العنوان ملف العدد (4): المجتمع (2186)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الجمعة 01-ديسمبر-2023
مشاهدات 71
نشر في العدد 2186
نشر في الصفحة 36
الجمعة 01-ديسمبر-2023
اللوبي الصهيوني العربي.. الذي أسقطت المقاومة عنه القناع!
د. عبد الله فرج الله
كاتب وباحث
أسئلة كثيرة تدور في الأوساط العربية والإسلامية، النخبوية منها والشعبية، ما الذي تغير بعد انعقاد القمة العربية الإسلامية الطارئة والعاجلة جداً، وبالرغم من عجلة انعقادها، جاءت متأخرة عن وجوب انعقادها عدة أسابيع، المهم أنها انعقدت بعد طول انتظار، وقلنا جاء الفرج، واتخذت مجموعة من القرارات، كانت دون المستوى المطلوب بكثير، ودون ما يتعرض له الشعب الفلسطيني في غزة، من جرائم حرب بشعة، فجمعت للأسف سوأتين معاً؛ سوءة التأخير وسوءة النتيجة، وكلتاهما كشفت عورة القمة، وهزالها.
فهل كان سبب هذا الهزال الذي أصاب قمة القوم تهديد «بنيامين نتنياهو»، رئيس حكومة الاحتلال، الموجَّه للقمة قبل انعقادها، حين قال لهم، بكل صراحة ووضوح، وبصيغة الأمر: «المطلوب هو الصمت، فيما يتعلق بالزعماء العرب الذين يقلقون من أجل مستقبلهم ومستقبل الشرق الأوسط، أقول لهم شيئاً واحداً: عليكم الالتزام بالصمت، والوقوف ضد «حماس»، التي جرت وضعاً كارثياً على غزة، وتسببت بالفقر والقتل لأهل غزة، و«حماس» جزء من محور الشر الذي يهدد العالم، ويهدد العالم العربي أيضاً، وأنا متأكد من أن العديد من زعماء الدول العربية يعرفون ذلك».
في الحقيقة، شخصياً لست متأكداً من السبب الذي جعل هذا «النتن ياهو» متأكداً مما ذهب إليه، أن العديد من الزعماء العرب يعرفون ما يعرفه، ويقوله هذا «النتن» عن «حماس»، وأن الرغبة في زوالها والقضاء عليها رغبة مشتركة بينهم.
المشكلة، برأيي، ليست في هذه المعرفة المشتركة، ولا في الرغبة المتبادلة فقط، بل في هذا الخطاب المتعالي، خطاب الآمر الناهي، الذي خاطب فيه الزعماء العرب.
والحقيقة المُرة أن النتيجة كانت متوقعة قبل انعقادها لسببين؛ من التريث في إقرارها أولاً، وتأخير موعد انعقادها ثانياً، فالمكتوب يقرأ من عنوانه، كما يقولون، حتى ذهب بعض المطلعين في تحليلاتهم، إلى أن هذا التأخير الطويل في انعقادها أمر مقصود؛ الغاية منه إعطاء مهلة لدولة الاحتلال في إطالة مدة عدوانها، حتى تنجز مهمتها ضد المقاومة في غزة، حتى أطلق هذا البعض على هذه القمة «قمة المهلة لتنفيذ المهمة».
فعلى الرغم من ضآلة ما تمخضت عنه هذه القمة، فإن هذا الضئيل جداً لم ير النور، ولم تقو سبع وخمسون دولة عربية ومسلمة على تنفيذه، فلم يُكسر الحصار، ولم يوقف الدمار، وبقي معبر رفح العربي الإسلامي المصري الفلسطيني مغلقاً، ولم تدخل المعونات الإنسانية عنوة، كما جاء في نص القرار، ولم يوقف القتل والإجرام ضد المدنيين والعزل.
وكأنها أرادت بهذا الإجرام أن ترد على من حاول أن يرفع سقف مطالباته في هذه القمة، رغم أن السقف بقي على انخفاضه، ولم يلتزم بمضمون الأمر الذي أصدره إليهم بالتزام الصمت، وفي ردها هذا مؤشران؛ الأول أن دولة الاحتلال لا تقيم وزناً للزعماء العرب لا في قمتهم، ولا في قراراتهم، والثاني أن دولة الاحتلال عندها ضوء أخضر من هذا العديد من الزعماء العرب، الذين أشار إليهم في خطابه لهم، للإجهاز على المقاومة، بأي شكل من الأشكال.
المقاومة الفلسطينية في «طوفان الأقصى» الذي كشف عن قدرات كبيرة تمتلكها المقاومة تؤهلها للقيام بأعمال بطولية خارقة، وغير متوقعة، أرعبت العدو الصهيوني، وأتباعه في المنطقة، هذا الرعب أماط اللثام عن «لوبي» صهيوني عربي، متغلغل في كثير من مفاصل أمتنا، من أنظمة، وحكومات، وأجهزة إعلامية وسياسية ودينية.
ففي الوقت الذي ازدحمت فيه شوارع عواصم العالم وميادينه؛ أوروبية وأمريكية وغيرها، بمتظاهرين رافضين لهذا العدوان، مخالفين بذلك توجهات حكوماتهم وقراراتهم، في دعم دولة الاحتلال وتأييدها، تمنع كثير من الأنظمة العربية شعوبها من التعبير عن تضامنهم مع إخوانهم وأهلهم في غزة وتعتقلهم، وهذا في الحقيقة منسجم مع متطلبات «التزموا الصمت»، لا بل أقاموا مهرجاناتهم الراقصة، وكأن الأمر لا يعنيهم من قريب أو بعيد.
كما صدرت عن بعض الأنظمة العربية -الذين يعرفون ما يعرفه «النتن ياهو» عن المقاومة الفلسطينية- تصريحات رسمية تدين بشدة ما قامت به المقاومة في السابع من أكتوبر، بأبشع الألفاظ، معتبرة ما قامت به عملاً إرهابياً همجياً، وفي الوقت نفسه صمتت عن إدانة ما تقوم به دولة الاحتلال ضد المدنيين، من جرائم حرب بشعة!
