العنوان في الذكرى الخامسة لاستشهاد علماء الصومال..لم يتخل (بري) عن الماركسية على الرغم من تخلي الروس عنها!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-يناير-1980
مشاهدات 72
نشر في العدد 466
نشر في الصفحة 12
الثلاثاء 22-يناير-1980
في مثل هذه الأيام من شهر يناير، كانون الثاني عام ١٩٧٥، علق في الصومال خمسة من خيرة علمائها، في مشانق نصبها لهم طاغية الصومال «محمد سياد بري» لأنهم وقفوا وقفة ثابتة، يقولون كلمة الحق للسلطان الجائر الذي أصدر قرارات تخالف مبادئ الشريعة الإسلامية.
وما درى الطاغية أن دماء هؤلاء الشهداء الأبرار ستسقي شجرة الإسلام التي أزهرت شبابا يتخذ الإسلام منهجا له في الحياة.. فبدأت المساجد تزدحم بالشباب الذين كانوا قلما يترددون عليها، وبدأت الفتيات يتمسكن بالإسلام ويرتدين زيه الشرعي الذي لم تعرفه نساء الصومال منذ سنوات بعيدة، وهكذا امتلأت شوارع مقديشو وهرجيسة وكسمايو وغيرها بنسخ بشرية من القرآن الكريم تدب فوق الأرض وتشع نورها في أرجاء الصومال.
وبرز من الشيوخ الفضلاء الذين كان لهم دور طيب في هذا المجال الشيخ محمد معلم من مقديشو، إذ التف حوله الشباب لكن السلطة الباغية لم يعجبها هذا، فبادرت إلى اعتقاله والزج به في ظلمات السجن، لا يعلم أحد عنه شيئا منذ عام ۱۹۷۸ حتى الآن.
وتجمع الشباب المسلم في «وحدة الشباب الإسلامي» في مدينة هرجيسة التي ضمت ٦٠ % من الشباب الذين يفهمون الإسلام ويعملون به متجاهلين المناهج الماركسية التي فرضتها الحكومة عليهم في المدارس والكليات فأثار هذا غيظ الحكومة التي سارعت إلى اعتقال مئات الشباب وزجت به في السجون وأغلقت أبواب (وحدة الشباب الإسلامي) في هرجيسة، وحولتها إلى مكان تدرس فيه العقيدة الماركسية وأغلقت مساجد النساء، وعمدت إلى طرد كل فتاة تلبس الحجاب من الجامعة، مما أدى إلى حرمان كثير من الطالبات المسلمات من متابعة دراستهن.
كما حرضت آباءهن على ضربهن لإجبارهن على العودة إلى اللباس الوطني أو الأوروبي وكلاهما يكشف معظم جسد المرأة. ولكن هذه المحاولات جميعها أخفقت.. وما زال الشباب المسلم الصومالي بجنسيه متمسكا بالإسلام داعيا له عاملا به.
خلفية تاريخية:
لإلقاء الضوء على الأوضاع في الصومال لا بد لنا من لمحة تاريخية تساعدنا على تفسير كثير مما جرى ويجري الآن في ذلك البلد المسلم.
من هو سياد بري؟
ولد سياد بري في قرية جربهاري (تل الحمير)، التي حولها إلى عاصمة إقليمية على الرغم من أنها أصغر قرى هذا الإقليم. وقد أنهى دراسته الابتدائية فقط وأصبح جنديا عاديا في الشرطة الإيطالية التي قدرت ولاءه لها فرفعته ليكون ضابطا في الجيش. ثم قائدا له حتى جاء عام ١٩٦٩ حين قام بانقلابه العسكري، وأعلن الماركسية المادية، وأطلق معها حريات الفسوق والفجور حتى عم الفساد في الصومال.
الحاشية من الأقارب..
واستغل «بري» منصبه في خدمة قبيلته وأهله، حتى أشعل نار الفتنة بين القبائل، بعد أن تم توحيدها وجمعها إثر الاستقلال فالرئيس الصومالي يغدق الأموال على قبيلة «مريحان» التي ينتمي إليها، دون القبائل الأخرى التي ساءها هذا التصرف، وجعل بعضها تغادر إلى الحبشة وتقف مع الحكام الأثيوبيين في أديس أبابا مثل قبيلة «مجبرتين»، وكذلك أبناء الصومال الشمالي يتحفزون الآن للثورة، مما يهدد بعودة الحروب الأهلية بين القبائل.
