العنوان في البيت.. يتكون القارئ الجيد
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 28-أبريل-2007
مشاهدات 57
نشر في العدد 1749
نشر في الصفحة 60
السبت 28-أبريل-2007
يقول «ويل ديورانت» في كتابه «قصة الحضارة»: «كان عند بعض الأمراء -كالصاحب بن عباد- من الكتب بقدر ما في دور الكتب الأوروبية مجتمعة!!
وتؤكد المستشرقة الألمانية «زيغريد هونكة» في كتابها «شمس العرب تسطع على الغرب» الحقيقة ذاتها، إذ تقول: «إن متوسط ما كانت تحويه مكتبة خاصة العربي في القرن العاشر كان أكثر مما تحويه كل مكتبات الغرب مجتمعة»!!
نستنتج من ذلك أن اهتمام آبائنا وأجدادنا من المسلمين والعرب بالكتاب كان اهتمامًا كبيرًا، على عكس واقعنا المرير الآن، حيث أشارت إحدى الدراسات إلى أن متوسط ساعات القراءة في إحدى الدول الأوروبية وصلت إلى ۲۰۰ ساعة سنويًا، في حين انخفضت إلى ٦ دقائق لدى الفرد العربي!! وهذه النتيجة تؤكد معاناة العرب ومآسيهم إزاء الكتاب، كما تؤكد عزوفًا لديهم عن القراءة وتعكس مشكلة كبيرة جديرة بالاهتمام، وذلك لما للقراءة من أهمية في حياة الفرد والمجتمع.
يقول الكاتب العربي الكبير عباس محمود العقاد عن أهمية القراءة: «لست أهوى القراءة لأكتب، ولا أهوى القراءة لأزداد عمرًا في تقدير الحساب، وإنما أهوى القراءة لأن عندي حياة واحدة في هذه الدنيا، وحياة واحدة لا تكفيني، ولا تحرك ما في ضميري من بواعث الحركة والقراءة -دون غيرها- هي التي تعطي أكثر من حياة في مدى عمر الإنسان الواحد لأنها تزيد هذه الحياة من ناحية العمق، وإن كانت لا تطيلها بمقدار الحساب... أنت كفرد تملك فكرة واحدة، وشعورًا واحدًا، وخيالًا واحدًا، ولكنك إذا لاقيت بفكرتك فكرة أخرى ولاقيت بشعورك شعورًا آخر، أو لاقيت بخيالك خيال فرد آخر، فليس قصارى الأمر أن تصبح الفكرة فكرتين والشعور شعورين والخيال خيالين -لا- وإنما تصبح الفكرة بهذا التمازج والتلاقي مئات الفكر في القوة والعمق والامتداد».
للقراءة -إذًا- دور مهم في حياة الصغار والكبار على السواء، إذ تغرس فيهم القيم وتنمي شخصياتهم، وتوسع مداركهم، وتصقل خبراتهم وتشبع ميولهم، وتوثق الصلة، وتثري حياة القارئ وتشبع حاجاته النفسية المتعددة حاجته إلى المعرفة والاطلاع وحاجته إلى الحب، وحاجته إلى تحقيق الذات، وحاجته إلى الأمن والطمأنينة، بل ترفد حياته بحياة أخرى، وتضيف إلى عمره عمرًا جديدًا!!
وتسهم جهات ومؤسسات متعددة في تكوين الطفل القارئ من أهمها البيت والمدرسة والمكتبات بما فيها من كتب وقصص وأجهزة الإعلام.... وغيرها، بيد أن البيت يأتي في صدارة هذه المؤسسات من حيث التأثير والأهمية، إذ ينشأ الطفل أول ما ينشأ في البيت بالإضافة إلى أهميته الآن في التعاون مع المدرسة ومتابعة الطفل دراسيًا وقرآنيًا، كما أن الفترة العمرية التي يقضيها الطفل في البيت قبل دخوله المدرسة تتميز بطفرة في حب استطلاعه للأشياء وشوقه إلى المعرفة فتكثر أسئلته التي يريد إجابات عنها، فإذا ما وجهته الأسرة نحو القصة. حتى إن كانت مصورة قبل تعلمه القراءة. نشأ محبًا للقراءة مدركًا لأهميتها ونضعها، مشبعًا لرغبته في المعرفة والاستطلاع من خلال القراءة، مكتسبًا لسلوك القراءة منذ صغره، محبًا لها وللكتاب.