وبعد ذلك أمرت هذه الأنظمة العربية أبواقها الإعلامية والدينية والسياسية وغيرها، بالخروج من أوكارهم وشن هجومهم الممنهج على المقاومة في غزة، المقاومة «المجرمة» التي تسببت في هذا الدمار والقتل لأهل غزة، وجلبت لهم الموت الزؤام، بسبب جهلها بالدنيا والدين معاً، وغياب فقه الأوليات من حساباتها، وعدم معرفة فقه الجهاد في سبيل الله، ومتطلبات رفع رايته، بدءاً من طاعة ولي الأمر، وانتهاء بامتلاك القوة المكافئة للعدو!
خرجت علينا هذه الأصوات المستنكرة من أوكارها تبكي أطفال غزة، ونساءها، وشيوخها، وتبكي ما حل بها من دمار، بسبب سوء تقدير المقاومة التي لم تراع ظروفها ولا ظروف عدوها، ولم تأخذ بعين الاعتبار مآلات ما أقدمت عليه، وتركوا القاتل المجرم الذي يدك غزة بطائراته ودباباته ومدافعه وبوارجه من الجو والبر والبحر دون لوم أو تنديد.
وحين تريد أن تقف على سبب هذا العداء للمقاومة الفلسطينية، لن تجد عند هذه الأنظمة سبباً مقنعاً تقوله، فقد نأت المقاومة الفلسطينية بنفسها عن ميادين الخصومة مع أشقائها العرب، ولم تتدخل في شؤونهم الداخلية، ولم تتخذ من دولهم ساحات لعملها، واحترمت خصوصيات كل الدول العربية، والتمست الأعذار لهم، وفي الوقت نفسه قدرت لهم أقل ما يبذلونه من جهود مادية أو معنوية، وبعد عدة محاولات منك للفهم، تخرج بنتيجة مفادها، أن هذه المواقف العدائية هي متطلبات ما أقره الصهيوني الآمر الناهي، للأسف، أن «حماس جزء من محور الشر»!
وحتى حين كان يساء لها، من قبل بعض الأنظمة العربية، كانت تلتزم الصمت، وتحاول عبر الحوار الهادف والهادئ أن تصل إلى حلول مناسبة، فلم تكن أي دولة عربية، أو لنقل: أي نظام عربي في تاريخ هذه المقاومة، منذ نشأتها وحتى الساعة، هدفاً وجهت المقاومة سهامها نحوه، بل لم تنتقد صمتهم ولا سكوتهم ولا تراخيهم في نصرة القضية الفلسطينية، بشكل صريح وواضح، احتراماً لهم، وحتى لا تخسر عمقها العربي، وهو العمق الذي تستند إليه في النهاية، مهما كانت حالة الأنظمة الحاكمة فيه، وبالرغم من ذلك وضعتها على قوائمها المصنفة إرهابية، لماذا؟ فقط هذه هي التعليمات الصهيونية «الوقوف ضد حماس»؛ يعني الوقوف ضد المقاومة.
لله در من رأى في «طوفان الأقصى» أنها الكاشفة الفاضحة، ولعلي أختم مقالتي هذه بالقول: إن اختيار هذا الاسم «طوفان الأقصى» لهذه العملية الجريئة والكبيرة، التي قامت بها المقاومة الفلسطينية الباسلة، هو توفيق من الله، فإني أراها طوفاناً عارماً، يأتي على أخضر ويابس البائسين الفاسدين المتخاذلين المهزومين المنافقين المتصهينين المتاجرين في قضايانا المقدسة، لتحرقه وتكشفه وتذروه رياح الحق والحقيقة، رياح المقاومة، رياح الجهاد، رياح الشهداء، رياح دعوات الثكالى واليتامى، رياح الصابرين المرابطين.
المقاومة.. ومشروع تحرير الأمة من الهيمنة الغربية
الإستراتيجية الأمريكية تتصادم مع إرادة المقاومة في التحرُّر وإنهاء الهيمنة الصهيو-أمريكية على المنطقة
«طوفان الأقصى» نقطة تحول في الصراع الإقليمي وإعادة تشكيل النظام الدولي وإنهاء الأحادية القطبية
نحن أمام واقع جديد وهو انتصار مشروع المقاومة التحرُّري وزوال الهيمنة الغربية والمشروع الصهيوني
ناصر حمدادوش
برلماني جزائري سابق
يتساءل الكثير عن سِرِّ هذا الدعم الغربي لـ«إسرائيل»، دون الانتباه إلى ذلك التماهي بين الأساطير الدينية اليهودية والأساطير المسيحية الإنجيلية المسيطرة على الغرب، وعلى رأسه أمريكا، التي تربط سياساتها الخارجية تجاه «إسرائيل» بالعقيدة الدينية، وذلك بربط العودة الثانية للمسيح بقيام الدولة اليهودية، وعاصمتها القدس الموحَّدة.
وقد سبق للكونجرس الأمريكي، يوم 24 أكتوبر 1995م، أن قرَّر بأن القدس هي العاصمة الأبدية والموحَّدة لـ«إسرائيل»، لأنَّها كما يقول: «الوطن الرُّوحي لليهودية».
لقد أصبح واضحاً أن الانتقال بالسياسة الخارجية لأمريكا، مثلاً، من الأبعاد الجيوسياسية إلى الأبعاد الدينية لدعم «إسرائيل» يعود إلى نفوذ اللوبي الإنجيلي المسيحي فيها، الذي يعتقد بوعد الرَّب لليهود بالعودة إلى أرض الميعاد من أجل العودة الثانية للمسيح؛ وهو ما جعل الإدارات الأمريكية تتبنى المفاهيم الدينية المشتركة بين هذه الطائفة الإنجيلية المتطرفة والمنظمات اليهودية الأرثوذكسية، وهو ما يترجم هذا الزواج الأيديولوجي غير الشرعي بين الحركة الإنجيلية والصهيونية الدينية، فأنجب لقيطة مشوَّهة تسمى «الصهيونية المسيحية».
وتضفي الحركة الإنجيلية في أمريكا طابعاً دينياً على أي دعم لـ«إسرائيل»، وتختبئ وراء تفسيرات دينية وفلسفية بشأن هذا الدعم، ومنها ما قاله أحد أبرز المنتمين إليها، وهو القس المسيحي جون هيجي: «إن اليهود سبب وجود المسيحية، وإن اليهودية لا تحتاج للمسيحية لتفسير وجودها، بينما تحتاج المسيحية لليهودية لتفسير وجودها..»، وهو الذي كُلِّف بتدشين السفارة الأمريكية في القدس، وقد قال على منبر «الأيباك»: «لقد استيقظ العملاق النائم للصهيونية المسيحية، فهناك خمسون مليون مسيحي يقفون ويُشِيدون بدولة إسرائيل».
