; في التعدد الحضاري والخصوصية الحضارية | مجلة المجتمع

العنوان في التعدد الحضاري والخصوصية الحضارية

الكاتب منير شفيق

تاريخ النشر الثلاثاء 27-يناير-1998

مشاهدات 1

نشر في العدد 1286

نشر في الصفحة 43

الثلاثاء 27-يناير-1998


بقلم: منير شفيق (*)

لنقرأ العبارة الدالية التي تعبر عن رأي يشترك فيه كثيرون تقول: "إن الأهم من ذلك كله ألا تتم أدلجة خطاب العزلة وتكريسه باسم التعددية وحق الاختلاف".

ثمة تحذير من أن يستخدم خطاب العزلة عن الحضارة الغربية شعار "التعددية الحضارية وحق الاختلاف"، ليحول نفسه إلى أيديولوجية ويكرس من خلال هذا وذاك، وبهذا يصبح شعار التعددية الحضارية وحق الاختلاف الحضاري مكرساً للعزلة الحضارية المرذولة والتي لا يقبلها عقل، لأنها تعني حماية التخلف والغرق فيه أكثر فأكثر.

  • أولاً: ثمة فرضية يرددها الكثيرون كلما نوقش إشكال الداعين "للاندماج الحضاري بالحضارة الغربية"، وهي وضعهم مقابل إشكال آخر يدعو أصحابه إلى العزلة عن الحضارة الغربية، فمن أين جاءت هذه الفرضية ولماذا لا يشار إلى الداعين إلى العزلة وتثبت دعواهم بشواهد من عند أنفسهم؟ أم هي فرضية تُغريك لتنقذ الداعين إلى الاندماج، وذلك من خلال التعويم النظري، ولتجعل الذين ينتقدونهم يحملون في طيّاتهم إشكال الدعوة للعزلة الحضارية بالضرورة؟ أي هي فرضية مستنسخة استنساخاً من ضرورة تعويم أحد طرفي المعادلة وتخطئته، وليس من وقائع وأصول تسوغها.

  • ثانياً: هل النقد هنا موجه لدحض شعار "التعددية الحضارية وحق الاختلاف الحضاري" أم موجه لخطاب العزلة الحضارية؟! بل هل يتضمن تأييداً لجوهر الشعار المذكور لكنه ضنين بأن يستخدمه أصحاب الدعوة إلى العزلة أو العكس؟ علماً بأن رد دعوى الداعين إلى العزلة الحضارية يجب أن يقوم على أسس أخرى تشكل أساس دعوتهم وليس على ما يمكن أن يستخدموه من شعار هو ليس لهم من أجل دعم دعواهم، ثم بعد ذلك يمكن أن يرفض هذا الاستخدام.

  • ثالثاً: ليس واضحاً هنا إن كان رفض دعوة العزلة الحضارية يتضمن رفضاً لدعوة الاندماج الحضاري كذلك، ومن ثم هناك دعوة ثالثة مستبطنة، أم هي دعوة للاندماج الحضاري لم يفصح عنها باعتبارها التحصيل الحاصل في حالة تسفيه دعوة العزلة الحضارية وإغراق شعار الخصوصية الحضارية، فالمسألة التي يجب الكشف عنها هي توضيح إشكال الاندماج الحضاري كيف وضمن أي حدود، وهل هو بلا حدود؟ ثم إقامة ذلك على أسس وأركان متينة تسمح بالدفاع عن هذه الدعوة بالإنشاء والإيجاب وليس بالسلب وتخطئة الآخر.

  • نجد أن الداعين إلى الاندماج الحضاري لا يعبؤون كثيراً بإقامة دعوتهم على حجج إيجابية تسوغ هذا الاندماج وتوضح إمكانه ومداه وشروط نجاحه ونتائجه بغض النظر عن وجاهة أو عدم وجاهة دعوى الأطراف الأخرى، فكون رأيي خطأ لا يترتب عليه بالضرورة أن رأيك صواب، لأن من الممكن أن رأيك واقع على خطأ كذلك، وهذا هو المقصود بإقامة دعوتك من خلال الإنشاء والإيجاب وليس السلب وتخطئة الآخر، أي عليك إثبات صواب رأيك أولاً وقبل كل شيء.

  • رابعاً: تشكّل شعار التعددية الحضارية ومراعاة أو احترام الخصوصية الحضارية من واقع عالمي اتجهت فيه الحضارة الغربية لفرض هيمنتها الحضارية على كل العالم بكل وسيلة وسبيل، وأنكرت على الحضارات الأخرى حقها في الوجود باعتبارها قديمة، أو متخلفة، أو غير حداثية، وقد جاء هذا التوجه الاستبدادي في فرض الهيمنة الحضارية جزءاً مكملاً لفرض الهيمنة العسكرية والسياسية والاقتصادية على العالم، أي هو جزء تابع لهذه الهيمنة ونابع منها، بل هو من مكوناتها وشرط لتكريسها وإمدادها بأسباب من القوة والديمومة، وبهذا تكون الحاجة إلى الهيمنة الحضارية جزءاً لا يتجزأ من عملية الهيمنة العسكرية والاقتصادية والسياسية وتكريسها وتأييدها.

  • ومن ثم كان شعار احترام الخصوصية الحضارية واحترام التعددية الحضارية على مستوى العالم جزءاً من عملية رفض الهيمنة العسكرية والسياسية والاقتصادية أي جزءاً من حركة التحرر والاستقلال والانعتاق وتحقيق شراكة عالمية متكافئة.

فالمسألة إذن ليست إما اندماج حضارياً وإما عزلة حضاريةً، إنها في جوهرها إما القبول بهيمنة شاملة والنزول إلى أسفل درك تقرره لك الهيمنةُ وإما نقد الهيمنة ورفضها والدعوة إلى احترام خيارك واستقلالك وإقامة الشراكة العالمية بصورة متكافئة أي شراكة لا تقوم على الاندماج، اندماج المستعبدين في عالم الأسياد، ولا تقوم على العزلة والعداوة والانكماش، وإنما على التفاعل الإيجابي في المستويات المختلفة السياسية والاقتصادية والحضارية بعيداً عن القسر والفرض، ونأياً عن العزلة والرفض، وهذا وذلك لا يتم من غير الإقرار بالتعدد الحضاري واحترام الخصوصية الحضارية، أو قل إن ذلك الإقرار وهذا الاحترام شرط من الشروط الضرورية لتحقيق ذلك.

(*) مفكر فلسطيني.

الرابط المختصر :