العنوان جولة خامنئي والعام الخامس للحرب
الكاتب عبد الرحمن الناصر
تاريخ النشر الثلاثاء 18-سبتمبر-1984
مشاهدات 60
نشر في العدد 683
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 18-سبتمبر-1984
شهدت الساحة السياسية في الأسبوع الماضي جولة مفاجئة للرئيس الإيراني علي خامنئي شملت كلا من سوريا وليبيا والجزائر في أول جولة رسمية يقوم بها رئيس إيراني خارج إيران، وقد رافقه في تلك الجولة وزير خارجيته علي أكبر ولايتي ووزير شؤون حرس الثورة محسن رفيق وقائد القوات البرية العقيد سيد شيرازي وعشرات من الاختصاصيين في شتى المجالات، إضافة إلى بعض أعضاء البرلمان الإيراني.
واعتبر في حينه أن ضخامة الوفد وتنوع اختصاصات أعضائه دليل واضح على أهمية هذه الجولة بالنسبة للطرف الإيراني، كما أن وجود عدد من القادة العسكريين يعني أن القضية الأولى لهذه الجولة تكمن في الحرب الدائرة بين العراق وإيران منذ أربع سنوات.
المحطات الثلاث
- كانت دمشق المحطة الأولى لهذه الجولة حيث أجرى خامنئي عدة اجتماعات مفتوحة ومغلقة مع حافظ أسد وأركان حكومته، وقيل في حينها إن المحادثات بين الجانبين شملت الحالة الراهنة في المنطقة، ومسائل التعاون بين سوريا وإيران ومواضيع أخرى ذات اهتمام مشترك!!
- ثم كانت المحطة الثانية في ليبيا حيث أجرى خامنئي محادثات وصفت بأنها هامة مع العقيد القذافي صدر في نهايتها بيان مشترك تحدث عن التحالف الإستراتيجي بين ليبيا وإيران ضد أعداء التقدم، وأنهما يقفان إلى جانب الثورات الشعبية والجماهير المستضعفة في الأرض!!
- وكانت الجزائر المحطة الثالثة والأخيرة في هذه الجولة حيث عقد خامنئي جولة من المباحثات مع الرئيس الجزائري بن جديد ذكر أنها تناولت المسائل المرتبطة بالعالم الإسلامي والقضية الفلسطينية والكفاح ضد العدو الصهيوني والأوضاع الراهنة في المغرب العربي، كما اجتمع خامنئي خلال وجوده في الجزائر بوفد من جبهة البوليساريو الانفصالية، وذكر أن المباحثات بينهما تمت في جو من التفاهم، وجدير بالذكر أن إيران تؤيد جبهة البوليساريو التي تطالب بدولة مستقلة منفصلة عن المغرب!!
هذه المحطات الثلاث لجولة خامنئي تكون في حد ذاتها خطًّا مشتركًا يصل بينها وبين النظام الإيراني يتميز بالتأييد المطلق للسياسة الإيرانية مع التحفظ على الموقف الجزائري الذي يعارض بعض اتجاهات السياسة الإيرانية وعلى وجه الخصوص ما يتعلق منها بالموقف الإيراني من حرب الخليج، فمن المعروف أن الجزائر بذلت جهودًا مضنية في سبيل الوصول إلى إنهاء هذه الحرب وذلك عبر وساطات متعددة ومحاولات مستمرة كان آخرها في شهر يونيو الماضي عندما أوفد الرئيس الجزائري اثنين من كبار الشخصيات الجزائرية إلى كل من بغداد وطهران.
لذا فإن كلا من دمشق وطرابلس الغرب هما المحطتان الرئيسيتان اللتان يعول عليهما في تحقيق الأهداف التي دفعت خامنئي للقيام بهذه الجولة.
والسؤال الذي لا بد من طرحه هنا لماذا كانت هذه الجولة طالما السياسات الإيرانية والسورية والليبية تقف على خط واحد؟؟؟
أبعاد الجولة
تتخذ جولة الرئيس الإيراني خامنئي أبعادًا مختلفة تخدم في مجملها مصالح وسياسات النظام الإيراني الذي يعيش في معاناة شديدة نتيجة الاستمرار في حربه ضد العراق، ويمكن تحديد هذه الأبعاد بالبعد العسكري- والبعد السياسي- والبعد العقائدي- والبعد الاقتصادي- والبعد الداخلي... وسنتناول بعض هذه الأبعاد ليستدل منها القارئ على دوافع الجولة.