وقد قطعت «الصهيونية المسيحية» (الإدارة الصهيو-أمريكية) شوطاً كبيراً في مسار دمج الكيان الصهيوني في المنطقة، ونقله من مرحلة الاحتلال غير المشروع إلى مرحلة التطبيع المرغوب، عن طريق اتفاقيات السلام، ومشروع «أبراهام».
وقد أصبح جلياً بأن الهدف الحقيقي من وراء ذلك هو تصفية القضية الفلسطينية، والقضاء على حلم المشروع التحرُّري نهائياً، وهو الخطر الوجودي الذي تمثِّله عملية الاستمرار في هذه المتاهة، والانتقال عملياً إلى مرحلة تشكيل تحالف عضوي في المنطقة، بقيادة الكيان الصهيوني ضدَّ مشروع المقاومة والتحرير للأمة من هذا السُّلطان الأجنبي.
فالأهداف الإستراتيجية الأمريكية تتصادم بشكل عنيف مع إرادة المقاومة في التحرُّر، وتهدِّد فعلياً إنهاء الهيمنة الصهيو-أمريكية على المنطقة، وهو ما صعَّد من مؤشرات شراسة هذا الصراع الوجودي بين الإدارة الأمريكية والإرادة المقاوِمة.
نقطة تحول
ولا شك أن معركة «طوفان الأقصى» مثَّلت نقطة تحول تاريخية في هذا الصراع على المستوى الإقليمي والدولي، أعطت دَفعة قوية للتعجيل بإعادة تشكيل النظام الدولي الجديد، وإنهاء الأحادية القطبية، تقاطعاً مع التوجُّه الجامح للصين وروسيا في ذلك.
ومهما اجتهدت الصهيونية المسيحية في إنهاء مشروع التحرُّر الوطني الفلسطيني، عبر الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، مقابل تبني خيار السلام خياراً إستراتيجياً لإنهاء الصراع، الذي كانت ذروة الخيانة والغدر فيه «اتفاقيات أوسلو» عام 1993م، التي أعطت منظمة التحرير سلطة بلا سيادة، وشعباً بلا أرض، بل كانت السلطة الفلسطينية أداة صهيونية في وَأْد أي صوت يهتف بالمقاومة والتحرير، وهي محاولة لاغتيال المشروع التحرُّري، وسجنه تحت السقف الصهيوني.
وفي الوقت الذي كانت فيه «منظمة التحرير» تلميذاً نجيباً، بالوفاء بجميع التزاماتها المخلة، كان العدو الصهيوني يُمعِن في التنصُّل من أي اتفاقيات أو قرارات دولية؛ وهو ما جعل خيار التحرير خياراً مشروعاً في كامل عنفوانه في مواجهة هذا الاحتلال، بعث القضية من تحت الركام، وصرخ بعدالتها في وجه العالم، فاهتز الكون بأسْره عندما نطقت المقاومة بـ«طوفان الأقصى»، وحرَّرت القضية من تعليبها في أزمات إنسانية إلى أبعاد تحرُّرية وطنية ضدَّ هذه الفرعونية الأمريكية المعاصرة.
وقد اعتُبرت معركة «طوفان الأقصى»، يوم 7 أكتوبر 2023م، زلزالاً مدوِّياً في وجه العالم من أجل تصويب البوصلة، وإعادة القضية إلى سُلَّم أولويات العالم، كأهمِّ قضية مؤثرة في هذه التحوُّلات الإستراتيجية.
لقد أدرك الغرب هذه الرسالة العميقة للمقاومة في بعث المشروع التحرُّري، فاتَّجه بكل تلك الآلة التدميرية النازية، بمحاولات انتقامية يائسة لجرِّها إلى الوراء من جديد كمأساة إنسانية، ليمحو تلك الصورة المشرقة لمشروع التحرير الكامل، وينزع هذا الإنجاز الإستراتيجي غير المسبوق عن سياقه، بعدم الربط بين الاحتلال النازي والحق المشروع في مقاومته، وأنه ليس مشروعاً لتحرير فلسطين والقدس والمسجد الأقصى فقط، بل هو مشروع لتحرير الأمة العربية والإسلامية، بل والإنسانية جمعاء من هذه الهيمنة الغربية.
لا يريد هذا الغرب أن يتحمَّل عبء المسؤولية الأخلاقية والقانونية والسياسية لليهود في العالم، كعقدة الذنب التاريخية فيما يزعمونه من المحرقة النازية (الهولوكوست)، فقد حاول التعويض عن ذلك، والتخلُّص منهم كنفايات بشرية بتهجيرهم إلى فلسطين، إلا أن هذا الغرب يُصاب بالصدمة لأي فعل مقاوم يعيدهم إلى المربع الأول بتحرير فلسطين.
ولذلك تتجه السياسة الجهنمية الصهيو-أمريكية في هذه الحرب إلى رفع كُلفتها الإنسانية، وإلهاء العالم بواجبات الدعم الإنساني والإغاثي، التي لا تجيب عن سؤال التحرُّر، ولا عن أي حل سياسي عادل وشامل للقضية الفلسطينية على أساس التحرير والاستقلال والسيادة الكاملة للدولة الفلسطينية، وإنما يمثل عملية اغتيال تاريخي، وسرقة موصوفة لحق الشعب الفلسطيني في التحرير.
وسيُبقون الشعب الفلسطيني في حالة احتياج دائم، ولكن لا يرقى إلى مشروع التحرير، ولا يتطلَّع إلى استحقاق الدولة، لا بالمقاومة المسلحة، ولا حتى بالمسار السياسي السلمي، وهو ما يفسِّر إفلاس مشروع التسوية، وتفكيك السلطة الفلسطينية من بنية الدولة الأساسية، بل تم تحويلها إلى أداة أمنية خَدَمية متطرِّفة لصالح «إسرائيل»، لتكون رأس الحربة في تدمير أي مشروع تحرُّري عبر الاعتراف بها والتنسيق الأمني معها.
إنهاء أوهام التطبيع
فمن النتائج الإستراتيجية لمعركة «طوفان الأقصى» إنهاء أوهام التطبيع، ووقف المسلسل العبثي لمشاريع التسوية، وتعرية سوءات الحلول السياسية أمام الرأي العام الفلسطيني والعربي والعالمي، فانطلقت المسيرات المليونية في كل قارات العالم تهتف بعدالة القضية الفلسطينية، وإدانة هذه السياسات الصهيو-أمريكية النازية، التي تجاوزت كل القوانين الدولية والأعراف الدبلوماسية والقيم الإنسانية.
