; في السياسية الشرعية .. الحلقة (52).. ولاية التغلب والاستيلاء | مجلة المجتمع

العنوان في السياسية الشرعية .. الحلقة (52).. ولاية التغلب والاستيلاء

الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي

تاريخ النشر الثلاثاء 17-مايو-1983

مشاهدات 59

نشر في العدد 621

نشر في الصفحة 29

الثلاثاء 17-مايو-1983

قررنا في الحلقة السابقة بأن رضى عموم المسلمين وقبولهم بالسلطة السياسية ركن من أركان شرعيتها يقف جنبًا إلى جنب مع الركن الأول وهو إقامة وتنفيذ الشريعة الإسلامية وأحكامها على صعيد الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.

ومصدر سلطة الإمام هو الإسلام ومبايعة الجمهور له ورضاهم به والأمة هي الحافظة للشرع -أي إنها مصدر السلطات، إذا كان الأمر كذلك فما موقفنا من ولاية التغلب والاستيلاء؟ أي القفز على السلطة السياسية والاستيلاء عليها بغير رضى من عموم المسلمين ولا يتبع ذلك بيعة، مهم أن نعرف أن ولاية المتغلب ليست أصلًا وأنها لا تجوز ذلك لأنها خروج على قاعدة التراضي، يقول د. علي محمد جريشة في هذا الموضوع: «لذا حبذ الفقهاء التخلص منها (أي ولاية التغلب) كلما كان ذلك ممكنًا، وإذا جازت فإنما تجوز كما يجوز أكل الميتة ولحم الخنزير إذا ألحت الضرورة في ذلك، والضرورات تبيح المحظورات، لكن الضرورة تقدر بقدرها وتقف عند حدها فكلما أمكن إنهاؤها كان بقاؤها إثمًا» (انظر: المشروعية الإسلامية العليا، ص 254).

لقد أشار الإمام محمد رشيد رضا إلى وجوب السعي لإزالة ولاية المتغلب عند الإمكان وعدم جواز توطين النفس على دوامها ولا أن تكون القيادة السياسية للمسلمين كالكرة بين المتغلبين يتقاذفونها ويتلقونها. (انظر الإمامة الكبرى ص137).

    والأصل هو أن ولاية المسلمين وقيادتهم لا تصح بالتغلب والاستيلاء بل تصح بالرضى والقبول بطريق البيعة الصريحة، ثم إن المتفحص للخلافة الراشدة من هذه الزاوية يلاحظ اهتمام الخلفاء الراشدين في تأكيد أهمية البيعة العامة في المسجد، ويروي الطبري أن عليًا كرم الله وجهه قال: إن بيعتي لا تكون خفيًا ولا تكون إلا عن رضا المسلمين. (انظر الطبري-ج3- ص450).

يتضح من كل ذلك ومن وقائع أخرى كثيرة في عهد الخلافة الراشدة أن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يرون أن الخلافة وولاية المسلمين لابد من الفصل فيها برضا المسلمين ومشورتهم، أما اغتصاب الحكم بالقوة فلم يكن لديهم «خلافة» بل «ملكًا» ولذلك نجد أبا موسي الأشعري، يحدد لنا الفرق بين الخلافة والملك تحديدًا واضحًا إذ يقول: «إن الإمارة ما اؤتمر فيها وإن الملك ما غلب عليه السيف» (انظر: طبقات ابن سعد -جـ4- ص113).

الرابط المختصر :