وظهر استغلال بري لمنصبه، وتفرده فيه بأن قام بتعيين كثير من أقاربه في مناصب هامة ووظائف حساسة، فشقيقه عبد الرحمن هو الآن وزير الخارجية، وابن عمه عبد القادر حاج محمد مسؤول الحزب للأمور السياسية، وزوج ابنته أحمد سليمان عبد الله رئيس المخابرات وزوج ابنته الأخرى عبد الرحمن أحمد رئيس لمالية الجيش وزوج ابنته الثالثة محمد سعيد قائد لجيش العاصمة، وابن عمه عمر عمر حاج محمد نائب لقائد الجيش.. هذا كله عدا عشرات الوظائف الهامة الأخرى التي يشغلها أناس من أقاربه أو قبيلته، ومعظمهم ممن لا يحملون شهادات وليست عندهم كفاءات، لتولي هذه المهام، أما المثقفون وأصحاب الكفاءات من الصوماليين فقد هاجروا إلى الدول العربية، بعد أن سدت الأبواب في وجوههم في الصومال.
السياسة الفاشلة:
والغريب بعد هذا كله أن الاتحاد السوفييتي الذي والاه سياد بري، وسمح له بالتغلغل في الصومال، ونشر عقيدته الماركسية بين أبنائه، الاتحاد السوفييتي هذا هو نفسه الذي حرض أثيوبيا على قتال الصومال قبل ثلاث سنوات وألحق هزائم مريرة بالجيش الصومالي، بعد أن أضعفه «بري» بالتسريح والتصفية، وقطع الاتحاد السوفييتي الأسلحة عن الصومال، فبدأت الحكومة تتجه نحو حكومات الغرب تطلب منها العون، حتى أن وزير الإعلام الصومالي آنذاك، عبد القاسم حسن، أكد رغبة الصومال في التعاون مع الولايات المتحدة وقال إن الأسلحة الأمريكية تجد قبولا لدى الصوماليين وإن تأجيل قرار تزويدها من أمريكا لا يخدم مصالح الغرب أو الصومال.
ولكن على الرغم من كلام وزير الإعلام، ومحاولات بري فإن الولايات المتحدة أو الغرب لم يزودا الصومال بالأسلحة وخسرت الصومال، فلم تستفد من ولائها للسوفييت، ولم تنجح في استدرار عطف أمريكا والغرب
أسباب الهزيمة:
ويرى الخبراء العسكريون أن أسباب هزيمة الصومال تتركز في النقاط التالية:
- التفوق الجوي لأثيوبيا جعل لها السيطرة على ميدان المعركة وأجبر القوات الصومالية على التراجع.. وقد خسرت هذه القوات في الأشهر الأربعة الأولى ٥٠ % من عتادها وقوتها البشرية.
- لم تتوفر للجيش الصومالي أية إمدادات جديدة من الأسلحة طوال الأشهر 6-7-8 من بدء الحرب.
- كان الجيش الصومالي في حالة دفاع، وكانت أثيوبيا في حالة هجوم تشاركهم قوات من كوبا في أهم الأماكن مثل هرر ودردرة.
- زادت قوة الأثيوبيين بعد أن انضمت إلى قوتهم الجوية طائرات ميغ ۲۱ و۲۳ يقودها طيارون كوبيون.
- الخبراء السوفييت الذين خططوا للمعركة كانوا يعرفون تكتيك الجيش الصومالي، وقواده وخططه لأنهم هم الذين قاموا بتدريبه، كما كانوا على علم بكل المواقع والتجهيزات الصومالية التي كان من الواجب أن تبقى من الأسرار.
لا يعتبرون:
وهكذا تخلى السوفييت عن الصومال بعد أن وهم «بري» بتأييدهم وحسب أنهم سينصرونه، وعلى الرغم من هذا فلم يتخل «بري» عن الماركسية التي كانت سبب هزيمة الصومال، وما زال «بري» يفرضها على الشعب المسلم الذي يصر على التمسك بدينه.
إن الشعب الصومالي المسلم ما زال يذكر علماءه الشهداء، الذين وقفوا في يوم الجمعة على منابرهم. قبل خمس سنوات، يقولون للمصلين وهم يمسكون كتاب الله في يمناهم وجريدة نجمة أكتوبر التي نشر فيها خطاب «بري» بنبذ بعض تعاليم الشريعة في يسراهم:
إن الله تعالى يقول هذا في آياته، وهذا الحاكم يريدنا أن نحكم بقوانين ماركس ولينين، فهو مرتد عن الإسلام، ولن يكون حاكما للمسلمين، فإما أن تخافوا هذا الحاكم الذي يبدل آيات الله، وإما أن تخافوا الله وتكونوا مؤمنين.
وانطلق المسلمون المصلون من المساجد في مظاهرات كبرى لا يزال الصوماليون يذكرونها، حتى نزلت الدبابات والمدرعات إلى الشوارع، واعتقل ألوف من المسلمين.
وبادرت الحكومة إلى الإعلان عن تنفيذها حكم الإعدام في العلماء الصوماليين، وفي اليوم نفسه سقطت طائرتا ميغ ٢١ في مقديشو، مما أدى إلى مقتل وجرح مئات الناس، وكأنه نذير غضب من الله المنتقم الجبار.