إن هذه النازية الصهيونية الجديدة لا تتجه في خطابها الإعلامي والسياسي، وفي ممارساتها الفاشية لتصفية «حماس» كتنظيم، أو الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني كحاضنة شعبية للمقاومة، بل هي آلة إرهابية ردعية مروِّعة، تهدف إلى انتزاع فكرة المقاومة والجهاد كمشروعٍ تحرُّري، وهو ما أعلنت عنه إدارة الحرب الصهيو-أمريكية في أحد أهدافها، بالقضاء الوجودي على «حماس» نهائياً.
نحن الآن أمام واقع جديد، لن تعود عقاربُه إلى الوراء أبداً، وهو انتصار مشروع المقاومة التحرُّري، وتعميمه على كافة الساحات، واتحاده في كل الجبهات بعد استنفاد كافة الخيارات، وهو محطة تاريخية، تشكِّل حتماً مرحلة جديدة -أياً كانت التطورات والانزلاقات- وسيكون «طوفانُ الأقصى» هو القدر المحتوم لهذه الهيمنة الغربية والمشروع الصهيوني بحتمية الزوال.
وأنَّ تفوُّقاً في الذَّات المقاوِمة، وأنَّ وعياً بالذَّات التاريخية للأمة، وأنَّ إحساساً باللحظة الفاصلة بأننا أمام فرصة نادرة لاستيقاظ هذا المارد الحضاري الإسلامي، وعودة الأمة كإحدى القوى الفاعلة في عالم متعدد الأقطاب، لإنجاز الاستئناف الحضاري للإسلام من جديد.
انحسار التأييد الغربي للكيان الصهيوني
تحولات بالرأي العام الغربي خاصة الأمريكي في غير صالح «إسرائيل» تتركز في الفئات الشبابية
«الإيكونوميست»: بعد شهر من العدوان على غزة التعاطف الغربي مع «إسرائيل» بدأ يجف
استطلاع أمريكي: 52% يعتقدون أن ما قامت به «حماس» بسبب الظلم الواقع على الفلسطينيين
مصطفى عاشور
مظاهرات مليونية تشهدها عواصم غربية ضد العدوان «الإسرائيلي»، وتغير في المزاج الشبابي المؤيد لـ«إسرائيل»، وتحولات في الشرائح الشبابية في أحزاب غربية ضد «إسرائيل»، وغضب واسع في الفضاء الرقمي لمذابحها في غزة، وانتقادات علنية متصاعدة ضدها في أماكن التجمهر مثل مدرجات الملاعب، مع ارتفاع للعلم الفلسطيني، وكذلك تنديد في أوساط فنية ضد الوحشية الصهيونية في غزة.
فهل نشهد مساراً لتحولات قادمة في الرأي العام الغربي تجاه «إسرائيل»؟ وهل كان العدوان على غزة لحظة كاشفة لحقيقتها ودمويتها في المخيال الغربي، بعدما أزاحت دماء الأبرياء في غزة الغطاء الإنساني عنها لتبدو عارية، ليتكشف للرأي العام أن ما تقوم به إبادة للفلسطينيين وليست حرباً عادلة؟
قد تبدو تحولات الرأي العام في الصراعات الكبرى بطيئة، وربما جامدة، لكنَّ هناك أحداثاً قادرة على إنهاء هذا الجمود، والدفع بالقضايا نحو مسار جديد، والانتقال بالرأي العام من حالة السيولة نحو مسار آخر، وهذا ما أحدثه العدوان «الإسرائيلي» على غزة، فلوحظ تفهم في قطاعات من الرأي العام الغربي خاصة الشباب لحقيقة الصراع، وتفهم دوافع المقاومة الفلسطينية، وإدراك للوجه الاستعماري والعنصري لـ«إسرائيل».
في مقال كتبه المحلل السياسي شبلي تلحمي، في مطلع نوفمبر الماضي، ونشره معهد «brookings»، حول قدرة حرب غزة على تغيير الرأي العام الأمريكي، استند فيه إلى استطلاع للرأي أجراه مركز القضايا الحرجة بجامعة ميريلاند بالتعاون مع شركة إبسوس(1)، حول تحولات الرأي العام الأمريكي بشأن القضية الفلسطينية، وذلك بعد 3 أسابيع من الحرب، وأشار فيه إلى أنه رغم التأييد الرسمي لـ«إسرائيل» من البيت الأبيض ووزارتي الدفاع والخارجية، فإن اتساع نطاق الحرب أتاح ظهور انتقادات لـ«إسرائيل»، وخروج مظاهرات ضدها لمطالبة واشنطن بتغيير سياساتها تجاه الصراع.
وحسب الاستطلاع، فإن 71.9% من الجمهوريين يريدون ألا تميل الولايات المتحدة نحو «إسرائيل»، مقارنة بـ47.3% في يونيو الماضي، وإن 57.4% من الديمقراطيين يريدون ألا تميل واشنطن نحو أي من الجانبين، وهؤلاء من الفئات الشبابية، مقارنة بـ71.4% في يونيو الماضي.
وهو ما أكده موقع «تايم أوف إسرائيل»(2)، من أن استطلاعات الرأي العام تُظهر انخفاضاً في تأييد الرأي العام الأمريكي لـ«إسرائيل» بسبب حرب غزة.
هذا الاستطلاع ينسجم مع استطلاعات أجريت بعد العدوان، ورصدت تحولات في الرأي العام الغربي خاصة الأمريكي في غير صالح «إسرائيل»، وأن هذه التحولات تكاد تتركز في الفئات الشبابية، التي توصف بأنها الأكثر حضوراً في «الميديا» الرقمية ومواقع التواصل، والأكثر استهلاكاً للأخبار من المصادر الجديدة في الفضاء الرقمي.