فقلب الطفل -كما عبر عنه سيدنا علي -كرم الله وجهه- كالأرض الخالية ما أُلقي فيه من شيء قبلته، فالطفل. كما يرى المربون صفحة بيضاء، كلما نقش فيها لون تلونت تلك الصفحة بذلك اللون، هذا بالإضافة إلى أن تقبل الطفل أكثر وأسرع من تقبل غيره.
إن المسؤولية الكبرى -في تعليم الطفل القراءة وتحبيبها إلى نفسه- تقع على عاتق الأسرة، وفيما يلي بعض الوسائل والوصايا العملية التي إذا اتبعتها الأسرة تمكنت من جعل طفلها قارئًا جيدًا، محبًا لتحصيل العلم، راغب بشكل ذاتي في الدراسة والتفوق والإبداع.
وصايا عملية لتكوين الطفل القارئ
1. تشجيع الأولاد على تحصيل العلم من مختلف مصادره، وتوفير الإمكانات اللازمة لذلك.
2. تشجيع الأولاد على الاشتراك في المسابقات الثقافية التي تعقدها المساجد أو المؤسسات الثقافية والتربوية الأخرى.
3. إجراء حوار هادئ مع الطفل، لإقناعه بأهمية القراءة في حياته، وإيجاد رغبة ذاتية داخلية لديه نحو القراءة، وهذا ما يسميه علماء النفس، إيجاد دافع داخلي.. ويمكن ذلك بوسائل متعددة منها:
أ. إبراز اهتمام الإسلام بالقراءة، كأن نشير إلى أن أول سورة، بل أول آية، بل أول كلمة من القرآن الكريم أنزلت على نبينا ﷺ هي اقرأ وهي نصيحة ربانية، فإذا كانت النصيحة من رب العالمين لأحب خلقه إليه فهي نصيحة ذهبية فيها الخير الكثير.
ب. الإشارة إلى من حققوا نجاحات كبيرة في حياتهم نتيجة القراءة والتفوق، حتى يتأسى الطفل بهم.
4. حرص الآباء والكبار على تحقيق القدوة في السلوك القرائي، حيث تشير الدراسات العلمية إلى أن الطفل الذي تتفتح عيناه على أبوين يقرآن غالبًا ينشأ محبًا للقراءة، لأنه شغوف بمحاكاة أبويه، وهذا على العكس من طفل ينشأ بين أبوين بينهما وبين القراءة خصومة دائمة.
5. استخدام الترغيب والثواب لتحفيز الطفل على القراءة بدلًا من إكراهه على ممارستها دون إقناع، وذلك لأن الإكراه والتهديد والعقاب يولد لدى الطفل إحساسًا بعدائه للقراءة وشعورًا بأنها كالدواء المر.
6. تكوين مكتبة الأسرة داخل البيت والحرص على تزويدها بقصص الأطفال المشوقة، ذات الألوان الجذابة الجميلة، فذلك مما يوجد علاقة صداقة بين الطفل وبين الكتاب منذ نعومة أظفاره.
7. تخصيص رف أو جزء معين من المكتبة للطفل، يضع فيه قصصه وكتبه، فذلك مما يشبع حاجة الطفل إلى التملك والاستقلالية مما يؤدي به إلى حبه للكتب والقراءة، لأنها تشبع لديه الحاجة إلى التملك والاستقلالية.
8. اصطحاب الأطفال إلى معارض الكتب فذلك يجعلهم يعيشون مناخ الثقافة والقراءة والاطلاع، فتصطبغ شخصياتهم بحب القراءة والعلم، كما أن هذه المعارض، بما فيها من وسائل ترفيهية. تحبب إلى نفس الطفل أجواء الكتب والقراءة.
9. اصطحاب الآباء لأطفالهم في رحلات منظمة دورية. وإن مرة كل شهر إلى المكتبات العامة، على أن يسجل كل طفل ثمرة قراءته في كراسة خاصة بذلك، ثم تعقد جلسة في البيت فور هذه الرحلة، ليعرض الطفل ثمرة قراءته تناقش، ويشجع على ذلك ويكافأ.
10. سعي الآباء للتغلب على كل المعوقات التي تحول بين الطفل والقراءة الفعالة مثل العيوب السمعية والبصرية، وضعف الصحة العامة، واضطراب الغدد، والأنيميا، والمعوقات بالمدرسة... إلخ.
