العنوان في السياسة الشرعية- الحلقة 27
الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي
تاريخ النشر الثلاثاء 27-أبريل-1982
مشاهدات 62
نشر في العدد 568
نشر في الصفحة 25
الثلاثاء 27-أبريل-1982
أشكال النضال السياسي في تاريخ الدعوة إلى الله «٣»
● في الحلقة السابقة والتي سبقتها تناولنا موضوع النضال السياسي كظاهرة لازمت وواكبت تاريخ الرسالات السماوية والدعوة إلى الله وحاولنا في حدود الاستطاعة أن نبين التناقض التاريخي بين رسل الله والطبقة المسيطرة اجتماعيًّا والذين وصفهم القرآن بـ أولي الطول والملأ، وأولي النعمة والمترفين. وفي هذه الحلقة يهمنا أن نتعرض إلى شكل النضال السياسي الذي لازم تاريخ الرسل والدعوة إلى الله فللنضال السياسي أشكال متعددة منها العمل التحتي الذي يقوم على تربية القواعد البشرية والعمل النقابي الذي يقوم على إستراتيجية تحريك الفئات الحيوية في المجتمع وصاحبة المصلحة الأولى في التغييرـ
والذي يقرأ القرآن وسيرة رسل الله يجد أنهم - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين قد مارسوا كل هذه الأشكال المتنوعة والمتعددة من النضال السياسي. غير أن الشكل الذي لازم الدعوة إلى الله في كل أطوارها - مع الحفاظ على الأشكال الأخرى- هو شكل التصدي العلني للطاغوت والظلم وجملة تفريعاته الاجتماعية والاقتصادية والذي يدرس تاريخ النظم السياسية ذات المنحى الدكتاتوري الطغياني يجد أن هذه النظم تقوم في الأساس على فرض هيبتها في نفوس الناس عبر تدابير عديدة. كما يتبين أيضًا أن هذه النظم لا ترتكز على أرضية صلبة من الإنجازات الاجتماعية أو الاقتصادية أو العسكرية، بقدر ما ترتكز على استمرار الردع النفسي للمحكومين عبر هذه الهيبة التي تفرضها عليهم. ويأتي التصدي العلني للطاغوت والظلم؛ ليستهدف كسر هذه الهيئة وتفتيتها وفي النهاية إزالتها من أجل أن يبادر الناس في مقاومة الظلم. هذا التصدي العلني للطاغوت والظلم يستهدف- إذن- إزالة الهيبة والخوف من نفوس الناس وتحريضهم على المقاومة وعدم الاستسلام للظلم والظلمة وقصة الحوارات العلنية الصدامية بين موسى- عليه الصلاة والسلام- وفرعون الطاغية الكافر الظالم تتكرر في سور القرآن. لقد كان فرعون عاليًا في الأرض ومن المفسدين المسرفين، يستحيي النساء ويقتل الرجال ويحوز الأموال ويكنزها لنفسه ولذويه وصار الجميع يخافونه ويخضعون له ويهابونه حتى طغى وكفر وقال لهم: أنا ربكم الأعلى وظن أنه يملك الملك والأنهار والبحار. فجاء إليه موسى- رغم كل الهيبة التي زرعها فرعون في نفوس الناس وفي حضور الناس المعدمين والفقراء والمعوزين أي القاعدة الجماهيرية التي يقف عليها فرعون ويدوس عليها بشكل يومي وقال: ﴿إِنِّي رَسُولٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ (الأعراف:104)
- ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ﴾ (طة-47) وتبدأ الأرض تتزلزل من تحت فرعون وتبدأ هيئته تعاني ويحاول أن يستخف بموسى ومن معه ويشكك بهم ويفتري عليهم ويجمع لهم: ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾، ﴿إِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُون﴾، ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَٰهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ ،﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلى كُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ (الشعراء:27) - والذي يتأمل بكلمات فرعون هذه التي وردت في القرآن يلحظ التشابه الكبير بينها وبين ما يقال اليوم في صحافة الطغاة وأبواقهم عن الدعوة والدعاة. لقد كانت خطوة التصدي العلني لفرعون بداية النهاية له إذ أدت إلى إزالة الهيبة التي كان يرتكز عليها تلك الهيبة التي تعطل إرادة الناس في مقاومة الظلم وأهله وحزبه من أجل هذا نجد أن الله في كتابه الكريم يحصن حزب المؤمنين من خشية أو خوف الناس ومنهم الطغاة ﴿ إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران:175).
﴿ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ (المائدة: ٤٣).
﴿ وَقَالَ الله لَا تَتَّخِذُوا إِلَٰهَيْنِ اثْنَيْنِ ۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴾ (النحل: ٥١).
﴿وَتَخْشَى النَّاسَ والله أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولً﴾ (الأحزاب:۳۷ )
ولذلك اعتبر العلماء أن الخوف من غير الله ضرب من ضروب الشرك. هكذا يتبدى لنا أن النضال السياسي في تاريخ الرسل والدعوة إلى الله ضد الطاغوت والظلم ورموزه البشرية اتخذ أشكالا عديدة من أهمها التصدي العلني الذي يستهدف ضرب هيئة الطاغوت والطغاة وهي خطوة أساسية وجوهرية نحو النصر عليهم.
﴿واللهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾( يوسف: ۲۱)
﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ ( آل عمران:١٩٦)
﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ (سبأ: ۱۹)
صدق الله العظيم.