ففي استطلاع أجرته مجلة «الإيكونوميست» بعد شهر من العدوان على غزة، ذكرت أن التعاطف مع «إسرائيل» قد بدأ يجف، وتركز في المرحلة العمرية الممتدة من 18 - 29 عاماً، ففي تلك الشريحة وُجد أن 25% يتعاطفون أكثر مع «إسرائيل»، و19% مع الفلسطينيين؛ أي أن هناك تقارباً في التعاطف بين الجانبين، وهو أمر في صالح الفلسطينيين، وذلك على خلاف الشريحة العمرية التي تجاوزت 60 عاماً، فوجد أن 62% يتعاطفون مع «إسرائيل»، و3% فقط يتعاطفون مع الفلسطينيين؛ وهو ما يعني أن الفئات الشبابية يتغير وعيها بصورة كبيرة تجاه الابتعاد عن تأييد «إسرائيل» أو التعاطف معها أو حتى تفهم وحشيتها في التعامل مع الفلسطينيين.
وفي استطلاع آخر لجامعة «كوينيبياك» الأمريكية أُجري بعد أسابيع من الحرب، ورغم إظهاره لوجود تأييد من الجمهوريين والديمقراطيين لـ«إسرائيل» وتأييد تقديم الدعم الأمريكي لها، فإن الاستطلاع أشار إلى وجود انقسام كبير بين الأجيال حيال «إسرائيل» والفلسطينيين، فالأجيال الشابة تحت سن 35 عاماً تشهد تحولات في غير صالح «إسرائيل»، فبات الناخبون الشباب أقل تأييداً لـ«إسرائيل» في حربها مقارنة بنظرائهم الأكبر سناً، وحسب الاستطلاع، فإن 51% من هؤلاء، الذين تقل أعمارهم عن 35 عاماً، لا يؤيدون إرسال أسلحة ومعدات عسكرية إلى «إسرائيل» رداً على ما قامت به «حماس».
أما مؤسسة «غالوب»(3) المهتمة بقياس الرأي العام، فوجدت أن معدل تأييد الرئيس الأمريكي «جو بايدن» انخفض بنسبة 11% في أكتوبر الماضي ليصل إلى أدنى نقطة له منذ رئاسته، وأن الانخفاض الحادث كان بين الناخبين الشباب، لكن الأهم هو رصد انقسامات داخل إدارة «بايدن» نفسها، فالموظفون الأصغر سناً كانوا أكثر من رؤسائهم في التعبير العلني عن قلقهم بشأن ما تقوم به «إسرائيل» ضد الفلسطينيين، ولا شك أن هذا يشكل مأزقاً انتخابياً للحزب الديمقراطي الذي يمثله «بايدن»، بعدما طالبت مجموعات من هؤلاء موظفين من الإدارة الأمريكية الضغط على «إسرائيل» لوقف إطلاق النار.
وأشار الاستطلاع إلى أن إظهار «بايدن» الفوري والحاسم لتأييد «إسرائيل» ودعمها أدى إلى نفور البعض في حزبه؛ مما أدى إلى أسوأ تقييم من الديمقراطيين له منذ توليه الرئاسة الأمريكية.
ووفق استطلاع نشرته صحيفة «ديلي ميل»(4) الشهيرة، فإنه رغم أن 40% من المشاركين من الأمريكيين الذين تتراوح أعمارهم ما بين 18 - 29 عاماً لديهم وجهة نظر سلبية تجاه حركة «حماس»، فإن أكثر من النصف لا يوافقون على النظر لـ«حماس» على أنها «داعش»، كما أن 32% لديهم نظرة سلبية تجاه «إسرائيل»، مقابل 24% فقط لديهم وجهة نظر إيجابية، وهذا تحول كبير في الرأي العام الأمريكي، لكن الصحيفة أشارت إلى أن ساحات بعض الجامعات تشهد انقساماً بسبب الحرب مع اشتعال النقاش والخلاف في الرأي حول ما يجري.
وفي استطلاع موسع صدر في 62 صفحة، أجراه مركز الدراسات بجامعة هارفارد الأمريكية(5)، ذكر أن 52% ممن شملهم الاستطلاع يعتقدون أن ما قامت به «حماس» في 7 أكتوبر 2023م يمكن تبريره بسبب الظلم الواقع على الفلسطينيين، وأن 59% يرفضون قطع «إسرائيل» للكهرباء والماء عن غزة بعد هجوم «حماس».
ويذهب بعض المحللين إلى أن الحرب بين «إسرائيل» والفلسطينيين أوجدت انقساماً أمريكياً ليس على أسس حزبية، ولكن على أسس عُمرية؛ وهو ما يعني أن الشباب الأمريكي بات أكثر ابتعاداً عن «إسرائيل» مقارنة بفئات عمرية أخرى، ومقارنة بفترات زمنية سابقة.
وفي تقرير لوكالة «رويترز»(6)، في نهاية أكتوبر الماضي، رصد تصاعد كراهية اليهود بعد العدوان «الإسرائيلي» على غزة، وأكد أن العداء انتقل في بعض المناطق إلى استهداف اليهود، فتعرضت مؤسسات يهودية لاعتداءات، ووصف اليهود بأوصاف مقززة، وأن هذه الفترة تعد الأكثر رعباً لليهود في العالم بسبب حرب «إسرائيل» على غزة، فتعرضت مدارس للإغلاق خوفاً من الاعتداء عليها، حيث يساوي الكثير من الناس بين اليهود و«إسرائيل».
ليبقى التساؤل: هل يخرج الرأي العام من قبضة الصهيونية في الغرب وخاصة في الولايات المتحدة؟ وهل يمكن أن تصبح القضية الفلسطينية قضية انتخابية تطرح الأحزاب برامجها بشأنها على جمهور الناخبين؟
الهوامش
- شركة عالمية متعددة الجنسيات لأبحاث السوق ومقرها في باريس، وتعد ثالث أكبر وكالة أبحاث في العالم.
- https://www.timesofisrael.com/polls-show-lower-support-for-israel-among-young-americans-amid-war-against-hamas/
- https://news.gallup.com/poll/513305/democrats-ratings-biden-slip-overall-approval.aspx?cid=eml_firstread_20231106
- https://www.dailymail.co.uk/news/article-12628875/young-students-millennials-Israel-Hamas-protest.html
- https://harvardharrispoll.com/wp-content/uploads/2023/10/HHP_Oct23_KeyResults.pdf
- https://www.reuters.com/world/open-hatred-jews-surges-globally-inflamed-by-gaza-war-2023-10-31/
أطفال غزة.. جيل صامد رغم محنته النفسية!
دراسات: غالبية الأطفال في غزة تظهر عليهم أعراض اضطراب ما بعد الصدمة!