إنه لمن المؤسف فعلًا أن أمة اقرأ لا تقرأ، ولا يخفى ما لذلك من آثار سلبية على حياة الأفراد والأمم فقد سئل فولتير مرة من يقود الأمم؟ فقال، الذين يقرؤون ويكتبون، ولم يقل الذين يعرفون القراءة والكتابة. ونحن قد عرفنا القراءة أي تعلمنا القراءة ولكننا لا نمارسها ويكفي أن نعرف أن ما تتم ترجمته من عدة لغات إلى اللغة الإسبانية فقط إنما هو أضعاف ما تتم ترجمته في الوطن العربي بكامله، ويصدر لديهم من الكتب أضعاف ما يصدر لدينا.
إنك عندما تكون في بلد أوروبي مثلا تجد الناس يتعاملون مع الكتب تعاملهم مع الطعام والشراب، فالقراءة لديهم ضرورة من ضرورات الحياة، تمامًا كالطعام والشراب، لذا فإنك تشاهدهم يقرؤون في وسائل المواصلات وفي أثناء انتظارهم لوسائل المواصلات، وفي كل مكان.. وكأن القراءة هي مصدر انتعاشهم وحيويتهم.
أما لدينا.. فإن كثيرًا من الناس إذا رغب في النوم فجافاه... أمسك بصحيفة أو كتاب ليتخذه وسيلة للنوم، فتجده لا تمر عليه دقائق معدودات إلا وقد استغرق في نوم طويل عميق بفعل القراءة في الصحيفة أو الكتاب!
لقد تراجعت طباعة الكتاب الورقي في عالمنا العربي فهي لا تتجاوز «۲۹» تسعة وعشرين عنوانًا لكل مليون نسمة، مقارنة ب « ٧٢٦» ستة وعشرين وسبعمائة عنوان في البلاد المتقدمة، وحتى قراءة الصحف والمجلات وجميع الوسائل الورقية انخفضت، إذ إن حصة الفرد من استهلاك هذه المطبوعات في البلاد العربية لم تتجاوز نصف كيلو جرام للفرد سنويًا، في حين تصل هذه الحصة إلى خمسة كيلوغرامات للفرد في البلدان المتقدمة!!
إن هذه الحقائق التي تؤكد تأخر أطفالنا في القراءة وعزوفهم عنها تدفعنا دفعًا إلى الاهتمام بهذه القضية، ويجب أن تعالج المشكلة وفق منظومة تتعاون فيها كل المؤسسات والجهات المعنية بهذا الأمر، وعلى رأسها البيت، وذلك لما له من أهمية كبيرة في هذا الشأن.
لقد أشار «ميخائيل ميقار لادو» في مجلة «فوكس أون هيلث» في أحد أعدادها تحت عنوان «كيف تربط أبناءك بالكتابة؟» فيه إلى أن تعليم الأطفال القراءة يبدأ من بلوغ الطفل سن ستة أشهر وهذا تطور في تعليم الأطفال القراءة، حيث كان التربويون سابقًا يحددون سن تعلم القراءة ببلوغ الطفل مرحلة التقاط الأشياء في عمر ١٨ شهرًا، ومن هنا أريد أن أصحح مفهومًا شاع خطأ بين كثير من الآباء، بل والمربين أيضًا، حيث يعتقد كثير منهم أن المدرسة وحدها هي التي يناط بها تعليم الطفل القراءة ومن ثم علينا أن ننتظر حتى يلتحق الطفل بالمدرسة فنعلمه القراءة!!
وفي هذا الصدد يقول: «جدنس كلبرت» رئيس تحرير مجلة Scholastics parents and child magazine: إذا لم يكن البيت غنيًا ومفعمًا بالقراءة مملوءًا بالكتب، فإن ارتباط الطفل بالقراءة سيكون احتمالًا ضعيفًا، ومن ثم يجب تعويد الأطفال القراءة باكرًا، قبل وقت طويل من التحاقهم بالمدارس...
الهوامش
(1) سمير يونس أطفالنا والقراءة، القاهرة: شركة سفير للدعاية والإعلام.
(۲) سمير يونس وسعد الرشيدي: التدريس العام وتدريس اللغة العربية الكويت: مكتبة الفلاح، ١٩٩٩م.
(3) منتديات البسير للمكتبات وتقنية المعلومات يمكن التوصل إليه عن طريق موقع Google على الإنترنت.
Scholastic's Parents and child magazine. (4)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل