; في الساحة المصرية: أزمة في لغة الحوار بين الحكومة والمعارضة | مجلة المجتمع

العنوان في الساحة المصرية: أزمة في لغة الحوار بين الحكومة والمعارضة

الكاتب مراسلو المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 16-يناير-1990

مشاهدات 63

نشر في العدد 950

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 16-يناير-1990

القاهرة- من مراسل المجتمع:

نشرت صحيفة «الشعب» الأسبوعية لسان حال حزب العمل الاشتراكي في مصر، في عددها الصادر يوم الثلاثاء الماضي «9 يناير» تسجيلًا كاملًا لمؤتمر جماهيري عام، عقد في مدينة بنها التي تبعد عن القاهرة بحوالي 45 كيلومترا، حضره وزير الداخلية، وعدد من القيادات التنفيذية المحلية بالإضافة إلى عمد القرى والمشايخ، وقد أحاطت قوات الأمن -كالعادة- بالمؤتمر، وفرضت حصارًا شديدًا حوله.

تحدث اللواء زكي بدر وزير الداخلية في المؤتمر، مهددًا ومتوعدًا كل من يعارض النظام بالثبور وعظائم الأمور، ووصف المعارضين بأقذع الألفاظ، واتهمهم بأشنع التهم، وكال لهم السباب والشتم والإهانة، لم يفرق في ذلك بين أحد، بدءًا من رؤساء أحزاب المعارضة، الذين ذكرهم بالاسم وعلى رأسهم المهندس إبراهيم شكري والدكتور محمد حلمي مراد والأستاذ فؤاد سراج الدين والأستاذ مصطفى كامل مراد والأستاذ خالد محيي الدين، ومرورًا بعلماء الإسلام ورموز الإخوان بدءًا من الإمام الشهيد حسن البنا والمستشار حسن الهضيبي والمستشار مأمون الهضيبي والأستاذ أحمد سيف الإسلام وفضيلة العالم الشيخ يوسف القرضاوي والدكتور عبدالصبور شاهين والدكتور محمد السيد حبيب، وانتهاء بالدكتور عصام العريان والأستاذ مختار نوح، هذا بالإضافة إلى الشخصيات العامة والكتاب الصحفيين ومنهم مصطفى أمين ويوسف إدريس والدكتور ممدوح جبر والمهندس عثمان أحمد عثمان ود. ميلاد حنا.

التهجم على أحزاب المعارضة

لم يكن هذا هو كل ما في جعبة السيد الوزير، ولكنه كشف أيضًا عن قيام الحكومة بالتجسس على مقار أحزاب المعارضة، وكنوع من التأكيد، عرض جزءًا من اجتماع اللجنة التنفيذية لحزب العمل الاشتراكي مسجلًا على شريط تسجيل كاسيت! أما عن هجوم الوزير على جماعة الإخوان، فقد وصفها بالإخوان الشياطين، واستغرق الهجوم على الإخوان المسلمين ورموزهم أكثر من نصف ساعة، موضحًا أنه سيتعقبهم في كل مكان، بل أعطى أمرًا للعمد ومشايخ القرى الحاضرين بقتل أصحاب اللحى والجلاليب البيضاء، الذين ينزلون قراهم.

وقال الوزير إن الإمام الشافعي يقول بأنه يجوز للحاكم أن يقتل ثلث الناس في سبيل أن يحيا الثلثان في أمان! وأنا أريد قتل 1% من الشعب! أي حوالي 550 ألف موطن فقط!

ونعتذر للقراء عن عدم تقديم المزيد مما حواه المؤتمر العام، والذي استمع إلى وقائعه مراسلنا في القاهرة، نظرًا لما حواه المؤتمر من ألفاظ مقذعة، واتهامات فظيعة، يعاقب عليها القانون، وقد نشرت صحيفة الشعب جزءًا من هذه الاتهامات، وكتب رئيس تحريرها الأستاذ عادل حسين معلقًا على مؤتمر الوزير تحت عنوان «انزعوا السكين من يد هذا المجنون!» حيث طالب الرئيس مبارك بعد سرد الوقائع بإقالة وزير الداخلية، كما دعا النقابات والهيئات والجامعات إلى التحرك للدفاع عن الحريات والديمقراطية والكرامة.

لقد أحدث ما نشرته صحيفة «الشعب» من وقائع واتهامات وردت على لسان المسؤول الأول عن الأمن وهو جهة تنفيذية وليست قضائية، أحدث ما نشر استياء عامًا، وردود فعل غاضبة في أوساط المثقفين والسياسيين، بل ورجل الشارع العادي.. وإذا كان الكثيرون يؤكدون أن ما نشر ليس غريبًا على لغة الوزير، وأنه يقول مثل هذا الكلام دائمًا في لقاءاته العامة والخاصة، فإن قيام أجهزة الأمن باتهام العناصر السياسية والحزبية والرموز الإسلامية بكل هذه التهم والتجسس على مقارهم ودورهم وأحزابهم والعمل على تشريدهم وتعقبهم في كل مكان.

- لم يتحقق شيء!

وقبل شهرين أعلنت أحزاب المعارضة في مؤتمرها العام، عن ضرورة الإلغاء الفوري لقانون الطوارئ، وكافة القوانين الاستثنائية والنصوص التشريعية الأخرى المقيدة للحريات العامة والشخصية، وضرورة التزام السلطة باحترام الأحكام القضائية حفاظا على الشرعية وسيادة القانون بالإضافة إلى إجراء انتخابات جديدة تشرف عليها الهيئة القضائية إشرافًا كاملًا لتشكيل جمعية تأسيسية لتضع دستورًا جديدًا يكفل للأمة سيادتها، ويحقق التوازن بين سلطات الدولة وضمان حرية الانتخابات والاستفتاء العام، ويكفل احترام أحكام الشريعة الإسلامية الغراء وحقوق الإنسان ويطلق حرية إصدار الصحف وقيام الأحزاب.

وإذا كانت أيٌّ من هذه المطالب لم تتحقق، بل ازداد الوضع سوءًا، وبات هامش الحرية مفقودًا فإن الرئيس مبارك مطالب الآن أكثر من أي وقت مضى أن يعيد الأمور إلى نصابها، حتى لا تسير البلاد إلى طريق مسدود، خاصة في ظل التطورات الدولية السريعة والمتلاحقة، والتي يرقبها الجميع بتأمل وترقب، وأمل في اتساع رقعة الحريات السياسية والديمقراطية الصحيحة.

إن واجب الرئيس مبارك في مصر أن يبادر إلى تصحيح الأوضاع ومحاسبة الوزير على اتهاماته وتصرفاته، حتى يبرئ ساحته وساحة النظام السياسي من وأد الحريات والتضييق على العمل السياسي المشروع.

لقد حمد الكثيرون للرئيس مبارك اتساع هامش الحرية في أول عهده حتى في ظل قانون الطوارئ والقوانين الاستثنائية، والنصوص الدستورية المقيدة للحريات العامة، ولكن هذا الهامش بات معصوفًا به في ظل هذه الأوضاع الأمنية الشاذة وهذه التصرفات والسلوكيات المنكورة، التي يجب أن يبرأ منها النظام السياسي قبل فوات الأوان.

الرابط المختصر :