أكثر من 800 ألف طفل بغزة بحاجة إلى الدعم الصحي والنفسي والاجتماعي
لن ينسى أطفال غزة ولسان حالهم يقول: أيها العالم اللامبالي انتظرونا حينما نكبر!
د. أحمد عيسى
الناظر لجيل أطفال غزة الذي يعاقَب جماعياً، يتساءل: كيف ستكون علاقة من بقي منهم على قيد الحياة بالمجتمع الخارجي حين يصبحون شباباً ورجالاً صناعاً للقرار في مجتمعهم؟ كيف سيخاطبون وينظرون إلى العالم الذي تخلى عنهم وزادهم معاناة وغربة وانعزالاً؟ وكيف سيعاملون عدوهم الذي أذاقهم وأهليهم الويلات؟ هل ستتولد فيهم تحديات البطولة، أم مشاعر الانتقام، أم خور اللامبالاة؟ إن ما يحدث لهم صرخة مدوية لعلها توقظ الضمير العالمي الغافل وتثير شعوره بالعار لسكوته عن جرائم الاحتلال التي لم يسبق لها مثيل.
ماذا يُنتظر من أبرياء صغار وجدوا أجساد آبائهم تتحول إلى تربة البيت بعد هدمه، وتحول نومهم الطفولي إلى كابوس خانق؟! ماذا تنتظر من التي كانت تلقم صدر أمّها الميتة، أو حط على رأسها يد أخيها شلواً ممزقاً يقطر دماً؟!
ماذا كان شعورهم وهم يرون موت أهليهم من الجوع والعطش، وجيرانهم من الحرائق والدخان؟! وماذا تُحدث الآن في عقولهم انفجارات القنابل الهائلة حين قذفت، وزلزلة البيوت والمدارس حين هُدمت؟
تجيب مجلة «فوربس» الأمريكية، فتقول: إن الأطفال يتحملون وطأة الصراع المتصاعد حالياً، مضيفة أن الضرر النفسي المتمثل في الخوف المستمر على حياتهم، ورؤية الدمار الكارثي لمنازلهم وممتلكاتهم، والتشريد المؤقت أو حتى الدائم، والمعاناة من انعدام الأمن الغذائي، لها عواقب طويلة الأجل.
وتقول كاتبة المقال اليهودية: لقد تعرض العديد من هؤلاء الشباب، وما زالوا، لمواقف من الإرهاب والرعب الذي لا يوصف؛ ونتيجة لذلك، ظهرت ثقافة الحرب التي يمكن أن تسبب ضائقة طويلة الأمد وتعطل النمو النفسي والأخلاقي، وهذا بدوره قد يضع الأساس لأجيال من الصراع في المستقبل، إن رؤية العنف من حولهم والظلم أيضاً يجعل الأطفال عرضة للانضمام للجماعات المسلحة؛ مما يديم الحلقة المفرغة(1).
ذكريات الدم
إن التداعيات طويلة المدى لإرهاب الاحتلال المستمر الذي لا يرحم، والصدمة، وإيذاء شباب غزة أمر مريع، وأولئك الذين ينجون سوف يكبرون حزانى، خائفين، غاضبين، منعزلين، شاعرين بالذنب، وباحثين عن الانتقام، أو على الأقل، إذا حكمنا من خلال تجارب الماضي، فإن العديد منهم سيفعلون ذلك، سوف يسألون: من قتل إخوتهم وأخواتهم، وآباءهم، وأصدقاءهم؟ ولماذا فعلوا بهم ذلك؟! وسيسألون: ماذا فعل العالم لوقف القتل؟ وستطاردهم ذكريات الدم والدموع المريرة، وسيطالبون بالعدالة، والبعض، مثل كثيرين من قبل، قد يأخذون زمام الأمور بأيديهم حيثما استطاعوا(2).
لقد ألقت الحرب الراهنة ضد أهل غزة بتداعيات واسعة على شتى مناحي الحياة داخل القطاع المكتظ بالسكان، وستكون لها آثار طويلة الأمد مع هؤلاء الذين عايشوا القصف والدمار لتخلّف في ذاكرتهم مآسي نفسية، قد تستمر طوال الحياة، والأطفال هم الشريحة الأكثر عرضة، في غزة تعرض أي طفل يبلغ من العمر 15 عاماً لـ5 فترات من القصف المكثف المميت في حياته؛ أعوام 2008، 2012، 2014، 2021 والآن 2023م.
أظهرت الدراسات التي أجريت بعد اعتداءات السنوات السابقة أن غالبية الأطفال في غزة تظهر عليهم أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، بعد عملية عام 2012م، وجدت «يونيسف» أن 82% من الأطفال كانوا يخشون الموت الوشيك بشكل مستمر، وقبل الحرب الأخيرة بعامين وبسبب التصعيد العنيف في مايو 2021م، خلفت الحرب أثراً مدمراً على الأطفال وأسرهم، فقد أزهقت الأرواح وتمزقت الأسر، ودمرت المدارس والمرافق الصحية، وسويت المنازل بالأرض، وهجّرت أسر بأكملها، وقبيل تصاعد ذلك العنف كان ثلث أطفال غزة بحاجة بالفعل إلى الدعم في مجال الصدمة المتصلة بالنزاع(3).
وكآثار لحرب عام 2012م، أبلغ 91% من الأطفال عن اضطرابات في النوم أثناء النزاع؛ قال 94%: إنهم ينامون مع والديهم؛ وأبلغ 85% عن تغيرات في الشهية، و82% شعروا بالغضب، و97% شعروا بعدم الأمان، و38% شعروا بالذنب، و47% كانوا يقضمون أظافرهم، وأبلغ 76% عن الحكة أو الشعور بالمرض(4).
غزة مقبرة لآلاف الأطفال
وقبيل هذا الكابوس الأخير في عام 2023م، ارتفع عدد المصابين نفسياً من الأطفال كثيراً، فقد تم تحديد أكثر من 800 ألف طفل في غزة –أي ثلاثة أرباع إجمالي عدد الأطفال في القطاع– على أنهم بحاجة إلى الدعم الصحي النفسي، والدعم النفسي الاجتماعي(5).
وبالإضافة إلى آلاف القتلى، فإن العدد الهائل ممن صدموا نفسياً سيظهر عندما يتوقف القتال، وسيتحمل العالم التكلفة الباهظة للصدمة النفسية على الأطفال ومجتمعاتهم.