البعد العسكري
تزامنت جولة الوفد الإيراني مع دخول الحرب العراقية- الإيرانية عامها الخامس ولا زال الطرف الإيراني يأخذ مداه في الإصرار على مواصلة القتال ضد العراق رافضًا كل الوساطات، ويبقى الإصرار على مواصلة هذه الحرب سواء عرف الإيرانيون ذلك أم لم يعرفوا يصب في مصلحة الرغبات الاستعمارية للقوى الكبرى وتجار الموت والدمار الذين يبنون ثرواتهم واقتصاد دولهم على جثث أبناء المسلمين وخراب ديارهم وتحطم اقتصادهم وضياع ثرواتهم..
نقول إنه مع هذه السنوات العجاف التي أصابت المنطقة ومع هذا الإصرار الإيراني على تحطيم العراق، إلا أن ميزان القوة العسكرية لا زال بعيدًا عن إمكانية تحقيق أي انتصار عسكري إيراني؛ مما دفع نظام إيران إلى الزج بمئات الآلاف من الشباب الإيراني خلال السنوات الأربع الماضية في أتون هذه الحرب حيث كان قادة إيران يعلنون في كل مرة أن هذا الهجوم هو الذي سيضع حدًّا حاسمًا لهذه الحرب.. لكن الهجمات الإيرانية كانت تنتهي بالمزيد من الضحايا والمزيد من الخسارة المادية التي تثقل كاهل الشعب الإيراني.. إلى أن كان شهر مارس الماضي حيث أعلنت القيادة الإيرانية عن استعداداتها لشن ما وصفته بالهجوم الأخير والحاسم ولكن الشهور تتوالى والهجوم لا زال في عالم المجهول حتى بات التأخير يشكل قلقًا واضطرابًا في أوساط الحشود الهائلة التي زرعت على الحدود العراقية؛ مما دفع برئيس البرلمان الإيراني هاشمي رافسنجاني إلى توجيه نداء للمقاتلين الإيرانيين طالبهم فيه بالصبر.
والسؤال الذي يمكن طرحه هنا لماذا لجأت إيران إلى تأخير هجومها الذي أعلنت عنه في شهر مارس طالما تدعي أن استعداداتها مكتملة إلى حد أن نقاط الهجوم قد تم اختيارها؟؟
يقول المراقبون العسكريون إن هذا التأجيل الطويل يخفي وراءه عدة أسباب، يأتي في مقدمتها الوضع العسكري العام للقوات الإيرانية الذي تعرض للاهتزاز الشديد نتيجة استمرار القتال أربع سنوات قتالية فقدت فيه الآلة العسكرية الإيرانية ما يقرب من نصف إمكاناتها وقدراتها التي كانت تمتلكها قبل قيام الثورة، ولهذا كانت إستراتيجية القتال الإيراني تعتمد في معظمها على الكثافة البشرية من جنود المشاة وحرس الثورة والمتطوعين... وهذا الاعتماد على العنصر البشري من شأنه أن يؤثر تأثيرًا سلبيًّا على مسار الحياة داخل إیران بشتى اتجاهاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية..
ومن هنا وجدت القيادة الإيرانية أن أي فشل يصيب الهجوم المرتقب من شأنه أن يضع هذه القيادة في وضع محرج يعرض نفوذها للاهتزاز وربما يؤدي إلى أمور أبعد من ذلك وأخطر.. إضافة إلى أن فشل الهجمات المتلاحقة السابقة ولّد في نفوس المقاتلين شعورًا بالمرارة من الطبيعي أن ينعكس تأثيره على نوعية أداء هؤلاء المقاتلين.
ثم يدخل العام الخامس للحرب والآلة العسكرية العراقية حسب ما ذكرته الدراسات العسكرية عادت أقوى مما كانت عليه في بداية الحرب نتيجة تدفق شحنات الأسلحة السوفياتية المتطورة للعراق بشكل لم يسبق له مثيل، وتأتي هذه الشحنات إثر التحول السوفياتي من الجانب الإيراني إلى الجانب العراقي بعد الضربة العنيفة التي وجهها النظام الإيراني لحزب تودة الشيوعي الإيراني.
