وحتى بخصوص العدد الضئيل من اللاجئين الذي نَص الاتفاق على أن «إسرائيل» قد توافق على عودتهم داخل حدود الأراضي المحتلة عام ١٩٤٨ وعددهم في الحد الأقصى ٣٠ ألفًا، قال متسناع إن العدد «يمكن أن يكون صِفرًا»، لأن «إسرائيل» ستكون وحدها صاحبة القرار في الموافقة على استيعابهم»!!.

صحيفة معاريف التي أذهلتها تنازلات الوفد الفلسطيني قالت إنه «لأول مرة وافق مندوبون فلسطينيون رسميون على التنازل عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى إسرائيل السيادية»، وأضافت: «لم يتم في الاتفاق الاعتراف بأي حق عودة للاجئين فلسطينيين، ولا بأي مسؤولية إسرائيلية عن مشكلتهم وعن نكبتهم عام ١٩٤٨»، وقال محلل سياسي في الصحيفة: «هنا اكتشفنا في جنيف أنه توجد في أوساط الفلسطينيين أطراف سليمة العقل، مستعدة للتنازل عن حق العودة والاعتراف بدولة يهودية في هذه المساحة»!!. 

محلل سياسي: هنا اكتشفنا في جنيف أنه توجد في أوساط الفلسطينيين أطراف سليمة العقل... مستعدة للتنازل عن حق العودة والاعتراف بدولة يهودية في هذه المساحة!!.

الإدارة الأمريكية تحفظت على الاتفاق الذي رعاه الأوروبيون وأعلنت تمسكها بــ «خريطة الطريق» واليمين الإسرائيلي هاجم اليسار بشدة.

الطريق ليس سالكًا:

المفاوضون الفلسطينيون والإسرائيليون اختاروا في منطقة البحر الميت عند توقيعهم الاتفاق بصورته المبدئية، أن يتم التوقيع عليه بصورة رسمية احتفالية في ذكرى اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين في الرابع من نوفمبر القادم. لكن ثمة عقبات مهمة تعترض طريق الاتفاق في الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي قد تفقده قيمته وتجعله عديم الجدوى.

فعلى الجانب الفلسطيني لا يملك أحد إلزام الشعب الفلسطيني القبول بما وافق عليه مفاوضون لم يخولوا صلاحية التنازل عن حقوق الشعب الفلسطيني؟ والمفاوضون الفلسطينيون قبل غيرهم يدركون رفض كل الشعب الفلسطيني لاتفاق يشطب حق العودة إلى أرضهم ووطنهم، ويدركون أنهم يلعبون في الوقت الضائع.

بل إن الإسرائيليين أنفسهم يدركون أن توقيع مئة اتفاق مع وفود السُلطة لن تنجح في شطب حق العودة. المحلل السياسي الإسرائيلي يهودا ليطاني قال: إن «حلم العودة إلى مسقط رأسهم مغروس عميقًا في قلوب ملايين اللاجئين الفلسطينيين، ولا يمكن محوه أو طمسه بممحاة اتفاق كهذا أو آخر. وليكن موقعوه من كانوا. فما زالت الطريق طويلة للتنازل الحقيقي من الفلسطينيين عن حق العودة، وربما يكون اتفاق جنيف فقط إحدى المحطات في هذا السبيل المرهق والمعوج».

على الجانب الإسرائيلي يواجه الاتفاق أيضًا عقبات كأداء رغم ما حققه من إنجازات للإسرائيليين فقد أعلن 59% من الإسرائيليين معارضتهم للاتفاق مقابل 39% فقط أعلنوا تأييده. أما اليمين الإسرائيلي فقد شنّ هجومًا لاذعًا ضد عمران متسناع ويوسي بيلين وأبراهام بورج الذين وقفوا وراء الاتفاق.

آرئيل شارون قال: إن الاتفاق. «لا يعد إلا بأمل عابث» فيما سخر وزير خارجيته سيلفان شالوم من رموز اليسار الإسرائيلي الذين وصفهم بـ «عصبة الحالمين».

أما الوزير في حكومة شارون عوزي لنداو فقال متهكمًا: «لا أتمكن من الفهم من أين لبيلين ورفاقه الذين طيّرهم الجمهور من السُلطة مرتين، الوقاحة للعمل من خلف ظهر الحكومة في وقت الحرب.. أنا لا أقترح أن يقوموا بطعن البطون مثلما يفعل الوزراء اليابانيون الفاشلون، لكن على الأقل أن يخجلوا وألا يظهروا وجوههم في ضوء الشمس».

وحتى في أوساط حزب العمل الذي ينتمي إليه المفاوضون الإسرائيليون، صدرت انتقادات من البعض كان أشدها ما صدر عن رئيس الوزراء السابق إيهود باراك الذي وصف الاتفاق بأنه «غير مسؤول ويضر بدولة إسرائيل». وقال باراك إن الاتفاق والمفاوضات التي سبقته لم تتم مناقشتها في أي مؤسسة من مؤسسات حزب العمل، مؤكدًا أنه لو تمت مناقشة وثيقة الاتفاق في كتلة الحزب وفي المكتب السياسي أو في مركز الحزب لكانت رفضت.

وأبدى شمعون بيريس هو الآخر تحفظه على الاتفاق وقال: إن الحزب لن يتبنى أو يؤيد بشكل رسمي التفاهمات في اتفاق جنيف، لكنه قال: إن «كل وضع يتنازل فيه الفلسطينيون عن حق العودة ويعترفون بحق إسرائيل كدولة يهودية، هو أمر إيجابي». ومع أن زعيم حركة ميرتس اليسارية السابق يوسي ساريد أيّد «اتفاق جنيف»، إلا أنه رأى فيه تعبيرًا عن حالة يأس، وعلى حدّ قوله «فإن الفراغ هو فراغ يأس عندنا وعندهم».

الإدارة الأمريكية هي الأخرى أبدت تحفظها إزاء اتفاق جنيف الذي رعاه الأوروبيون، وأعلنت أنها ما تزال متمسكة بخطة «خريطة الطريق» وأن «اتفاق جنيف» لا يلزمها. وقال الناطق بلسان وزارة الخارجية الأمريكية ريتشارد باوتشر إن الاتفاق «جهد خاص وليس خطة كنا نحن جزءًا منها» معتبرًا أن الطريق الصحيح لحل المشكلة بين الإسرائيليين والفلسطينيين هو «خريطة الطريق». 

العقبات التي يواجهها «تفاق جنيف» على الأصعدة المختلفة دفعت صحيفة يديعوت الإسرائيلية إلى طرح التساؤل: «ترى هل ستؤول هذه الوثيقة إلى مقبرة التاريخ في الشرق الأوسط»؟

والإجابة المرجحة هي: نعم، فلم يعد بإمكان حفنة مفاوضين فلسطينيين يائسين أن يمرروا على الشعب الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية مزيدًا من التنازلات والاتفاقات الهزيلة التي تعبّر عن هزيمتهم فالواقع بعد انتفاضة الأقصى وما أفرزته من مقاومة بطولية. يختلف تمامًا عن الواقع الذي صال فيه مفاوضو السُلطة وجالوا في توقيع اتفاقات «أوسلو» و«طابا» و«واي ريفر».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 13

238

الثلاثاء 09-يونيو-1970

ذكرى حزيران.. النصر الذي ننتظره

نشر في العدد 14

116

الثلاثاء 16-يونيو-1970

كونوا مسلمين!