وكشف تقرير نشرته «الجارديان» أن الأطفال في غزة باتوا يعانون من أعراض الصدمة الشديدة، بالنظر لمشاهد القتل والدمار التي عايشوها، كانت ذروتها حين نفذ جيش الاحتلال «الإسرائيلي» 300 غارة جوية جنونية على القطاع في يوم واحد، ونقلت الصحيفة عن طبيب نفسي في غزة قوله: إن التأثير النفسي للحرب بدأ يظهر على الأطفال، خاصة ما يتعلق بـ«الصدمات النفسية الشديدة»، التي تشمل أعراضها: الخوف، والعصبية، والتشنجات، والسلوك العدواني، والتبول في الفراش، وعدم ترك والديهم أبداً(6).
الآن تعرض كل طفل في قطاع غزة تقريباً لأحداث وصدمات مؤلمة للغاية، اتسمت بالدمار واسع النطاق، والهجمات المتواصلة، والنزوح، وانعدام الضروريات الأساسية من الغذاء والماء والدواء والكهرباء، وقالت المديرة الإقليمية لـ«يونيسف» في الشرق الأوسط: إن قتل وتشويه الأطفال، والهجمات على المستشفيات والمدارس، ومنع وصول المساعدات الإنسانية؛ تشكل انتهاكات جسيمة لحقوق الأطفال، وأضافت أن الوضع في قطاع غزة يشكل وصمة عار متزايدة على ضميرنا الجماعي، وأن معدل الوفيات والإصابات بين الأطفال صادم(7).
هل رأيت معي في التلفاز صور ومقاطع تفاعل أطفال غزة الذين بقوا على قيد الحياة؟ رغم ما يلاقون مما يفطر قلب المشاهد، لكن وراء دموع هؤلاء الأطفال ثقة وقوة يقين ورضا وثبات وصمود وصبر، رغم أن ما خفي من آثار الحصار والدمار على نفوسهم ومشاعرهم وسلوكهم أعظم من أن يُفهم.
لن ينسى الأطفال ما يحدث، ولسان حالهم يقول: يا أيها العالم اللامبالي، انتظرونا حينما نكبر.
الهوامش
(1) Joshua Cohen, Israel-Hamas war takes a huge toll on children’s mental health, Forbes, 21 October 2023.
(2) Simon Tisdall, What will the children who survive the onslaught of Gaza think of those who let it happen? The Guardian 22 October 2023.
(3) اليونيسف، الأطفال هم من يتحملون أشد وطأة العنف في غزة، 26 مايو 2021.
(4) WHO, Health conditions in the occupied Palestinian territory, 10 May 2013.
(5) اليونيسف، لقد أصبحت غزة مقبرة لآلاف الأطفال، 31 أكتوبر 2023.
(6) Harriet Sherwood, Children in Gaza ‘developing severe trauma’, The Guardian 22 October 2023.
(7) اليونيسف، الأطفال الضحايا في غزة هم «وصمة عار على ضميرنا الجماعي لا تنفك تتزايد»، 24 أكتوبر 2023.
الأسس الدينية لإجرام الجيش الصهيوني في غزة
المناهج المدرسية في «إسرائيل» تربي تلاميذها على العنصرية ونظام «الأبرتايد»!
يهيمن على أفكار المتدينين اليهود أن العرب والمسلمين أشرار يجب التخلص منهم!
خالد محمد علي
يتساءل المسلمون، بل كل أحرار العالم: من أين جاءت تلك القسوة الوحشية في قلوب وأفكار وسلوك أفراد جيش الاحتلال الصهيوني، التي تجردت من أي مشاعر إنسانية، أو قيم ممكن أن يتصف بها إنسان؟! فهم يفتِّتون عظام الأطفال، ويدمرون جماجم النساء والشيوخ والرجال في حالة انتقام هستيرية، وكأنهم يتسابقون إلى تسجيل أبشع أنواع القسوة في التاريخ.. ليس لأنهم يملكون الشجاعة والقوة، ولكن فقط لأنهم يملكون أحدث الأسلحة وأكثرها فتكاً في العالم، كما أنهم يملكون غطاء دولياً غير مسبوق، حيث تتسابق الدول الكبرى وعلى رأسها أمريكا على إظهار الدعم والمشاركة في ذلك العدوان البشع!
إذا تتبعنا الأسباب الحقيقية لقسوة وبشاعة الإجرام الصهيوني في غزة، يمكننا أن نشير إلى مقومات الشخصية اليهودية التي تُبنى على أوهام دينية يروجون أنها مستقاة من التوراة، ولكنها في الحقيقة لا تمت للكتاب المقدس بشيء، وإن كانت تستند إلى تفسيراتهم التلمودية التي صنعوها ليعبدوها، كما صنعوا لهم عجلاً له خوار، وعبدوه، وهم بين يدي نبي الله هارون عليه السلام.
ومن بين تلك المؤثرات الثقافية التي تلقن لتلاميذ المدارس وطلاب الجامعات، والجنود وضباط الجيش «الإسرائيلي»، أنهم يدافعون عن «شعب الله المختار»، وهذا المفهوم يجعلهم فوق رؤوس الجميع، وهم شعب وبقية الأمم لا ترتقي لدرجة الإنسانية، حيث أشار البروفيسور أدير كوهين، في كتابه «وجوه قبيحة في المرآة»، الصادر عام 1985م، إلى وجود أكثر من 1500 كتاب من أدبيات الطفولة اليهودية، بين أيدي الناشئة اليهود، تمثل ذروة الاستعلاء والفوقية اليهودية في مواجهة دونية مغرقة في التحقير لكل من هو عربي ومسلم.
وفي العام 2016م، كشفت صحيفة «هاآرتس» عن أن وزارة التعليم توصي طلاب المدارس «الإسرائيلية» في المرحلة الإعدادية بمطالعة كتب تتضمن «رؤى عنصرية ضد العرب، واستعلائية يهودية»، وفي دراسة للباحثة نوريت بيلد الحنان، أكدت أن الكتب المدرسية في «إسرائيل» تربي تلاميذها على العنصرية ونظام «الأبرتايد»، حيث خلصت الدراسة إلى أن «الأبرتايد الإسرائيلي» ليس فقط قوانين للعنصرية، بل طريقة تفكير ضد العرب.