ومن هنا فإن بعض المراقبين يعتقدون أن خامنئي تباحث مع الأسد والقذافي في إمكانية التوسط لدى الاتحاد السوفياتي لإعادة العلاقات إلى ما كانت عليه بينه وبين إيران في محاولة للالتفاف حول العلاقات الروسية العراقية، إضافة إلى إجراء المزيد من المشاورات الهامة حول الوضع العسكري الإيراني ومدى إمكانية سوريا وليبيا في تأمين المستلزمات العسكرية للقوات الإيرانية لمساعدتها على إتمام هجومها المرتقب.
وجدير بالذكر أن سوريا وليبيا ساهمتا مساهمة فعالة في مساندة الجانب الإيراني في حربه ضد العراق، سواء عن طريق شحنات الأسلحة أو مستلزمات المجهود الحربي أو الإمكانات الطبية...
وكان البيان المشترك الصادر عقب زيارة خامنئي لدمشق قد أكد على تبني سوريا للموقف الإيراني من الحرب مع العراق، وفي هذا تقول صحيفة الأوبزرفر البريطانية إن دمشق تقوم بتزويد طهران بأسلحة عسكرية ومعدات عسكرية مهمة؛ مما يرجح أن يزداد حجم هذه الشحنات بعد اللقاء الأخير بين خامنئي والأسد.
البعد السياسي
لا يختلف اثنان حول توازي البعد السياسي مع البعد العسكري؛ فالأهمية والأولوية تعطى للبعدين على حد سواء، ومن هنا فإن اهتزاز الوضع العسكري الإيراني كما أشرنا سابقًا يرادفه اضطراب الوضع السياسي للنظام، سواء على الساحة الداخلية أو الساحة الخارجية.
فالملاحظ أن السياسة الإيرانية الخارجية سواء على صعيد المنطقة الخليجية أو المنطقة العربية وحتى مجمل العالم الإسلامي، تأثرت إلى حد كبير بقرارات القيادة العليا للنظام وخاصة فيما يتعلق بالحرب مع العراق من حيث الإصرار على مواصلة القتال، ولما كان هذا الإصرار يتناقض مع الرغبة الملحة لمجمل شعوب العالم الإسلامي «على وجه الخصوص» بإيقاف القتال والجنوح للسلم فإن الإصرار الإيراني أدى إلى تقلص جماهيريته.
أما على مستوى الأنظمة العربية نلاحظ أن معظم الدول العربية تقف ضد السياسة الإيرانية باستثناء ثلاث أو أربع دول تربطها بإيران ظروف معينة تتأرجح ما بين العلاقة الطائفية والعداء مع النظام العراقي..
وشعوب العالم العربي أصبحت تقف بعيدة عن الجانب الإيراني بسبب إصراره وتعارض هذا الإصرار مع رغبة هذه الشعوب بإيقاف نهر الدم الذي فجرته هذه الحرب وإيقاف الهدر المستمر في ثرواته وتحول هذه الثروات إلى خزائن القوى الكبرى ثمنًا للسلاح الذي تحتاجه الحرب المستمرة.. وما ينطبق على دول وشعوب المنطقة العربية ينطبق أيضًا على دول وشعوب العالم الإسلامي وحتى المجتمع الدولي..
ومن هنا فإن نطاق العزلة السياسية كاد أن يكتمل حول القيادة الإيرانية؛ لذلك كانت جولة خامنئي والوفد المرافق له «بالإضافة إلى بعدها العسكري» محاولة من النظام الإيراني لكسر نطاق هذه العزلة المفروضة عليه، وكانت زيارته للجزائر تعبيرًا واضحًا عن هذه الرغبة نظرًا لأن موقف الجزائر من الحرب العراقية الإيرانية معروف وواضح لدى القيادة الإيرانية ويتلخص بضرورة إيقاف القتال والدخول في مفاوضات سلمية.
والسؤال الذي يطرح نفسه بعد جولة الرئيس الإيراني:
هل ستقف الحرب بعد السنوات الأربع.. أم أن الجولة كانت جزءًا أساسيًّا من أجل الإعداد للهجوم الكبير الذي كانت إيران تعد به؟
إننا ندعو إيران إلى نظرة عقلانية تراعي فيها مصالح المنطقة وشعوبها.. وندعوها بقبول مبادرة السلام.. فعسى أن تنتهي المنطقة من أوزار الحرب التي دخلت عامها الخامس.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل