العنوان في السياسة الشرعية- الحلقة (18) - الرقابة الشعبية على الحاكم ضرورة شرعية
الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي
تاريخ النشر الثلاثاء 14-ديسمبر-1982
مشاهدات 77
نشر في العدد 599
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 14-ديسمبر-1982
- عندما عالج الفقهاء موضوع الإشكالية السياسية في المجتمع الإسلامي، نلاحظ أنهم تناولوا موضوع البيعة بالتفصيل والسبب هو أن الإسلام -في تصوره السياسي- يشدد على أن تكون القيادة مفروزة من خلال نظام اختياري طوعي خالي من كل ضروب الإجبار والإكراه لذلك نظر الفقهاء للخلافة -باعتبارها رياسة سياسية عامة- على أنها «عقد مراضاة واختيار لا يدخله إكراه ولا إجبار» على حد تعبير الفقهاء. وعندما تنتهي الأمة من مهمة الاختيار لقيادتها السياسية تبدأ تزاول بعدها المهمة الشرعية الأخرى واللازمة لصلاح الأحوال كافة؛ أحوال القيادة السياسية المتمثلة بالحاكم وأعوانه ووزرائه وأحوال الأمة وسوادها هذه المهمة الشرعية هي مهمة: الرقابة الشعبية على الحاكم فالإسلام لا يعترف بالسلطة المطلقة إلا الله وحده: ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (إبراهيم: 27)؛ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (الأنبياء: 23) ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ (الحج: 14) ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (البروج: 16).
أما من هم دون الله -ويدخل في ذلك الأنبياء والرسل وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم- فحدود الطاعة لهم مشروطة بطاعة الله إذ لا طاعة في الإسلام إلا في حدود ما أنزل الله سواء من حيث النص أو الروح، لذلك فحدود إطاعة الحاكم والدولة في الإسلام لا تكون إلا فيما يوافق شرع الله وقانونه، والدولة الإسلامية دولة قانونية وقانونها شرع الله وهو مضمون العقد السياسي القائم بين الأمة والقيادة السياسية في الدولة الإسلامية، ورقابة الأمة على الحاكم -في السياسة الشرعية الإسلامية- حق من الحقوق الأساسية وتستمد الأمة هذا الحق من طبيعة علاقتها برئيس الدولة، فهي في الإسلام- علاقة وكالة وحيث أن الأمة اختارته ووكلته فمن حقها مراقبته للاطمئنان على حسن قيامه فيما وكل فيه من أمر عظيم. وحق المراقبة للحاكم يقرره الإسلام ويريد به تقويم الحاكم إن انحرف عن النهج القويم وأساء استعمال سلطته وأول منازل التقويم النصح، جاء في الحديث الشريف الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: الدين النصيحة قلنا لمن قال الله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم واذا لم يفد النصح فمن حق الأمة استعمال القوة اللازمة لتقويم الحاكم وردعه عن الظلم وعن سائر مظاهر الانحراف والاعوجاج فقد جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «والله لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم أخذًا ولتأطرنه على الحق أطرا ولتقصرنه على الحق قصرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم» (رواه أبو داود) «انظر رياض الصالحين ص: 122».
يقول القاضي عياض: «فلو طرا عليه «أي الخليفة» كفر أو تغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل» فمطلوب إذن من المسلمين أن يراقبوا الحاكم وما قد يطرأ عليه، ولا يكفي أن يختار المسلمون الحاكم ويدعوه يفعل ما يشاء، فهذا حق لله وحده. ومن ضمن ما قد يطرأ عليه هو الظلم والفسق وليس بالضرورة الكفر، فهل مطلوب من المسلمين طاعة الظالم أو الفاسق؟ يقول الفقيه أبوبكر الجصاص في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: 124): يقول الجصاص: فلا يجوز أن يكون الظالم نبيًا ولا خليفة لنبي ولا قاضيًا ولا من يلزم الناس قبول قوله في أمور الدين فثبت بدلالة هذه الآية بطلان إمامة الفاسق وإنه لا يكون خليفة وأن من نصب نفسه في هذا المنصب وهو فاسق لم يلزم الناس اتباعه ولا طاعته» انظر: أحكام القرآن للجصاص، ج1، ص79.
في أول عهد أبي بكر -رضي الله عنه- وفي أول بيان سياسي بعد البيعة قال: «أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني.. لا يدع أحد منكم الجهاد في سبيل الله فإنه لا يدعه قوم إلا ضربهم الله بالذل ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم». انظر: الطبري، ج 2، ص 450 كذلك، ابن هشام ج1، ص 311.
· هكذا إذن يعالج الإسلام الإشكالية السياسية في المجتمع وهي العلاقة بين القيادة السياسية والأمة- وتتلخص معالجة الإسلام لهذه القضية في نقطتين:
1) لابد أن تنفرز القيادة السياسية من خلال نظام اختياري طوعي.
2) لابد -في كل الأحوال- أن يكون لدى الأمة حق المبادأة في تقويم القيادة ومراقبتها وتغييرها إن اقتضت مصالح المسلمين ذلك. ومن حق المسلمين استحداث كافة التنظيمات لتحقيق هذه الغاية.