ووفقاً للتراث الديني الثقافي اليهودي، فإن أرواح اليهود مستمدة من الكيان المقدَّس، في حين جاءت أرواح الأغيار من المحارات الشيطانية والجانب الآخر الشرير.
صفات الأغيار!
ومن صفات الأغيار في التعاليم اليهودية أنهم كاذبون، وأنجاس، ولا يجوز الأكل من طعامهم أو التزاوج منهم، وأن نساءهم عاهرات فاسدات وهن بمنزلة البهيمة، واليهودي لا يخطئ عندما يعتدي على عرض الأجنبي؛ فيزني بامرأة أجنبية، بل إن اليهودي له الحق في اغتصاب النساء الأجنبيات دون أن يكون قد اقترف إثماً أو ذنباً، وكان مؤتمر الدراسات التلمودية الثامن عشر الذي عُقد في القدس عام 1974م، قد أصدر قراراً بمنع الطبيب اليهودي من مساعدة المرأة غير اليهودية على الحمل، وكان على رأس المؤتمر رئيس الوزراء الهالك «إسحاق رابين»؛ وهو ما يعني تطابقاً بين ما هو ديني وتنفيذي في الدولة العبرية.
ومن تأصيلات السلوك العدواني للجيش والحكومة الصهيونية، ما يستندون إليه في أسفارهم، مثل ما جاء في «سفر أشعياء» (61/ 5 - 6): «ويقف الأجانب ويرعون غنمكم ويكون بنو الغريب حراثيكم وكراميكم، أما أنتم فتُدعَون كهنة الرب تُسمَّون خدام إلهنا، تأكلون ثروة الأمم وعلى مجدهم تتأمَّرون»، كما جاء في «سفر ميخا» (4/ 12): «قومي ودوسي يا بنت صهيون لأني أجعل قرنك حديداً وأظلافك أجعلها نحاساً فتسحقين شعوباً كثيرين».
ووفقاً لموسوعة عالم «الإسرائيليات» الأشهر عبدالوهاب المسيري، فإن جميع فئات الشعب «الإسرائيلي» تغذَّى بنظرية الحلول، التي تتبدى في التمييز الحادّ والقاطع بين اليهود كشعب مختار أو كشعب مقدَّس يحل فيه الإله من جهة، والشعوب الأخرى التي تقع خارج دائرة القداسة من جهة أخرى.
ويغذي الحلول نظرية المؤامرة لدى اليهود، حيث يرى اليهودي كل شيء على أنه مؤامرة موجهة ضده؛ وهو ما يرسخ لديه أن كل البشر أشرار مدنَّسون يستحيل الدخول معهم في علاقة، ويصبح من الضروري إقامة أسوار عالية تفصل بين من هم داخل دائرة القداسة ومن هم خارجها.
ضربة نووية!
ووفقاً لهذا المفهوم، يمكن تفسير مطالبة وزير التراث الصهيوني «عميحاي إلياهو» بتنفيذ ضربة نووية في غزة؛ للقضاء عليها تماماً، حيث يهيمن على أفكار المتدينين اليهود أن العرب والمسلمين أشرار يجب التخلص منهم، وهو أيضاً ما يفسر قتل أبناء غزة وهدم البيوت على رؤوسهم، وسحقهم أثناء الهروب في الممرات الآمنة إلى جنوب القطاع، وقتل المرضى في المستشفيات، وسحق الأطفال الرضع الذين هم لا يشكلون أي خطر على الجندي «الإسرائيلي»، ولكن قتلهم واجب لأنهم أغيار وأشرار، والتخلص منهم يضمن لجنود اليهود دخول الجنة.
وفي ظل ارتفاع نسبة المتدينين المتطرفين في «إسرائيل» إلى أكثر من 60%، انعكس ذلك على عدد المجرمين والقتلة منهم داخل الجيش الصهيوني، حيث أصبحوا أغلبية ساحقة تؤمن بإبادة العرب دون أي اعتبار لقوانين دولية أو أخلاقية.
ويتحرك الجيش «الإسرائيلي» لارتكاب جرائمه بشكل مطلق استناداً إلى حكومة يمينية متطرفة تنطلق من تلك الأفكار الخاصة بطهارة اليهودي ونجاسة العربي، وحقه في الحياة والتملك وضرورة إبادة الفلسطيني، وهو ما يطلقون عليه بالدولة اليهودية الخالصة التي يجب أن تتم فيها عمليات تطهير عرقي وديني من كل المسلمين والمسيحيين الفلسطينيين؛ إما بإبادتهم، أو بتهجيرهم خارج فلسطين المحتلة.
وقد ظهرت بعض المطالبات بإدخال أبناء غزة بالقوة إلى سيناء المصرية، وأبناء الضفة الغربية إلى الأردن، حتى ولو أدى ذلك إلى الدخول في حروب ضد مصر والأردن، أي أن إقامة دولة يهودية خالصة من الأشرار والأنجاس هو ما يحكم عقل وضمير جنود وضباط الجيش «الإسرائيلي»، وينتج منهم كل تلك القسوة الوحشية التي لم يسبق لها مثيل.
وتحالف حزب «عظمة اليهودية»، بزعامة «إيتمار بن غفير»، الذي يشغل حقيبة الأمن القومي، وحزب «الصهيونية»، بزعامة وزير المالية «بتسلئيل سموتريش»، يسيطر الآن على حكومة «بنيامين نتنياهو» والجيش، ويدير البلاد من خلال تلك الأفكار العلنية، التي كانت في السابق قاصرة على حاخامات اليهود في معابدهم، وزواياهم الضيقة.
و«بن غفير» هذا المتطرف أدين عام 2007م بالتحريض على العنصرية بعد أن رفع لافتات في احتجاج كتب عليها «طرد العدو العربي»، ويحتفظ حتى الآن بصورة في غرفة معيشته لـ«باروخ جولدشتاين»، وهو مستوطن أمريكي «إسرائيلي» قتل بالرصاص، عام 1994م، 29 مصلياً فلسطينياً في الحرم الإبراهيمي بالخليل، بينما كانوا يؤدون صلاة الفجر.
ومن هنا يمكن تفسير المنطلقات الإجرامية للجيش «الإسرائيلي» في شوارع ومنازل ومساجد ومستشفيات غزة، فالكيان الصهيوني يقوم على إبادة أصحاب الأرض وهم الشعب الفلسطيني وفقاً لأوهام ومرجعيات دينية يمكن أن تجر العالم إلى حروب تدمر كل المنطقة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل